من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
دولة المعتز بالله
أبي عبد الله الزبير بن جعفر المتوكل، وقد أشرنا في ذكر المستعين إلى أن
المعتز ناصبه حتى ابتز منه الملك، واهتز له اهتزاز سيف لا يعوقه المسك، ناصبه على الأمر حتى قوم أوده، ونصبه وقدم مدده إليه ونصبه، وجهز إليه أخاه الموفق فكسر، ثم أجهز عليه فنصر بعد حروب أفنيا فيها الأعمار، وبنيا فيها صروحا تسلق عليهما منها الأغمار، لكثرة ما طاح بينهما من جائل مهج، وطاف من حائل رهج، وطيّب المعتز سقام الملك، وشفى وصبه، وكفى عصبه، فاستعاد سلطانه ممن غصبه، واستقاد شيطانه المريد ورجمه بشهب نباله وحصبه، ورجمه فأنفاه، ثم بدا له فشفى غليله، وإن كان قد قطع عصبه، وكان المعتز أحسن خليفة رئي كأن البدر طالع من طوق قبائه، والظبي راتع حول خبائه، برز يوما في ثوب أخضر مذهب، فأشبه غصنا وريقا تلص إليه الأصيل، ولم يذهب، وكان يتعشق يونس بن بغا، وكان مثله في حسنه وحسناه، ونظيره في سنه وسناه، حتى كان يقال إنه ما رأى أحد مثلهما عاشقا ومعشوقا، توافقا جمالا وتناسقا كمالا، وتقارضا شغفا وتقاربا كلفا، فكانا غصنين سمقا، وبدرين اتسقا، وكلف المعتز به حتى كان لا يقدر يصبر عنه لحظة، ولا يضيع مع غيره لفظة، واشتغل به عن كل ما سواه، وجد به وجدا قل من قاربه فيه أو ساواه، وغاب عنه ساعة يرى فيها أمه وهي تموت، فقال:
تغيب فلا أفرحفليتك لا تبرح [ص]
وإن جئت عذبتنيبأنك لا تسمح
فأصبحت ما بين ذينولي كبد تجرح
على ذلك يا سيديدنوك لي أصلح
وقد قيل إن اسمه الزبير، وكان يوصف بالحزم والعزم على صغر سنه، فلما
ولي الخلافة صغيرا استقل بأعبائها، وكان قد بويع بعده لأخويه المؤيد ثم الموفق، ثم اجتمع الأتراك عليه وطالبوه أن يخلع نفسه، ولم يزالوا يضربونه حتى أجاب إلى الخلع، وكتبوا بذلك كتابا على نفسه، ثم أدخلوه على المهتدي، فقال له أخلعت نفسك، قال: بل خلعت، فوجئ في قفاه حتى سقط، ثم أقيم فقال: خلعت نفسي وسلمت ورضيت، ثم أخرج في الحر حافيا، فطلب نعلا فلم يعطاه، فأرخى سراويله ومشى عليه، ثم عذب بأنواع العذاب، وأدخل حماما وهو عطشان، ثم أخرجوه فطلب ماء فجئ بماء مثلوج فشربه فمات، وذلك يوم الأربعاء لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، ومدة خلافته أربع سنين وسبعة أشهر، وكان عمره أربعا وعشرين سنة، وكان أبيض اللون أسود الشعر جميل الصورة.
ثم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع