تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

المستكفي بالله

أبو الربيع سليمان، [قام] بعهد أبيه، وكان حسن الجملة، لين الحملة،

مع فروسية كانت فيه، لو وجد لها حين إبراز، أو أضفي حد لإحراز، إلا أنه لم يجد لغصته مساغا، ولا لقصته بلاغا، فكان لا يرى لسهولة الجانب، ومداهنة المجانب، إلا أوطأ من رمله، وأضعف من نمله، وأكثر توقيا ممن عرفت عليه عمله، عهد إليه أبوه الحاكم بالخلافة بعد ابنه المستمسك، الأمير أبي عبد الله محمد، حين توفي المستمسك وتجرع أبوه صاب مصابه، وطوى حوائجه على داء أوصابه، ثم جعل بعده العهد إلى إبراهيم ولد المستمسك، ظنا أنه يصلح لأن يصرح باسمه على المنابر، ويجيء على أذيال آبائه الأكابر، فلما توفي الحاكم وخرج سلار كامل الممالك، فمن دونه في جنازته، وقاموا نحو كرامته وغرارته، بويع المستكفي بيعة طوقت الرقاب، وطولت له ذيل الخلافة على الأعقاب، وكان هو وسلطاننا كأنهما أخوان، لما بينهما من إلفة جامعة، ومودة لفراق الأعداء قامعة، وحضر نوبة مرج الصفر، وكان [ص] على عهد الله المظفر، سار سلطاننا به فأيّد الله بهما هذه العصابة، وكان يومهما بمرج الصفر باني يوم الصحابة، كل منهما هدّ أركان العدو، وهدم بنيان أهل العتو، ثم لم يزل به لدم الخلافة آثار باقية، وشئ يحفظ به تلك البقية المتلاشية، حتى كان من نزول السلطان عن الملك سنة ثمان وسبع مائة ما كان، وحصل الاجتماع على المظفر بيبرس، فقلده المستكفي وسوّره، وصيّره حيث صيره، فنقمها عليه

السلطان، وأسرّها، ثم لما قام السلطان لاسترجاع ضالته، وإنباه المظفر من كرى ضالته، استجاش المظفر بالمستكفي يجدد له الولاية، ونسبت في السلطان أقوال إليه، حملت السلطان على التحامل عليه، فلما عاود الزمان عقله، وحل من الحظ الناصري عقله، وعاد السلطان سنة تسع وسبع مائة إلى تخته، وعاد ما ألّف من بخته، أعرض عن المستكفي كل الإعراض، ودبّت بينهما الأمراض، فلم يزل يكدر على المستكفي المشارب، ويقف دونه في وجوه المآرب، حتى تركه في برج في القلعة، في بيته وحرمه، وخاصة من يلوذ بحرمه، وبقي على هذا مدة، حتى قام قوصون، ورجل آخر معه لا أسميه، ولم يزالا يلاطفان السلطان حتى أنزله إلى داره، وأطلع هلاله، نضوا من سراره، ثم نسب إلى ابنه صدقة، التعلق ببعض خاصة السلطان، وتردد ذلك الغلام إليه، فنفي الغلام، وأصعد بالخليفة إلى قوص، فقدمت إليه مطايا السفين، وأنزل معه بعض حرمه وقد حفين، ثم أقلعت بهم تلك السواري، وعادوا أجنة في بطون تلك الجواري، إلا أنه لم ينقص من روايته، ولا أسقط اسمه عن المنابر، وغبر عن هذا مدة، يعلل فيها نفسه، إلى أن علقت بابنه صدقة أشراك المنون، وجالت في منيته الظنون، فجزع عليه جزعا شديدا، استخف وقاره، وحركه بل أطاره، ثم لم تطل به المدة، ولا بقي إلا قليلا بعده، وكانت وفاته سنة أربعين وسبع مائة، ودفن بقوص، وذلك بعد أن أذن إلى ابنه الحاكم أبي العباس، لكنه لم يجد عهده راعيا، ولا [ص] ابنه بعده لوصيته واعيا.

ثم قام ابن أخيه:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.