تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

دولة الأمين

أبي موسى محمد بن هارون الرشيد، وما قدمه أبوه إلا لإرضاء أمه أم جعفر وخؤولته على أنه يكلف أخاه حمل مؤونته، وكان من

نوكى القوم، وأولى أهل بيته باللوم، لا يقيل رأيه من عثراته، ولا يجمّ جفنه لمقيل عبراته، فانهمك في اللذات، وانتهك حرمة الملك واللدات، وحفر لأخيه المأمون قليبا وقع فيها قريبا، وكان ذا أيد وقوة، حكي أنه وثب على أسد فصرعه وقرب مصرعه، ولكنه لم يؤيد بحزم يحوط به تدبيره، ويحول بينه وبين ما قضى تدميره، ولكن الله إذا أراد أمرا بلغه، ومن قصد أخاه بسوء دمر الله عليه ودمغه، وكان كريما يهب البدر بالمئين، ولا يسمح أن يمد إلى مائدته يمين، وكان يبخل بالطعام، وينحل في الشح أخلاق الطغام، وكان عنده رغيف الخبز كرغيف الأسد، لا يطاق مهاجمته، ولا يستطاع أن يقتحم أجمته.

وقال علي بن إسحاق: لما أفضت الخلافة إلى الأمين وهدأ الناس، أصبح صبيحة السبت بعد بيعته بيوم، فأمر ببناء ميدان حول قصر أبي جعفر في المدينة للصوالجة واللعب، وأمر جواريه بأن تهدي إليه غزلان تسيّب فيه، فأهديت له، فقال شاعر من أهل بغداد:

بنى أمين الله ميداناوصيّر الساحة بستانا
فكانت الغزلان فيه بأنتهدى إليه فيه غزلانا

وذكر محمد بن يحيى النيسابوري قال: لما نعي علي بن عيسى وقتله إلى الأمين [ص] وكان في وقته ذلك على الشط يصيد السمك [في الأصل:

الضمد، ولم أجد لها معنى] فقال للذي أخبره، ويلك فإن كوثرا قد أصاب سمكتين، وأنا ما صدت شيئا بعد، وذكر أن أحمد بن مزيد لما أراد الشخوص للقاء جيش المأمون، دخل على الأمين فقال: ليوصني أمير المؤمنين، قال: أوصيك بخصال عدة، إياك والبغي فإنه عقال النصر، ولا تقدم رجلا إلا باستخارة، ولا تشهر سيفا إلا بعد إنذار، ومهما قدرت عليه باللين فلا تنفذه إلى الشدة، وأحسن صحابة من معك من الجند، وطالعني بأخبارك في كل يوم، ولا تخاطر بنفسك طلب الزلفة عندي، ولا تستبقها فيما يتخوف رجوعه علي، وكن لمن تقدمك أخا، ولا تخذله إذا استنصرك، ولا تبطئ عليه إن استصرخك، ولتكن أيديكما واحدة، وكلمتكما متفقة، ثم قال: سل حوائجك وعجل السراح إلى عدوك، فدعا له أحمد بن مزيد وقال: يا أمير المؤمنين، بكر لي في الدعاء ولا تقبل فيّ قول باغ، ولا ترفضني قبل المعرفة بذنبي، ولا تنقص على ما استجمع من رأي، ومنّ عليّ بالصفح عن ابن أخي عبد الله بن حميد، وكان قد أمره الأمين بالخروج فتشرط فحبسه.

وحكي أنه لما كان محصورا، خرج يوما خادمه كوثر، وكان مضنى به حبا

كلفا به غراما، فأصابته جراحة أدمت حر وجهه، ونثرت ورد دمه على ياسمين خده، فقال:

ضربوا قرة عينيومن أجلي ضربوه
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «ضربوا قرة عيني»
أخذ الله لقلبيمن أناس جرحوه

وكان أبو نواس قد اعتقله الرشيد على كلمة قالها تعرض فيها إلى النقص بقريش، فلما ولي الأمين وكانت لأبي نواس به ذمة قديمة، فقال:

تذكر أمين الله والعهد يذكرمقامي وإنشاديك والناس حضّر
ونثري عليك الدرّ يا درّ هاشمفيا من رأى درا على الدر ينثر
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «تذكر أمير الله والعهد يذكر»
أبوك الذي لم يملك الناس مثلهوعمك موسى عدله متخيّر [ص]
وجدك مهدي الهدى وشقيقهأبو أمك الأدنى أبو الفضل جعفر
وما مثل منصوريك منصور هاشمومنصور قحطان إذا عدّ مفخر
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «تذكر أمير الله والعهد يذكر»
فمن ذا الذي يرمي بسهمك في العلىوعبد مناف والداك وحمير

فغنت جارية بهذه الأبيات بين يدي الأمين، فقال: لمن هذه الأبيات، فقيل له: لأبي نواس، قال: وما فعل، فقيل له: محبوس، قال: ليس عليه بأس، قال: فبعث إليه رجل من المجلس يعلمه بما قال، وقال:

أرقت وطار عن عيني النعاسونام الساهرون ولم يواسوا
للشاعر أبو العتاهية، من قصيدة «أرقت وطار عن عيني النعاس»
أمين الله قد ملّكت ملكاعليك من التقى فيه لباس
كأنّ الخلق في تمثال روحله جسد وأنت عليه راس
أمين الله إن السجن بأسوقد أرسلت ليس عليك باس

فلما أنشدته قال: صدق والله، عليّ به، فجيء به في الليل، فكسرت أقياده وأخرج حتى أدخل عليه، فأنشده:

مرحبا مرحبا بخير إمامصيغ من جوهر الخلافة نحتا
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «مرحبا مرحبا بخير إمام»
يا شبيه المهدي بذلا وجوداوشبيه المنصور هديا وسمتا

ثم كان في صحبته حتى أخذ من السفين، وأودع أحشاء الأرض منه الدفين.

وذكر عمر بن شبة أن أحمد بن محمد الهاشمي حدثه أن لبابة بنت علي بن المهدي قالت حين قتل الأمين وكانت تحته ولم يكن دخل بها ولا ضمها فراش حظي فيه بقربها ووضعت له سجوف نقبها:

أبكيك لا للنعيم والغرسبل للمعالي والرمح والفرس
أبكي على هالك فجعت بهأرملني قبل ليلة العرس

وولد في شوال سنة إحدى وسبعين ومائة، وتوفي في المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وعمره سبع وعشرون سنة، ومدته أربع سنين وتسعة أشهر، وقبره ببغداد.

ثم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.