من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
دولة المستعين بالله
أبي العباس أحمد بن محمد المعتصم [ص] ولي بالمشاورة، وبلي
بالمساورة، وغالبه المعتز حتى غلبه، وناصبه حتى ابتز منه الملك وسلبه، وكان ألثغ اللسان لا ينعش الألفاظ من عثراتها، ولا ينعم النظر في تجنب معراتها، وكان يجعل الشين ثاء، وزبد كلامه الغث كله زبدا غثاء، وكان من سفلة الخلفاء، لا يصعد به جده هاشم، ولا جده الذي هو لمعاطس الأعداء مرغم ولوجوههم هاشم، لا يطاوعه على الحزم الرأي الرائن والعزم الخائب الحائن، وكان أردى في هذا من الأمين حالا، وأكدى محالا، واستوزر وزيرا ناسبه في هذه الأحوال، وحاسبه على فعله حالا فحال، حتى انحل سياج دولته، وانفل جيش صولته، وآل أمر المستعين إلى ما آل، ومال إلى سوء رأيه في سوء مآل، وكان مع هذا غير مقبول الصورة، ولا مأمول السورة، إلا أنه لم يخل من مجالس أنس، وندمان ونفس تبادر ببذل المال صرف الزمان، فكان يهب البدر، ويعد بأمثالها إذا قدر، وكان لا يمل ود الصديق، ولا يميل إلى من وشى به إصغاء التصديق، فكان فيه مما يحمد هاتان الخلتان، والحسنتان الحسنتان، وكان ينظم الشعر، إلا أنه من سقط المتاع، ويجيء به بلا كلفة، إلا أنه مما تجود به الطبيعة، وكان قد بويع بالخلافة يوم الاثنين لست خلون من ربيع
الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين، ثم بايع الأتراك أخاه المعتز، فأرسل المعز أخاه الموفق، فنزل بغداد وحاصرها، فلم يزل أمر المستعين يضعف، وأمر المعتز يقوى، فبعث إلى المعتز.
يسأله أن يعطيه خمسين ألف دينار، ويقيم حيث شاء، وعلى أن يكون بغا ووصيف اللذين كانا صنيعة له أحدهما على الحجاز وما والاه، والآخر على الجبل وما والاه، ثم خلع سنة اثنتين وخمسين، وأراد أن ينزل البصرة، فقيل: إنها حارة، فقال: أتراها أحر من فقد الخلافة، ثم اختار نزول واسط، فلما صار بقرب سر من رأى، تلقاه سعيد الحاجب، فباتا بها، فأصبح المستعين ميتا [ص] ولا أثر به، وقيل غير هذا، فقال جنيد الكاتب المعروف بباذنجانة:
إيها بني العباس إنّ سبيلكمفي قتل أعبدكم سبيل ممنع
رقّعتم دنياكم فتمزقتبكم الحياة تمزقا لا ترقع
ثم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع