تجاوز إلى المحتوى

من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)

ترجمة المعتزلة (٣)

الصفحة ٢ من ٢

.. أنسك يا زين الأخل

لاء فما مثلك منغير عهداً أو غفل
للشاعر العيلاني، اقرأ القصيدة

قلت وعلى ذكر أبي العلاء الضرير يعجبني قول مظفر بن جماعة الضرير:

قالوا عشقتَ وأنت أعمىظبياً كحيل الطرف المى
للشاعر العيلاني، اقرأ القصيدة
وحلاء ما عاينتهاوتقول قد شغفتك وهما
وخياله بك في المنام فما أطاف ولا ألماَّ
للشاعر العيلاني، اقرأ القصيدة
من أين أرسل للفؤاد وأنت لم تنظره سهما
للشاعر العيلاني، اقرأ القصيدة
ومتى رأيت جمالهحتى كساك هواه سقما
للشاعر العيلاني، اقرأ القصيدة

وبأي جارحةٍوصلت لوصفه نثراً ونظما

فأجبت إني موسوي العشق إنصاتاً وفهما
للشاعر عز الدين الإربلي، اقرأ القصيدة
أهوى بجارحة السماع ولا أرى ذات المسمى
للشاعر العيلاني، اقرأ القصيدة

ويعجبني أيضاً قول ضرير آخر:

وغادةٍ قالت لأترابهايا قوم ما أعجبَ هذا الضرير
أيعشق الإنسان ما لا يرىفقلت والدمع بعيني غزير
إن لم تكن عيني رأت شخصهافإنها قد مثلت في الضمير

ومثل هذا قول المهذب عمر ابن الشحنة:

وإني امرؤٌ أحببتكم لمحاسنٍسمعت بها والأذن كالعين تعشق

وتقدمه بشار بقوله:

يا قوم أذني لبعض القوم عاشقةٌوالأذن تعشق قبل العين أحيانا

ونقل الشيخ جمال الدين بن نباتة في كتابه المسمى بسرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون عن علي بن أبي طالب أنه قال سبحان الله ما أزهد كثير من الناس في الخير عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم حاجة فلا يرى نفسه أهلا للخير ولا يرجو ثوابا ولا يخاف عقابا وكان ينبغي له أن يسارع إلى مكارم الأخلاق فإنها تدل على سبل النجاح فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين أسمعته من النبي ﷺ قال نعم لما أتي بسبايا طيىء وقعت جارية بها جميلة لما رأيتها أعجبت بها فلما تكلمت نسيت جمالها بفصاحتها فقالت يا محمد إن رأيت أن تخلي سبيلي ولا تشمت بي أحياء العرب فإني

ابنة سيد قومي وإن أبي كان يفك العاني ويشبع الجائع ويكسو العاري ويفشي السلام ولا يرد طالب حاجة قط أنا بنت حاتم الطائي فقال النبي ﷺ هذه صفات المؤمنين خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والمنقول عن حاتم في زيادة الكرم كثير.

من ذلك ما حكاه المدائني قال أقبل ركب من بني أسد وبني أسد وبني قيس يريدون النعمان فلقوا حاتما فقالوا تركنا قومنا يثنون عليك وقد أرسلوا إليك رسالة قال وما هي فأنشد الأسديون شعراً للنابغة فيه فلما أنشدوه قالوا إن نستحي أن نسألك شيئا وإن لنا حاجة قال وما هي قالوا صاحب لنا قد أرجل يعني فقدت راجلته فقال حاتم خذوا فرسي هذه فاحملوه عليها فأخذوها وربطت الجارية فلوها بثوبها فأفلت يتبع أمه فتتبعته الجارية لترده فصاح حاتم ما تبعكم فهو لكم فذهبوا بالفرس والفلو والجارية.

وقيل أجود العرب في الجاهلية ثلاثة حاتم الطائي وهرم بن سنان وكعب ابن مامة وحاتم كان أشهرهم بالكرم ذكر أنه أدرك مولد النبي ﷺ.

وحكى الهيثم بن عدي قال تمارى ثلاثة من أجواد الإسلام فقال رجل أسخى الناس في عصرنا هذا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وقال آخر أسخى الناس عرابة الأوسي وقال آخر بل قيس ابن سعد بن عبادة وأكثروا الجدال في ذلك وكثر ضجيجهم وهم بفناء الكعبة فقال لهم رجل قد أكثرتم الجدال في ذلك وكثر ضجيجهم وهم بفناء الكعبة فقال لهم رجل قد أكثرتم الجدال في ذلك فما عليكم أن يمضي كل واحد منكم

إلى صاحبه يسأله حتى ننظر ما يعطيه ونحكم على العيان فقام صاحب عبد الله إليه فصادفه قد وضع رجله في غرز ناقته يريد ضيعة له فقال يا ابن عم رسول الله قال قل ما تشاء قال ابن سبيل ومنقطع به قال فأخرج رجل من غرز الناقة وقال له ضع رجلك واستو على الراحلة وخذ ما في الحقيبة واحتفظ بسيفك فإنه من سيوف علي بن أبي طالب ﵁ قال فجاء بالناقة والحقيبة فيها مطارف خز وأربعة آلاف دينار وأعظمها وأجلها السيف ومضى صاحب قيس بن سعد بن عبادة فصادفه نائماً فقالت الجارية هو نائم فما حاجتك إليه قال ابن سبيل ومنقطع به قالت حاجتك أهون من إيقاظه هذا كيس فيه سبعمائة دينار والله يعلم أن ما في دار قيس غيره خذه وامض إلى معاطن الإبل إلى أموال لنا بعلامتنا فخذ راحلة من رواحله وما يصلحها وعبدا وامض لشأنك فقيل إن قيسا لما انتبه من رقدته أخبرته بما صنعت فاعتقها ومضى صاحب عرابة الأوسي إليه فألفاه قد خرج من منزله يريد الصلاة وهو يمشي على عبدين وقد كف بصره فقال يا عرابة ابن سبيل ومنقطع به قال فخلى العبدين وصفق بيمناه على يسراه وقال أواه أواه ما تركت الحقوق لعرابة مالا ولكن خذهما يعني العبدين قال ما كنت بالذين أقص جناحيك قال إن لم تأخذهما فهما حران فإن شئت تأخذ وإن شئت تعتق وأقبل يلتمس الحائط بيده

راجعا إلى منزله قال فأخذهما وجاء بهما فثبت أنهم أجود عصرهم إلا أنهم حكموا لعرابة لأنه أعطى جهده.

نادرة غريبة حضر يعقوب بن إسحق الكندي المسمى بوقته فيلسوف الإسلام مجلس أحمد بن المعتصم وقد دخل عليه أبو تمام فأنشد قصيدته السينية المشهورة فلما بلغ إلى قوله:

إقدام عمروٍ في سماحة حاتمٍفي حلم أحنف في ذكاء إياس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»

قال له الكندي ما صنعت شيئا فقال كيف: قال ما زدت على أن شبهت ابن أمير المؤمنين بصعاليك العرب وأيضا فإن شعراء دهرنا تجاوزوا بالممدوح من كان قبله ألا ترى إلى قول العكوك في أبي دلف.

رجل أبرّ على شجاعة عامرٍبأساً وغبّر في محيّا حاتم
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

فأطرق أبو تمام ثم أنشأ يقول:

لا تنكروا ضربي له من دونهمثلاً شروداً في الندى والباس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»
فالله قد ضرب الأقل لنورهمثلاً من المشكاة والنبراس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»

ولم يكن هذا في القصيدة فتزايد العجب منه ثم طلب أن تكون الجائزة ولاية عمل فاستصغر عن ذلك فقال الكندي ولوه لأنه قصير العمر لأن ذهنه ينحت من قلبه فكان كما قال وقد تكون ظهرت له دلائل من شخصه في ذلك الوقت على قرب أجله انتهى.

وسمع الكندي:

وفي أربعٍ منيّ حلت منك أربعُفما أنا أدري أيُّها هاج لي كربي
للشاعر البحتري، من قصيدة «وفي أربع مني حلت منك أربع»
خيالك في عيني أم الذكر في فميأم النطق في سمعي أم الحبُّ في قلبي

فقال لقد قسمتها تقسيما فلسفيا. انتهى.

ونقل الشيخ جمال الدين ابن نباتة في كتابه المسمى بسرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون أن واضع العود بعض حكماء الفرس ولما فرغ منه سماه البربط وتفسيره باب النجاة ومعناه أنه مأخوذ من صرير باب الجنة وجعلت أوتاره أربعة بإزاء الطبائع الأربع فالزير بإزاء السوداء والبم بإزاء الصفراء والمثنى بإزاء الدم والمثلث بإزاء البلغم فإذا اعتدلت أوتاره المرتبة على ما يجب جانست الطبائع وأنتجت الطرب وهو رجوع النفس إلى الحالة الطبيعية دفعة واحدة وبدىء هذا العلم ببطليموس وختم باسحق ابن إبراهيم الموصلي.

وحكى ابن حمدون في تذكرته أن الحسن ابن حماد قال كنت بالمدينة فخلا لي الطريق نصف النهار فجعلت أتغنى بشعر ذي يزن وهو:

ما بالُ قومِكِ يا ربابخزراً كأنهم غضاب

فإذا كوة قد فتحت وإذا وجه قد بدا منها تتبعه لحية حمراء فقال يا فاسق أسأت التأدية ومنعت القائلة وأذعت الفاحشة ثم أندفع يغني فغنى الصوت غناء لم أسمع بمثله فقلت أصلحك الله من أين لك هذا الغناء قال نشأت وأنا غلام يعجبني الأخذ عن المغنين فقالت أمي يا بني إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه فدع الغناء واطلب الفقه فتركته وتبعت الفقهاء فبلغ بي إلى ما ترى فقلت أعد لي الصوت جعلت فداك فقال لا ولا كرامة أتريد أن تقول أخذته عن مالك بن أنس.

فائدة غريبة روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال

سمعت رسول الله ﷺ يقول إن هذا القرآن ينزل بحزن فإذا قرأتموه فأبكوا فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به من لم يتغن بالقرآن فليس منا رواه ابن ماجه.

نادرة لطيفة قال عبد الملك بن أبي زيد مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل بيته فإذا رجل رث الهيئة يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول ليس منا من لم يتغن بالقرآن قال فقلت لابن أبي مليكة يا أبا محمد أرأيت إن لم يكن حسن الصوت قال يحسنه ما استطاع رواه أبو داود.

نادرة لطيفة تتضمن المثل السائر في قولهم عن الخائب رجع بخفي حنين المنقول عن حنين أنه كان إسكافا من أهل الحيرة ساومه أعرابي بخفين ولم يشتر منه شيئا وغاظه ذلك فخرج إلى الطريق التي لا بد للأعرابي من المرور منها فعلق الفردة الواحدة منهما في شجرة على طريقه وتقدم قليلا فطرح الفردة الثانية واختفى فجاء الأعرابي فرأى أحد الخفين فوق الشجرة فقال ما أشبهه بخف حنين لو كان معه آخر لتكلفت أخذه وتقدم فرأى الخف الآخر مطروحا فنزل وعقل بعيره وأخذه ورجع ليأخذ الأول فخرج حنين من الكمين فأخذ بعيره وذهب ورجع الأعرابي إلى ناحية بعيره فلم يجده فرجع بخفي حنين فصارت مثلا.

نادرة لطيفة قيل إن بعض وفود العرب قدموا على عمر بن عبد العزيز ﵁ وكان فيهم شاب فقام وتقدم وقال يا أمير المؤمنين أصابتنا سنون سنة

أذابت الشحم وسنة أكلت اللحم وسنة أذابت العظم وفي أيديكم فضول أموال فإن كانت لنا فعلام تمنعونها عنا وإن كانت لله ففرقوها على عباد الله وإن كانت لكم فتصدقوا بها علينا إن الله يجزي المتصدقين فقال عمر بن عبد العزيز ما ترك الإعرابي لنا عذرا في واحدة.

ووقف أعرابي على حلقة الحسن البصري فقال رحم الله من تصدق من فضل أو واسى من كفاف أو آثر من قوت فقال الحسن البصري ما ترك الأعرابي أحدا منكم حتى عمه بالسؤال قلت هذا النوع سماه البديعيون بالتقسيم.

نادرة أدبية بديعة حكى ضياء الدين بن الأثير في المثل السائر بعدما أورد لغزا في الخلخال:

ومضروبٍ بلا جُرْمٍمليح اللون معشوق
له شكل الهلال علىرشيق القدِّ ممشوق
وأكثر ما يُرى أبداًعلى الأمشاط في السّوق

قال بلغني أن بعض الناس سمع هذه الأبيات فقال: دخلت السوق فلم أرى على الأمشاط شيئا.

ومن نوادر الأدب أيضا إشارة الحجاج إلى قول ابن نباتة السعدي في فرس أغر محجل:

غضبت صباحُ وقد رأتني قابضاًأيري فقلت لها مقالة فاجر
بالله إلا ما لطمت جبينهحتى يحققَ فيك قول الشاعر

يريد بذلك قوله:

فكأنما لطم الصباح جبينهفاقتصّ منه فخاض في أحشائه
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

ومن المنقول

المشهور أن الأدب وأهله كان عند أصحاب حماه في الذروة العالية ولكن قصة زكي الدين بن عبد الرحمن العوفي مع الملك المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك تقي الدين عمر بن شهنشاه كانت على غير المعهود منه ومن سلفه الطاهر وما ذاك إلا أن زكي الدين المذكور أنشد الملك المظفر محموداً قبل أن يتملك حماه:

متى أراك ومن تهوى وأنت كماتهوى على رغمهم روحين في بدن
للشاعر الزكي القوصي، اقرأ القصيدة
هناك أنشد والأمال حاضرةهنئت بالملك والأحباب والوطن
للشاعر الزكي القوصي، اقرأ القصيدة

فوعده إن تملك حماه أن يعطيه ألف دينار فلما ملكها أنشد:

مولاي هذا الملك قد نلتهبرغم مخلوقٍ من الخالق
للشاعر الزكي القوصي، اقرأ القصيدة
والدهر منقادٌ لما شئتهفذا أوان الموعد الصادق
للشاعر الزكي القوصي، اقرأ القصيدة

فدفع له ألف دينار وأقام معه مدة ولزمته أسفار أنفق فيها المال الذي أعطاه ولم يحصل بيده زيادة عليه فقال:

إن الذي أعطوه لي جملةًقد استردوه قليلاً قليل
فليت لم يعطوا ولم يأخذواوحسبنا الله ونعم الوكيل
للشاعر الزكي القوصي، اقرأ القصيدة

فبلغ ذلك الملك المظفر فأخرجه من دار كان قد أنزله بها فقال:

أتخرجني من كسر بيتٍ مهدّمٍولي فيك من حسن الثناء بيوت
للشاعر الزكي القوصي، اقرأ القصيدة
فإن عشت لم أعدم مكاناً يضمنيوأنت فتدري ذكر من سيموت
للشاعر الزكي القوصي، اقرأ القصيدة

فحبسه المظفر فقال ما ذنبي إليك فقال حسبنا الله ونعم الوكيل وأمر بخنقه فلما أحسن بذلك قال:

أعطيتني الألف تعظيماً وتكرمةً

.. يا ليت شعري أم أعطيتني ديني

قلت كان والد الملك المظفر أليق بهذا المقام الذي لم يقصد به زكي الدين العوفي غير ترويج الأدب في اختلاف المعاني والمداعبة به والتوصل بذلك إلى بسط الملك المظفر ولكن حال الزكي كقول الشاعر:

وكنت كالمتمني أن يرى فلقاًمن الصباح فلما أن رآه عمي

قلت وكان والد السلطان الملك المظفر المنصور من كبار أهل الأدب وكان أحب الناس لأهله وله كتاب طبقات الشعراء عشر مجلدات وسمع الحديث من الحافظ السلفي بالإسكندرية وكان مغرما بحب الأدباء والعلماء وجمع تاريخا على السنين في عشر مجلدات ومن مصنفاته كتابه المسمى بمظاهر الحقائق وسر الخلائق وهو كبير نفيس يدل على فضله وجمع عنده من الكتب ما لا مزيد عليه وكان في خدمته ما يناهز مائتي متعمم من الفقهاء والأدباء والنحاة والمشتغلين بالحكمة والمنجمين والكتاب وأقامت دولته ثلاثين سنة وتوفي سنة عشر وستمائة ومن شعره:

أربي راحٌ وريحانٌ ومحبوبٌ وشادي
والذي ساق لي الملك له دفع الأعادي

قلت وقد تقدم القول وقد تقرر أن جميع ملوك حماة المحروسة من بني أيوب وكان لهم المام بالأدب وأهله وقد تعين أن نذكر هنا ترجمة ومؤيدهم فإنه كان بدر كمالهم ومسك ختامهم وهو الملك المؤيد عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ابن

النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ثمرات الأوراق»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.