تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

دولة المنتصر بالله

أبي جعفر محمد بن جعفر المتوكل، انتصر لابن عم نبيه، وانتصب له انتصاب حمي الأنف أبيّه، وانتصف لذي قرابته من أبيه، وأرتعه في وبيل

المرعى وبيّه، وانتضى له سر العهد والعمد، وطوقه بجنيه، وأوطى عليه صوارم الأتراك، ووالى إليه عزائم الإدراك، حتى قتل تلك القتلة، وبرد غيظه، وشفى الغلة، لهذا منّي بالهلك بعده، وما هنّئ بالملك ولا طالت له مدة، فكانت قضيته شبيهة بقضية شيرويه، كلاهما قتل أباه، فما قبل الملك بملكه وأباه، فما سعى إلى السرير السرير حتى قصرت خطوة أجله، وقصرت سطوة المنايا على عجله، فحقرت كتب التهاني بالتعازي، ووسمت سمة فعله بالمحاسن والمخازي، فمن حمله على أنه غار لله لابن عم رسوله شكره، ومن حمله على أنه غال أباه للملك لم يكفر له ذنوبه المعذرة، ومن يوم مدت الأيدي بالمبايعة إليه قال الناس: هذا لا تزيد أيامه على مدة [ص] شيرويه، وكان من غريب الاتفاق أنه بسط في ذلك اليوم بساط، جاءت قدام مقعد المنتصر صورة مصورة، وحولها أسطر مسطرة، فأحضر من قرأ له ذلك الخط وعرّبه، فوجد مضمون أحرفه المكتتبة، هذه صورة شيرويه قتل أباه، فما دامت أيامه، ولا هنّئ بالملك بعده، فتطير المنتصر من ذلك، وتقرر عنده أنه هالك، فلما هلك، عجب الناس من ذلك الوفاق، حتى ظن بعضهم أن هذا وقع بالقصد لا بالاتفاق.

وحكى أحمد بن الخصيب، خرج يوما مسرورا، فقال: إن أمير المؤمنين رأى كأنه صعد درجة، حتى انتهى إلى خمس وعشرين مرقاة، ثم قيل له قف، هذا آخر عمرك، فتأولها ابن الخصيب الخلافة، وإنما كانت جميع عمره، فعاش بعد

ذلك أياما ومات، وحسب عمره فكان قد أكمل خمسا وعشرين سنة حصل له ورم حار فيه البتة من نزلة حادثة، فمات بعد ثلاثة أيام، وذلك يوم الجمعة لخمس خلون من ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائتين، وكانت خلافته ستة أشهر ويومين، وعمره خمسا وعشرين سنة ونصفا، وكان أعين أقنى قصيرا مهيبا، عظيم الجثة من حدوثها، وقيل، وهو الأكثر، إنه وجد حرارة ففصد بمبضع مسموم، فمات، ومن العجب أن الطبيب الذي فصده احتاج إلى الفصد، فأمر تلميذه بفصده، فأخرج له مباضع، وفيها ذلك المبضع المسموم، وقد نسيه، ففصده به فمات، وقيل: بل أصابته علة في رأسه فقطر الطبيب ابن طيفور في أذنه دهنا، فورم رأسه ومات، وقيل: غير هذا، وكان ينشد لما اشتدت به العلة:

فما فرحت بدنيا أخذتهاولكن إلى الرب الكريم أصير
وما كان ما قدمته رأي فلتةولكن بفتياها أشار مشير

ويروى أنه قال لابنه لما أحس بالموت: عالجت فعولجت.

ثم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.