من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)
ترجمة المعتزلة (٣)
الصفحة ١ من ٢
العراق فقلت في نفسي من هذا كنت أخاف ثم قلت لهما تدعني حتى آتي أهلي وأودعهم ثم أسير معكما فقالا ما إلى ذلك من سبيل فاستسلمت في أيديهما ثم صرت إلى يوسف بن عمر وهو في الإيوان الأحمر فسلمت عليه فرد علي السلام ورمى إلي بكتاب فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به من غير ترويع وادفع له خمسمائة دينار وجملا مهريا يسير عليه ثنتي عشرة ليلة إلى دمشق فأخذت الدنانير ونظرت فإذا جمل مرحول فركبت وسرت حتى وافيت دمشق في ثنتي عشرة ليلة فنزلت على باب هشام واستأذنت فأذن لي فدخلت عليه وهو جالس على طنفسة حمراء وعليه ثياب من حرير أحمر وقد ضمخ بالمسك فسلمت عليه فرد علي السلام واستدناني فدنوت منه حتى قبلت رجله فإذا جاريتان لم أر أحسن منهما قط فقال كيف أنت وكيف حالك فقلت بخير يا أمير المؤمنين فقال أتدري فيما بعثت إليك فقلت لا، قال: بسبب بيت خطر ببالي لا أعرف قائله قلت وما هو يا أمير المؤمنين:
ودعوا بالصبوح يوما فجاءتقينةٌ قي يمينها إبريق
فقلت يقوله عدي بن يزيد العبادي في قصيدة قال: أنشدنيها فأنشدته:
بكر العاذلون في وضح الصبح يقولون لي أما تستفيق
ويلومون فيك يا ابنة عبد اللهوالقلب عندكم موثوق
لَسْتُ أدري لكثرة العذل فيهاأعذولٌ يلومني أم صديق
قال حماد فانتهيت فيها إلى قوله
ودعوا بالصبوح يوماً فجاءتقينةٌ في يمينها إبريق
قدّمته على عقارٍ كعين الديك صفّى سلافها الراووق
مُرَّةٌ قبل مزجها فإذا مامزجت لذَّ طعمها من يذوق
قال فطرب هشام ثم قال أحسنت يا حماد سل حاجتك قلت إحدى الجاريتين قال هما جميعا لك بما عليهما ومالهما فأقام عنده ثم وصله بمائة ألف درهم. قلت: انظر أيها المتأمل إلى نفاق رخيص الأدب في ذلك العصر وكساد غاليه في هذا العصر وبشهادة الله أن البيت الذي طلب حماد الراوية بسببه من بغداد إلى دمشق في اثنتي عشرة ليلة وأجيز عليه بالجاريتين والمائة ألف درهم تأنف نفسي أن أضعه في قصيدة من قصائدي لرخصه وسفالته وهو:
ودعوا بالصبوح يوما فجاءتقينةٌ في يمينها إبريق
وكنت أود أن أكون في ذلك العصر ويسمع هشام بن عبد الملك قولي في هذا الباب من قصيدة قلتها:
في ليلةٍ رقم البدرُ المنيرُ لهاطارا به لعصاً جرزاء نقراتُ
وبات لي منه لما قد تبسَّم ليتحت الضفائر صبحاتٌ وغبقاتُ
والراح دقَّ على فهمي تصوُّرهالكن لمِا ضاع في الكاسات نفحات
كانت علامةُ تحقيقٍ وقال فميهي المنازل لي فيها علامات
مذْ أنشأتنا سجعنا في محاسنهامغرّدين وللإنشاء سجعات
هذا وأفواه كاساتي قد ابتسمتومازجتها ثغورٌ لؤلؤيات
ومن يقل حركات الهمِّ ما سكنتفللحباب على التسكين جزماتُ
قال ثعلب ما أحد من الشعراء تكلم في الليل الطويل إلا قارب ولكن خالد الكاتب أبدع فيه فقال:
رَقَدْت فلم ترثِ للساهروليلُ المحبِّ بلا آخر
ولم تدرِ بعدَ ذهاب الرُّقادِ ما صنع الدمعُ بالناظر
وقال بعض من كان يحضر مجلس المبرد كنا نختلف إليه فإذا كان آخر المجلس أملى علينا من طرف الأخبار وملح الأشعار ما نرتاح إلى حفظه فأنشدنا يوما مرثية زياد الأعجم في المغيرة بن المهلب التي منها:
فإذا مررتَ بقبرهِ فاغفر لهكرمَ الهِجانِ وكلَّ طرفٍ سانحِ
وانضح جوانب قبره بدمائهافلقد يكون أخا دمٍ وذبائح
قال فخرجت من عنده وأنا أديرها في لساني لأحفظها فإذا بشيخ قد خرج من خربة وفي يده حجر فهم أن يرميني به فتترست بالمحبرة والدفتر فقال ماذا تقول أتشتمني فقلت اللهم لا ولكني كنت عند أستاذنا أبي العباس المبرد فأنشدنا مرثية زياد الأعجم في المغيرة بن المهلب فقال له إيه إيه أنشدني ما أنشدكم باردكم لا مبردكم فأنشدته فقال والله ما أجاد الراثي ولا أنصف المرثي ولا أحسن الراوي قلت فما عساه أن يقول قال كان يقول:
إحملاني إن لم يكن لكما عقرٌ إلى جنب قبره فاعقراني
وانضحا من دمي عليه فقد كان دمي من نداه لو تعلمان
قال فقلت هل رأيت أحدا واسى أحدا بنفسه قال نعم هذا الفتى الفتح بن خاقان طرح نفسه على المتوكل حتى خلط لحمه بلحمه ودمه بدمه ثم تركني وتولى فلما عدت إلى المبرد قصصت عليه القصة فقال أتعرفه قلت لا قال ذلك خالد الكاتب تأخذه السوداء أيام الباذنجان انتهى. قيل كبر خالد الكاتب حتى دق عظمه ورق جلده وقوي به الوسواس ورؤي ببغداد والصبيان يتبعونه فأسند ظهره إلى قصر المعتصم والصبيان يصيحون به يا بارد فقال كيف أكون باردا وأنا الذي أقول:
بكى عاذلي من رحمتي فرحمتُهُوكم مثلهُ من مسعدٍ ومعينِ
ورقَّت دموعُ العين حتى كأنَّهادموعُ دموعي لا دموع جفوني
وحدث أبو الحسن علي ابن مقلة قال حدثني أبي عن عمه قال اجتاز أبو خالد الكاتب وأنا على باب داري بسر من رأى والصبيان حوله يعبثون به فجاءني لما رآني وسألني صرفهم عنه فصرفتهم وأدخلته داري وقلت له ما تشتهي تأكل قال الهريسة فتقدمت بإصلاحها له فلما أكل قلت أي شيء تحب بعد هذا قال رطب فأمرت بإحضاره فأكل فلما فرغ من أكله قلت له أنشدني من شعرك فأنشدني:
تناسيتَ ما أوعيتُ سمعك يا سمعيكأنَّك بعد الضرِّ خالٍ من النفع
فإن كنت مطبوعاً على الصدِّ والجفافمن أين لي صبرٌ فأجعلهُ طبعي
لئن كان أضحى فوق خديكَ روضةًفإنّ على خدّي غديراً من الدَّمع
فقلت زدني فقال لا يساوي تهريسك ورطبك غير هذا ومن المروي عنه قال بعض طلبة المبرد خرجت من مجلس المبرد فلقيت خالد الكاتب فقال من أين قلت من مجلس المبرد قال بل البارد ثم قال ما الذي أنشدكم اليوم قلت انشدني:
أعار الغيث نائلُهُإذا ما ماؤه نفدا
وإن أسدُ شكا جبناًأعار فؤاده الأسدا
فقال أخطأ قائل هذا الشعر قلت كيف قال ألا تعلم أنه إذا أعار الغيث نائله بقي بلا نائل وإذا أعار الأسد فؤاده بقي بلا فؤاد قلت فكيف كان يقول فأنشد:
علم الغيثُ الندى من يدهمذ دعاهُ علَّم البأسَ الأسد
فإذا الغيث مقرٌّ بالنَّدىوإذا الليثُ مقرٌّ بالجلد
قال فكتبتهما وانصرفت.
نادرة لطيفة دخل أبو دلامة على المهدي فأنشده قصيدة فقال سل حاجتك فقال يا أمير المؤمنين هب لي كلبا قال فغضب وقال أقول لك سل حاجتك تقول هب لي كلبا فقال يا أمير المؤمنين الحاجة لي أو لك فقال بل لك فقال إني أسألك أن تهب لي كلب صيد فأمر له بكلب فقال يا أمير المؤمني هبني خرجت للصيد أعدو على رجلي فأمر له بدابة فقال له يا أمير المؤمنين فمن يقوم عليها فأمر بغلام فقال يا أمير المؤمنين هبني صدت صيدا وأتيت به المنزل فمن يطبخه فأمر له بجارية فقال يا أمير المؤمنين فهؤلاء
أين يبيتون فأمر له بدار فقال يا أمير المؤمنين قد صيرت في عنقي عيالا فمن أين لي ما يقوت هؤلاء قال المهدي اعطوه جريب نحل ثم قال هل بقيت لك حاجة قال نعم فأذن لي أن أقبل يدك. انتهى وحكى أن هشام بن عبد الملك قد حاجا إلى بيت الله الحرام فلما دخل الحرم قال ائتوني برجل من الصحابة فقيل يا أمير المؤمنين قد تفانوا قال فمن التابعين فاني بطاوس اليماني فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم بأمير المؤمنين ولم يكنه وجلس إلى جانبه بغير إذنه وقال كيف أنت يا هشام فغضب من ذلك غضبا شديدا حتى هم بقتله فقيل له: أنت يا أمير المؤمنين في حرم الله وحرم رسول الله ﷺ لا يكون ذلك فقال يا طاوس ما حملك على ما صنعت قال وما صنعت قال خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تسلم بيا أمير المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي بغير إذني وقلت يا هشام كيف أنت فقال له طاوس ما خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعها بين يدي رب العزة في كل يوم خمس مرات ولا يعاتبني ولا يغضب علي وأما قولك لم تسلم علي بإمرة المؤمنين فليس كل المؤمنين راضيا بإمرتك فخفت أن أكون كاذبا وأما قولك لم تكنني فإن الله ﷿ سمى أنبياءه فقال يا داود يا يحيى يا عيسى وكنى أعداءه فقال تبت يدا أبي لهب وأما قولك جلست بإزائي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ يقول إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فأنظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام فقال له عظني فقال له إني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ يقول إن في جهنم حيات وعقارب كالبغال
تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته ثم قام فخرج انتهى.
نادرة لطيفة مروية عن أبي عامر الشعبي ولكن يتعين أن نبدأ بشيء من ترجمته قال الزهري العلماء أربعة ابن المسيب بالمدينة والحسن البصري بالبصرة ومكحول بالشام والشعبي بالكوفة ويقال أنه أدرك خمسمائة من الصحابة من أصحاب رسول الله ﷺ والنادرة الموعود بذكرها هي ما حكى الشعبي قال أنفذني عبد الملك ابن مروان إلى ملك الروم فلما وصلت إليه جعل لا يسالني عن شيء إلا أجبته وكانت الرسل لا تطيل الإقامة فحبسني عنده أياما كثيرة فلما أردت أردت الانصراف قال أمن بيت المملكة أنت فقلت لا ولكني من العرب فدفع إلي رقعة وقال إذا أديت الرسائل إلى صاحبك أوصل إليه هذه الرقعة قال فأديت الرسائل عند وصولي إلى عبد الملك وأنسيت الرقعة فلما وصلت الباب أريد الخروج تذكرت الرقعة فرجعت. فأوصلتها إليه فقال لي هل قال لك شيئا قبل أن يدفعها إليك قلت نعم قال لي أنت من أهل بيت المملكة قلت لا لكني رجل من العرب في الحملة ثم خرجت من عند عبد الملك فلما بلغت الباب طلبني فرددت فلما مثلت بين يديه قال أتدري ما في الرقعة قلت لا قال اقرأها فقرأتها فإذا فيها عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملكوا غيره قلت يا أمير المؤمنين لو علمت ما فيها ما حملتها وإنما قال هذا لأنه لم يرك قال أتدري لم كتبها قلت لا قال حسدني عليك فأراد أن يغريني بقتلك انتهى.
وقيل كان الشعبي ضئيلاً نحيلا فقيل له في ذلك
فقال زوحمت في الرحم وكان قد ولد هو وأخ آخر وأقام في البطن سنتين ذكره صاحب كتاب المعارف. ويقال إن الحجاج قال له يوما كم عطاك في السنة فقال ألفين فقال له ويحك كما عطاؤك قال ألفان فقال ويحك كيف لحنت أولا فقال لحن الأمير فلحنت فلما أعرب أعربت وما يحسن أن يلحن الأمير وأعرب فاستحسن ذلك منه وأجازه.
نادرة بديعة غريبة منقولة عن سديد الملك أبي الحسن علي بن منقذ صاحب قلعة شيراز وكان سديد المذكور مقصودا من البلاد ممدوحا مدحه جماعة من الشعراء كابن الخياط والخفاجي وغيرهما وله شعر جيد أيضا ومنه قوله وقد غضب على مملوكه فضربه.
أسطوا عليه وقلبي لو تمكن منكفيَّ غلهما غيظاً إلى عنقي
وأستعين إذا عاقبته حنقاًوأين ذلُّ الهوى من عزة الحنق
وكان موصوفا بقوة الفطنة ويحكى عنه في ذلك حكاية عجيبة وهي أنه كان يتردد على حلب قبل تملكه قلعة شيراز وصاحب حلب يومئذ تاج الملوك محمود بن صالح بن مرداس فجرى أمر خاف سديد الملك منهن على نفسه فخرج من حلب إلى طرابلس الشام وصاحبها يومئذ جلال الملك بن عمار فأقام عنده فتقدم محمود صاحب حلب إلى كاتبه أبي نصر محمد بن الحسين بن علي النحاس الحلبي أن يكتب إلى سديد الملك كتابا يتشوقه فيه ويستعطفه ويستدعيه إلى حلب ففهم الكاتب أنه يقصد له شراً إذا جاء إليه وكان
الكاتب صديقا إلى سديد الملك فكتب الكاتب كما أمره مخدومه إلى أن بلغ إلى آخره وهو إن شاء الله فسدد النون وفتحها فلما وصل الكتاب إلى سديد الملك عرضه على ابن عمار صاحب طرابلس ومن بمجلسه من خواصه فاستحسنوا عبارة الكتاب واستعظموا ما فيه من رغبة محمود فيه وإيثاره لقربه فقال سديد الملك إني ارى ما لا ترون في الكتاب ثم أجاب عن الكتاب بما اقتضاه الحال وكتب في جملة فصول الكتاب أنا الخادم المقر بالأنعام وكسر الهمزة من أنا وشدد النون فلما وصل الكتاب إلى محمود ووقف عليه سر بما فيه وقال لأصدقائه قد علمت أن الذي كتبته لا يخفى عن مثله وقد اجاب بما طيب قلبي عليه وكان الكاتب قد قصد قوله تعالى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فأجاب سديد الملك بقوله إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها وكانت هذه الحكاية معدودة من شدة تيقظه وفهمه انتهى.
وحكى الصابيء في كتاب الأعيان والأمثال أن رجلا اتصلت عطلته وانقطعت مادته فزور كتابا من الوزير أبي الحسن علي بن الفرات وزير المقتدر بالله العباسي إلى ابن زيتون المارداني عامل مصر يتضمن المبالغة في الوصايا وزيادة الإكرام وعمل المصالح فلما دخل مصر اجتمع بابن زيتون ودفع إليه الكتاب فلما قرأ ابن زيتون الكتاب ارتاب في أمره لتغير لفظ الخطاب عما جرت به العاة وكون الدعاء أكثر مما يقتضيه محله فراعاه مراعاة قريبة ووصله صلة قليلة وحبسه عنده على وعدٍ وعده به ثم كتب إلى أبي الحسن بن الفرات
يذكر الكتاب الذي ورد عليه وأنفذه بعينه فلما وقف عليه ابن الفرات عرف الرجل وذكر ما كان عليه من الحرمة وما له من الحقوق القديمة عليه فعرضه على كتابه وعرفهم الصورة وعجب إليهم منها وقال لهم ما الرأي في مثل هذا الرجل فقال بعضهم تأديبه وقال بعضهم قطع إبهامه وقال اجملهم محضرا يكشف لابن زيتون أمره ويرسم له بطرده وحرمانه فقال ابن الفرات ما أبعدكم من الخير رجل توسل بنا وحمل المشقة إلى مصر وأمل الخير بجاهنا والانتساب إلينا يكون حاله عند أحسنكم نظرا تكذيب ظنه وتخييب سعيه والله لا كان هذا أبداً ثم أخذ القلم ووقع على الكتاب المزور هذا كتابي ولست أعلم لم أنكرت أمره واعترضتك فيه شبهة وليس كل ما يخدمنا نعرفه وهذا رجل خدمني أيام نكبته فأحسن تفقده ورفده وصرفه فيما يعود نفعه عليه ثم رد الكتاب إلى ابن زيتون من يومه ومضت على ذلك مدة طويلة إذ دخل على ابن الفرات رجل ذو هيئة مقبولة وبزة جميلة فاقبل يدعو له ويثني عليه ويبكي ويقبل يديه والأرض فقال له ابن الفرات من أنت بارك الله فيك قال صاحب الكتاب المزور إلى ابن زيتون الذي صححه كرم الوزير بفضله فضحك ابن الفرات وقال كم وصل إليك منه قال أوصل إلي من ماله ومن قسط قسطه على عماله عشرين ألف دينار فقال الحمد لله على صلاح حالك ثم أختبره فوجده كاتبا سديداً فاستخدمه انتهى. والحمد لله على ذلك.
ذكر الحصري في كتابه المسمى بالدر المصون في سر
الهوى المكنون أن الجاحظ ذكر للواثق لتأديب بعض أولاده فلما رآه استبشع منظره فأمر له بعشرة آلاف درهم وصرفه قال الجاحظ فخرجت من عنده فرأيت محمد بن إبراهيم وهو يريد الانحدار إلى مدينة السلام فعرض عليّ الانحدار معه فانحدرت ونصبت ستارة وأمر بالغناء فاندفعت عوادة تغني.
كل يومٍ قطيعةٌ وعتابٌينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري أنا خصصت بهذادون ذا الخلق أم كذا الأحباب
ثم سكتت فأمر طنبورية فغنت:
وارحمتا للعاشقيناما إن أرى لهمُ معينا
كم يهجرون ويصرمونويقطعون فيصبرونا
كم يهجرون ويصرمونويقطعون فيصبرونا
فقالت لها العوادة فيصنعون ماذا قالت يصنعون هكذا وضربت بيدها على الستارة وبدت كأنها فلقة بدر ثم رمت بنفسها في الماء قال وكان على رأس محمد غلام يضاهيها في الجمال وفي يده مذبة فألقى المذبة من يده لما رأى ما صنعت الجارية ثم أتى إلى موضع سقوطها ونظر إليها وأنشد:
أنت التي غرقتنيبعد القضا لو تعلمينا
ورمى بنفسه في أثرها فأدار الملاح الحراقة فإذا بهما متعانقين ثم غاصا فهال ذلك محمداً واستعظمه وقال يا عمرو إن لم تحدثني حديثا يسليني عنهما ألحقتك بهما قال الجاحظ فحضرني خبر سليمان بن عبد الملك وقد قعد يوما للمظالم وعرضت عليه القصص فمرت قصة فيها مكتوب إن رأى أمير المؤمنين أعزه
الله ان يخرج جاريته فلانة حتى تغنيني ثلاثة اصوات فعل ان شاء الله تعالى فأغتاظ سليمان لذلك وأمر من يأتيه براسه ثم أردفه رسولا آخر أن يدخل به إليه فلما دخل قال ما حملك على ما صنعت قال الثقة بحلمك والاتكال على عفوك فأمره بالقعود حتى لم يبق أحد من بني أمية إلا خرج ثم أمر بالجارية فأخرجت ومعها عود فقال لها غني ما يقول لك فقال الفتى غني:
تألق البرق نجدياً فقلت لهيا أيها البرق إني عنك مشغول
فغنته فقال له سليمان أتأمر لي برطل فأتي به فشربه ثم قال لها غني:
حبذا رجعها إلينا يداهافي يدي درعها تحل الأزارا
فغنته فقال لسليمان أتأمر لي برطل فأتي به فشربه ثم قال غني:
أفاطمُ مهلاً بعض هذا التدللوإن كنت قد أزمعت صرمي فاجملي
فغنته قال لسليمان أتأمر لي برطل فما استتم شربه حتى صعد على الفور على قبة لسليمان فرمى بنفسه على دماغه فمات فقال سليمان إنا لله وإنا إليه راجعون أتراه الأحمق ظن أني أخرج إليه جاريتي وأردها إلى ملكي يا غلمان خذوا بيد هذه الجارية وانطلقوا بها إلى أهله إن كان له أهل وإلا فبيعوها وتصدقوا بثمنها عليه فلما انطلقوا بها نظرت إلى حفيرة في دار سليمان اتخذت للمطر فجذبت نفسها من أيديهم ثم قالت:
من مات عشقاً فليمت هكذالا خير في عشقٍ بلا موت
فرمت بنفسها في الحفيرة فماتت فسري عن محمد وأحسن صلتي
انتهى.
وكتب أبو منصور افتكين التركي متولي دمشق إلى عضد الدولة بن بويه كتابا مضمونه إن الشام قد صفا وصار في يدي وزال في مستقرهم فكتب إليه عضد الدولة في جوابه هذه الكلمات وهي متشابهة في الخط لا تعرف إلا بعد النقط والضبط وهي غرك عزك فصار قصار ذلك ذلك فأخش فاحش فعلك فعلك تهدأ بهذا قال القاضي شمس الدين ابن خلكان تغمده الله برحمته لقد أبدع غاية الإبداع. قلت وأبدع منه قول السلامي فيه من قصيدته التي منها:
إليك طوى عرض البسيطة جاعلٌقصار المطايا أن يلوح لها القصرُ
فكنت وعزمي في الظلام وصارميثلاثة أشياءٍ كما اجتمع النشر
وبشرت آمالي بملكٍ هو الورىودارٍ هي الدنيا ويومٍ هو الدهر
قال ابن خلكان هذا على الحقيقة هو السحر الحلال كما يقال. وقد أخذ هذا المعنى القاضي أبو بكر الأرجاني فقال:
يا سائلي عنه لما جئت أمدحههذا هو الرجل العاري من النار
لقيته فرأيتُ الناس في رجلٍوالدهر في ساعةٍ والأرض في دار
ولكن أين الثريا من الثرى وألم أبو الطيب المتنبي أيضا بهذا المعنى لكنه ما استوفى بقوله:
هو الغرض الأقصى ورؤيتك المنىومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
ولكن ليس لأحد منهما طلاوة بيت السلامي
انتهى.
نادرة لطيفة كان أبو بكر المحلي يتولى نفقات أبي المسك كافور والأخشيدي وكان له في كل عيد أضحى عادة وهو أن يسلم إلى أبي بكر المذكور بغلا محملا ذهبا وجريدة تتضمن أسماء قوم من حد القرافة إلى الجبانة وما بينهما قال أبو بكر المذكور وكان يمشي معي صاحب الشرطة ونقيب يعرف المنازل وأطوف من بعد العشاء الأخيرة إلى آخر الليل حتى أسلم ذلك إلى من تضمنت اسمه الجريدة فأطرق منزل كل إنسان ما بين رجل وامرأة وأقول الأستاذ أبو المسك كافور الأخشيدي يهنئك بالعيد ويقول لك أصرف هذا في منفعتك فارفع إليه ما جعل له وفي آخر وقت زاد في الجريدة الشيخ أبا عبد الله ابن جابار وجعل له في ذلك العيد مائة دينار فطفت في تلك الليلة وأنفقت المال في أربابه ولم يبق إلا الصرة فجعلتها في كمي وسرت مع المغيب حتى أتينا منزله بظاهر القرافة فطرقت الباب فنزل إلينا الشيخ وعليه اثر السهر فسلمت عليه فلم يرد علي وقال ما حاجتك قلت الأستاذ أبو المسك كافور يخص الشيخ بالسلام فقال والي بلدنا قلت نعم قال حفظه الله الله يعلم أني أدعو له في الخلوات وادبار الصلوات بما الله سامعه ومستجيبه قلت وقد أنفذ معي نفقة وهي هذه الصرة ويسالك قبولها لتصرف في مؤنة هذا العيد المبارك فقال نحن رعيته ونحبه في الله تعالى وما نفسد هذه المحبة بعلة فراجعته القول فتبين لي الضجر في وجهه واستحيت من الله أن أقطعه عما هو عليه فتركته وانصرفت قال فجئت فوجدت الأمير
قد تهيأ للركوب وهو ينتظرني فلما رآني قال إيه يا أبا بكر قلت أرجو الله أن يستجيب فيك كل دعوة صالحة دعيت لك في هذه الليلة وفي هذا اليوم الشريف فقال الحمد لله الذي جعلني لإيصال الراحة إلى عبادة ثم أخبرته بامتناع ابن جابار فقال نعم هو جدير لم تجر بيننا وبينه معاملة قبل هذا اليوم ثم قال لي عد إليه واركب دابة من دواب النوبة واطرق بابه فإذا نزل إليك فإنه سيقول لك ألم تكن عندنا فلا ترد عليه جوابا ثم استفتح واقرأ بسم الله الرحمن الرحيم طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلي الرحمن على العرش استوى له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى يا ابن جابار الأستاذ كافور يقول لك ومن كافور العبد الأسود ومن هو مولاه ومن الخلق ليس لأحد مع الله ملك ولا شركة تلاشى الناس كلهم ههنا أتدري من هو معطيك وعلى من رددت أنت ما سألت وإنما هو أرسل لك يا بن جابار أنت ما تفرق بين السبب والمسبب. قال أبو بكر فركبت وسرت فطرقت منزله فنزل إلي فقال لي مثل لفظ كافور فأضربت عن الجواب وقرأت طه ثم قلت له ما قال لي كافور فبكى وقال لي أين ما حملت فأخرجت الصرة فأخذها وقال علمنا الأستاذ كيف التصوف قلت له أحسن الله جزاءك ثم عدت إليه فأخبرته بذلك فسر وسجد شكراً لله وقال الحمد لله على ذلك.
ونقل ابن خلكان في تاريخه أن أبا عبد الله محمد بن الأعرابي كان
يزعم أن الأصمعي وأبا عبيدة لا يحسنان شيئا وكان يقول جائز في كلام العرب أن يعاقب بين الضاد والظاء فلا يخطىء من يجعل هذا في موضع هذا وينشد:
إلى الله أشكو من خليل أودهثلاثَ خصالٍ كلها لي غائضُ
ويقول هكذا سمعته بالضاد.
ومن النوادر اللطيفة ورد أبو نصر الفارابي إلى دمشق على سيف الدولة بن حمدان وهو إذ ذاك سلطانها قيل إنه لما دخل عليه وهو بزي الأتراك وكان ذلك زيه دائماً وقف فقال له سيف الدولة أجلس فقال حيث أنا أو حيث أنت فقال حيث أنت فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مسند سيف الدولة وزاحمه فيه حتى أخرجه عنه وكان على رأس سيف الدولة مماليك وله معهم لسان خاص يساورهم به فقال لهم بذلك اللسان إن هذا الشيخ قد أساء الأدب وإني سائله عن أشياء إن لم يعرفها أخرجوا به فقال له أبو نصر بذلك اللسان أيها الأمير اصبر فإن الأمور بعواقبها فعجب سيف الدولة منه وعظم عنده ثم أخذ يتكلم مع العلماء والحاضرين في كل فن فلم يزل كلامه يعلوا وكلامهم يسفل حتى صمت الكل وبقي يتكلم وحده ثم أخذوا يكتبون ما يقوله فصرفهم سيف الدولة وخلا به فقال له هل لك في أن تأكل قال لا قال فهل لك أن تشرب قال لا فقال هل تسمع قال نعم فأمر سيف الدولة بإحضار القيان فحضر كل ماهر في الصنعة بأنواع الملاهي فخطأ الجميع فقال له سيف الدولة هل تحسن
هذه الصنعة قال نعم ثم أخرج من وسطه خريطة ففتحها فأخرج منها عيدانا وركبها ثم لعب بها فضحك كل من في المجلس ثم فكها وركبها تركيباً آخر فبكى كل من في المجلس ثم فكها وغير تركيبها وحركها فنام كل من في المجلس حتى البواب فتركهم نياما وخرج. وهو الذي وضع القانون وكان منفرداً بنفسه لا يجالس الناس وكان مدة إقامته بدمشق لا يكون غالبا إلا عند مجتمع المياه أو مشتبك الرياض وهناك يؤلف كتبه وكان أزهد الناس في الدنيا لا يحتفل بأمر مسكن ولا مكسب وسأله سيف الدولة في مرتب من بيت المال فقال يكفيني أربعة دراهم ولم يزل على ذلك الى أن توفي سنة تسع وثلاثين وثلثمائة بدمشق وصلى عليه سيف الدولة وأربعة من خواصه وقد ناهز ثمانين سنة ودفن بظاهر دمشق خارج الباب الصغير.
ومن المنقول من خط القاضي الفاضل أن نور الدين الشيهد كتب إلى راشد الدين سنان صاحب القلاع الاسماعيلية كتابا يهدده فيه فشق ذلك على سنان فكتب إليه بما هو فوق الوصف بحكاية الحال وهو:
يا ذا الذي بقراع السيف هددنالاقام مصرع قلبٍ كنت تصرعه
قال الحمام إلى البازي يهددهواستصرخت بأسود الغاب أضبُعه
أضحى يسدُّ فم الأفعى باصبعهيكفيه ماذا تلاقي منه أصبعه
وقفنا على تفصيله وجمله وعلمنا ما هددنا به من قوله وعمله فيا لله العجب
من ذبابة تطن في أذن الفيل وبعوضة تعد في التماثيل ولقد قالها من قبلك قوم آخرون فدمرنا عليهم فما كان لهم من ناصرين أو للحق تدحضون وللباطل تنصرون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وأما ما صدر من قولك فتلك أماني كاذبة وخيالات غير صائبة فإن الجواهر لا تزول بالأعراض كما أن الأرواح لا تضمحل بالأمراض فإن عدنا إلى الظواهر والمحسوسات وعدلنا عن البواطن والمعقولات فلنا أسوة برسول الله ﷺ في قوله ما أوذي نبي ما أوذيت ولقد علمتم ما جرى على عترته وأهل بيته وشيعته والحال ما حال والأمر ما زال ولله الحمد في الآخرة والأولى إذ نحن مظلومون لا ظالمون ومغصوبون لا غاصبون وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا وقد علمتم ظاهر حالنا وكيفية رجالنا وما يتمنونه من الفوت ويستقربون به إلى حياض الموت قل فتمنوا الموت إن كنتم صادقين وفي أمثال العامة أو للبط تهددون بالشط فهيىء للبلاء جلبابا وتدرع للرزايا أثوابا وإنك لكالباحث عن حتفه بظلفه أو الجادع أنفه بكفه وما ذلك على الله بعزيز.
ومن غرائب الظرف ما حكاه ابن خلكان في تاريخه قال حدثني من أثق به أن شخصا قال له رأيت في تأليف أبي العلاء المعري ما صورته أصلحك الله وأبقاك لقد كان من الواجب أن تأتينا اليوم إلى منزلنا الخالي لكي يحدث لي أنسك يا زين الأخلاء فما مثلك من غير عهدا أو غفل وسأله من أي الأبحر وهل هو بيت واحد أم أكثر فإن كان أكثر فهو أبياته على روي واحد أو مختلفة الروي قال فافكر فيه ثم أجابه بجواب حسن قال ابن خلكان فقلت للقائل اصبر حتى انظر فيه ولا تقل ما قاله فأجاب القاضي شمس الدين بن خلكان بعد حسن النظر بما أجاب به عنه الرجل وهذه الكلمات تخرج من بحر الرجز وتشتمل على أربعة أبيات في روي اللام وهي على صورة يسوغ استعمالها عند العروضين ومن لا يكون له بهذا الفن معرفة ينكرها لأجل قطع الموصول منها ولا بد من الأتيان بهذا لتظهر صورة ذلك وهي:
أصلحك الله وابقاك لقد كان من ال
واجب أن تأتينا اليوم إلى منزلنا الخالي لكي يحدث لي
النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع