تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الأعصم

وهو الحسن بن أبي منصور أحمد بن أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنّابي،

ويكنى بأبي محمد، ثار بالأحساء وزحف لقتال المصريين وطردهم من المقام سنة ستين وثلاث مائة، فخرج إليه من مصر [ص] جعفر بن فلاح الكتامي، فالتقيا يوم الأربعاء الخامس من ذي القعدة سنة ستين وثلاث مائة، فقتل جعفر وكثير ممن معه به، وملك الأعصم الشام كله، إلا يافا، ثم زحف إلى مصر ونزل الحب غرة ربيع الأول سنة إحدى وستين وثلاث مائة، فهلك من المصريين خلق كثير حتى أشرفوا على الهلاك، فغدرت العرب بالأعصم، وأخذوا فساطيطه، فانهزم راجعا إلى الأحساء، ثم عاد على أثره إلى الشام، ولم يزل بها إلى أن وصل المعز من القيروان إلى القاهرة يوم الأربعاء سادس رمضان سنة اثنتين وستين وثلاث مائة، فخرج لحرب الأعصم بنفسه، فهزمه الهزيمة الشنعاء التي شردهم بها عن المقام، وذلك يوم الخميس سادس شعبان سنة ثلاث وستين وثلاث مائة، ومات الأعصم في طريق الأحساء في هذا الشهر، فحمل ودفن بالأحساء، وحل بجهنم، وقيل له اخسأ.

فهذه مشاهير الدول المنسوبة إلى الحسين بن علي ﵄، تشتمل على حملة النسب، والدعي، والسقيم المائل، والصحيح السوي، وبها ثم ما

أشد من العصابة العلوية وقدمتهم على بني العباس لما تقتضيه الأولوية.

فأما خلافة الاجماع والإمامة التي ختمت كالشمس، ومدت أطناب الشعاع، فهي بعد خلافة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن ﵃، الدولة الأموية، ثم الدولة العباسية، وما سواهما كالشذوذ، وكل عقد إلا لهما فهو في حقيقة الحال منبوذ.

وأول ما نبدأ بذكر الدولة العباسية، فإنها وإن كانت المعقبة لبني أمية والآتية بعدها على ما قد كان، فأبتدئ بالأقرب مخرجا من النبعة النبوية، والأدنى إلى مناسبها الزكية، ونحن نذكر إن شاء الله تعالى دولها الشهيرة ثم نصلها بما وصل إلى مصر في أيام ملوك الأتراك وتعلل فيها دماؤهم حتى مات وقبر هناك، ثم نذكر الدولة الأموية [ص] ونصلها بمن دخل الأندلس وكان بها، حتى انكدر أفقهم، وطمس وهوى منهم الرفيع ودرس، إن في ذلك لعبرة، وإن فيه لما يجري للعبرة، وهي عوائد عوادي النوب، أخمدت نار كسرى، ورمت تاج قيصر قسرا، وأماتت افراسياب على شاطئ النهر قهرا، أذلت عزة بني عبد المدان، وحطت تخت تبّع من رأس غمدان، وكان الأول في ذكر سكان الأرض أن تقدم في صدر الملة الإسلامية هاتان الدولتين، ونعزل مما أناف لآل عبد المناف الذروتين، لأن أهل هاتين الدولتين من بني أمية ثم من بني العباس هم الخلفاء حقا بعد الراشدين وصدقا، لولا كذب ادعاء المعاندين، وقد ذكرنا سكان الأرض، وهذا الاسم أصدق ما أطلق على الخلفاء، لقوله ﷺ:

(لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم لسان)، فهذا نص على أنهم ولاة

أمر الناس، وجميعهم لهم أتباع، وإذا كان هذا الأمر لقريش فلابد أن يكون منهم واحد يجمع أمرهم، وهو الإمام، وما من البشر مطيعهم وعاصيهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا مأموم به، وإن كان منهم عصاة أو خالع لربقة الطاعة، فإنه يلزمهم حكمه بشريعة الدين وعقيدة الإسلام، ولا يقدر يخالف في هذا أحد من المسلمين ولا ينازع مؤمن أنه داخل في إمرة أمير المؤمنين، فحينئذ الأئمة هم سكان الأرض وبقية من فيها ضميمة لهم أو كالضميمة، وعلى هذا الرأي بنينا هذا القسم من أوله، وبيّنا كثيرا من تفاصيله وجمله، فذكرنا ما نقل إلينا مما كان من بداء الخلق، ومن كان في زمان كل من الأنبياء صلوات الله عليهم والملوك المؤمنين والكفار، فإن قال قائل: فلم ذكرت الملوك قبل الإسلام مع وجود الأنبياء، ومن أولئك الملوك كفار، لا بل غالبهم، ولم نذكرهم مع الخلفاء، والأنبياء أعلا درجة من الخلفاء، وملوك الإسلام خير من ملوك الكفار؟ الجواب:

أن النبي كان يبعث إلى قومه خاصة، ولا [ص] تتعدى دعوته مكان بعثته، والأرض مملوءة بالملوك، ومنهم من لم يرسل في ذلك الوقت إليه، ولا إلى قومه، فاحتجنا إلى أن نذكر الملوك لهذا السبب، إذ كنا بصدد ذكر سكان الأرض، وليس في أولئك الأنبياء من له دعوة عامة، فإذا ذكر هو أو خليفة اكتفي به عن سائر الناس، ونبينا ﷺ دعوته عامة، فإذا ذكر هو أو خليفته اكتفي به عن سائر الناس، كما قال تعالى مخاطبا عنه: ﴿يا أَيُّهَا اَلنّاسُ إِنِّي رَسُولُ اَللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾، فلما كانت دعوته عامة، كانت دعوة خلفائه عامة، فلهذا لم يبق مقتض لذكر أحد معهم، فإن قال: كيف تتكلم في سكان الأرض، وإنما أنت تتكلم في واحد منهم؟ فالجواب: إنّا لو أردنا ذكر الناس رجلا رجلا، لأردنا ما ليس في الإمكان، وإنما إذا ذكرنا الخلفاء نكون كأنا ذكرنا

كل سكان الأرض لأنهم نواب الله في أرضه وخلفاء نبيه ﷺ في أمته، وهو المبعوث إلى الأسود والأحمر، والقاصي والداني، وهم القومة بدينه، والدعاء بدعوته العامة، وجميع أهل الأرض ملزمون بها، من آمن منهم أو كفر، فلهذا وجب إفرادهم بالذكر، وأطلق على الجزء منهم اسم الكل، وبالله التوفيق.

وأما الملوك شكر الله عن الإسلام سعيهم، وبوّأهم المغفرة والرضوان، فإنه سيأتي ذكرهم في قسم التاريخ وهو أمسّ بهم، لأنه أكثر ما دار على ذكر أيامهم، ونوب الدهر بيّنة، وفيهم من جاهد في الله وقاتل في سبيله، وسهّد جفونه في جهاد أعدائه، وأغضّ الكفر وأماته بدائه، وضارب حتى ملّت السيوف مضاربها، وكرهت الخيل الماء وعافت بالدماء مشاربها، وحامى عن رأيه وإمامه، وواصل طلائع راياته وآرائه، وأعملوا سيوفهم وأقلامهم في تمهيد البلاد، وتوطيد الملك فناضلوا وناظروا وجالدوا وجادلوا، وفعلوا ما قدرت عليه مكنة هممهم، وظفرت به أيدي مطالبهم، وسروا السرايا لإفاضة هذه الدعوة النبوية، وإفاءة الأرض بظلال [ص] عصائبها المحمدية، وسنذكر من هذا مما نثبته في موضعه ونبينه في مواضعه، ونبيع زهره لمطالعه، وزهره بمطالعه، ونشرح به صدر رائيه وقاريه وسامعه، فأما ما ذكرنا من بني إسماعيل، فإنما أردنا به في النسب الشريف النبوي زاده الله شرفا اتصال سببه وإيضاح كيف كان نور مظهره، ليعرف تقدم آبائه في النسب اللباب، وخروج درته اليتيمة من قرارة ذلك البحر العباب.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.