تجاوز إلى المحتوى

من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)

ترجمة المعتزلة (٢)

الصفحة ١ من ٢

نادرة لطيفة حكي أن السراج الوراق جهز غلاما له يوما ليبتاع له زيتا طيبا ليأكل به لفتا فأحضره وقلبه على اللفت فوجده زيتا حاراً فأنكر على الغلام ذلك فأخذه وجاء إلى البياع وقال له لم تفعل مثل هذا فقال له والله يا سيدي مالي ذنب لأنه قال أعطني زيتا للسراج انتهى.

ومثله ما حكاه الصاحب فخر الدين بن مكانس عن صاحبه سراج الدين القوصي أنه كان حصل له طلوع في جسده فتردد إليه المزين وصنع له فتائل على العادة قال فقلت له يوما كيف الحال يا سراج الدين فقال كيف حال سراج فيه سبع فتائل.

ورأيت له في ديوانه يداعب سراج الدين المذكور بقوله:

إذا السراج اشترى أيري فأنت بهأولى وذلك للأمر الذي وجبا
إسكندريٌّ وتُدعى بالسراج وذامثلُ المنار إذا ما قام وانتصبا

نادرة لطيفة اجتمع محدث ونصراني في سفينة فصب النصراني من

ركوة كانت معه في مشربة وشرب وصب وعرض على المحدث فتناولها من غير فكر ولا مبالاة فقال النصراني جعلت فداك هذا خمر فقال من أين علمت أنها خمر قال اشتراها غلامي من خمار يهودي وحلف أنها خمر عتيق فشربها بالعجلة وقال للنصراني أنت أحمق نحن أصحاب الحديث نروي عن الصحابة والتابعين أفنصدق نصرانيا عن غلامه عن يهودي والله ما شربتها إلا لضعف الإسناد.

نادرة لطيفة نظر طفيلي إلى قوم ذاهبين فلم يشك أنهم في دعوة ذاهبون إلى وليمة فقام وتبعهم فإذا هم شعراء قد قصدوا السلطان بمدائح لهم فلما أنشد كل واحد شعره وأخذ جائزته لم يبق إلى الطفيلي وهو جالس ساكت فقال له أنشد شعرك فقال لست بشاعر قيل فمن أنت قال من الغاوين الذين قال الله تعالى في حقهم " والشعراء يتبعهم الغاوون " فضحك السلطان وأمر له بجائزة الشعراء.

وحكى الهيثم بن عدي قال ماشيت الإمام أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه في نفر من أصحابه إلى عيادة مريض من أهل الكوفة وكان المريض بخيلا وتواصينا على أن نعرض بالغداء فلما دخلنا وقضينا حق العيادة قال بعضنا آتنا

غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال فتمطى المريض وقال ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج فغمز أبو حنيفة أصحابه وقال قوموا فما لكم هنا من فرج انتهى.

ومن غرائب المنقول أن يحيى بن اسحق كان طبيباً حاذقاً صانعاً بيده وكان في صدر دولة عبد الرحمن الناصر لدين الله واستوزروه نقل عنه من حذقه أنه أتى إليه بدوي على حمار وهو يصيح على باب داره أدركوني وكلموا الوزير بخبري فلما دخل عليه قال ما بالك قال ورم باحليلي منعني النوم منذ أيام وأنا في الموت فقال له اكشف عنه فأذا هو وارم فقال لرجل جاء معه أحضر لي حجراً أملس فطلبه فوجده فقال له ضع عليه الأحليل فلما تمكن أحليل الرجل من الحجر جمع الوزير يده وضرب الأحليل ضربة غشي على الرجل منها ثم اندفع الصديد يجري فلما انقطع جريان الصديد فتح الرجل عينيه ثم بال في أثر ذلك فقال له أذهب فقد برأت علتك وأنت رجل عابث واقعت بهيمة في دبرها فصادفت شعيرة من علفها ولجت في عين الاحليل فورم لها وقد خرجت في الصديد فقال له الرجل قد فعلت ذلك وهذا يدل على الحذق المفرط. ومثله

أن ابن جميع الاسرائيلي كان من الأطباء المشهورين والعلماء المذكورين خدم سلطان مصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وحظي في أيامه وكان رفيع المنزلة نافذ الأمر. ومما نقل عنه في حذقه أنه كان جالسا في دكان وقد مرت عليه جنازة فملا نظر إليها صاح يا أهل الميت إن صاحبك لم يمت ولا يحل أن تدفنوه حيا فقال بعضهم لبعض هذا الذي يقوله لا يضرنا ويتعين أن فمتحنه فإن كان حيا فهو المراد وإن لم يكن حيا فما يتغير علينا شيء فاستدعوه إليهم وقالوا بين لنا ما قلت فأمرهم بالعود إلى البيت وأن ينزعوا أكفانه فلما فرغوا من ذلك أدخله الحمام وسكب عليه الماء الحار وأحمى بدنه نطله فظهر فيه أدنى حسن وتحرك حركة خفيفة فقال أبشروا بعافيته ثم تمم علاجه إلى أن أفاق وصحا فكان ذلك مبدأ اشتهاره بشدة الحذق والعلم ثم إنه سئل بعد ذلك ومن أين علمت أن في ذلك الميت بقية روح وهو في الأكفان محمود فقال نظرت إلى قديمه فوجدتهما قائمتين وأقدام الموتى منبسة فحدست أنه حي وكان حدسي صائبا.

نادرة لطيفة قيل إن المنصور ابن أبي عامر الأندلسي كان إذا قصد غزاة عقد لواءه بجامع قرطبة ولم يسر إلى الغزاة إلا من الجامع فاتفق أنه

في بعض حركاته للغزاة توجه إلى الجامع لعقد اللواء فاجتمع عنده القضاة والعلماء وارباب الدولة فرفع حامل اللواء اللواء فصادف ثريا من قناديل الجامع فانكسرت على اللواء وتبدد عليه الزيت فتطير الحاضرون من ذلك وتغير وجه المنصور فقال رجل أبشر يا أمير المؤمنين بغزاة هينة وغنيمة سارة فقد بلغت أعلامك الثريا وسقاها الله من شجرة مباركة فأستحسن المنصور ذلك واستبشر به وكانت العزوة من أبرك الغزوات. ومثل هذا لما خرج المنصور العباسي إلى قتال أبي يزيد الخارجي في جماعة من الأولياء وواجه الحصن سقط الرمح من يده فأخذه بعض الأولياء فمسحه وقال:

فألقت عصاها واستقر بها النوىكما قرّ عيناً بالإياب المسافر

فضحك المنصور وقال لم ما قلت فألقى موسى عصاه فقال يا أمير المؤمنين العبد تكلم بما عنده من إشارات المتأدبين وتكلم أمير المؤمنين بما أنزل على النبي من كلام رب العالمين فكان الأمر على ما ذكره وأخذ الحصن وحصل الظفر بأبي يزيد.

حكي أن الشيخ شهاب الدين ابن محمود قال عدت قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في دمشق بالمدرسة النجيبية سنة إحدى وثمانين وستمائة فأنشدني لبعض أهل

الأدب في نقيب الأشراف بالمدائن رثاء خلب قلبي وهو يقول:

قد قلت للرجل المولى غسلههلا أطاع وكنت من نصائحه
جنبه ماءك ثم غسله بماأذرت عيون المجد عند بكائه
وأزل أفاويه الحنوط ونحهاعنه وحنطه بطيب ثنائه
ومر الملائكة الكرام بنقلهشرفاً ألست تراهمُ بإزائه
لا توهِ أعناقَ الرجال بحملهيكفي الذي حملوه من نعمائه

قال الشيخ شهاب الدين فوقع في نفسي أنه أحق الناس بهذا الرثاء وأنه نعى نفسه فمات في ذلك الأسبوع برد الله مضجعه.

نكتة لطيفة قيل إنه لما رجع الشيخ شهاب الدين السهروردي ﵀ من الشام إلى بغداد وجلس على عادته أخذ يقلل أحوال الناس ويهضم جانب الرجال ويقول إنه ما بقي من يجاري وقد خلت الدنيا وأنشد:

ما في الصحاب أخو وجدٍ نطارحهحديث نجدٍ ولا خلٌّ نجاريه

فصاح من أطراف المجلس رجل عليه قباء وكلوتة فقال يا شيخ كم تنتقص بالقوم والله إن فيهم من لم يرض أن يجاريك وقصاراك أن تفهم ما يقول هلا قلت:

ما في الصحاب وقد سارت حمولهمإلا محبٌّ له في الركب محبوب
كأنما يوسفٌ في كلٍّ راحلةٍوالحيّ في كلِّ بيتٍ منه يعقوب
للشاعر عَرقَلَةِ الكَلبِيّ، اقرأ القصيدة

فصاح السهروردي ونزل عن الكرسي وطلب الشاب فلم يجده.

حكي عن ابن المطرزي الشاعر أنه مر وفي رجله نعل بالية بالشريف الرضي فأمر بإحضاره وقال أنشدني أبياتك التي تقول فيها:

إذا لم تبلغني إليك ركائبيفلا وردت ماءً ولا رعت العشبا

فأنشده إياها فلما انتهى إلى هذا البيت أشار إلى نعله البالية وقال هذه كانت ركائبك فأطرق ابن المطرزي ساعة ثم قال لما عادت هبات مولانا الشريف إلى مثل قوله:

وخذ النوم من جفوني فإنيقد خلعت الكرى على العشاق

عادت ركائبي إلى مثل ما ترى لأنك خلعت ما لا تملك على من لا يقبل فخجل الشريف وقابله بما يليق من الإكرام.

قلت وأما الأجوبة الهاشمية وبلاغتها في المحل الأرفع.

فمن ذلك أنه اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص والوليد بن عقبة وعقبة بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة فقالوا يا أمير المؤمنين ابعث لنا إلى الحسن بن علي فقام لهم فيم: فقالوا: كي نوبخه ونعرفه إن أباه قتل عثمان فقال

لهم إنكم لا تنتصفون منه ولا تقولون شيئاً إلا كذبكم الناس ولا يقول لكم شيئاً ببلاغته إلا صدقه الناس فقالوا ارسل إليه فإنا سنكفيك أمره فأرسل إليه معاوية فلما حضر قال يا حسن إني لم أرسل إليك ولكن هؤلاء أرسلوا إليك فاسمع مقالتهم وأجب ولا تحرمني فقال الحسن ﵇ فليتكلموا ونسمع فقام عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه ثم قال هل تعلم يا حسن أن أباك أول من أثار الفتنة وطلب الملك فكيف رأيت صنع الله به، ثم قام الوليد بن عقبة بن أبي معيط فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا بني هاشم كنتم أصهار عثمان بن عفان فنعم الصهر كان يفضلكم ويقربكم ثم بغيتم عليه وقتلتموه ولقد أردنا يا حسن قتل أبيك فأنقذنا الله منه ولو قتلناه بعثمان ما كان علينا من الله ذنب، ثم قام عقبة فقال تعلم يا حسن أن أباك بغي على عثمان فقتله حسدا على الملك والدنيا فسلبهما ولقد أردنا قتل أبيك حتى قتله الله تعالى ثم قام المغيرة بن شعبة فكان كلامه كله سبا لعلي وتعظيما لعثمان فقام الحسن ﵇ فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال بك أبدأ يا معاوية لم يشتمني هؤلاء ولكن أنت تشتمني بغضا وعداوة وخلافا

لجدي ﷺ ثم التفت إلى الناس وقال أنشدكم الله أتعلمون أن الرجل الذي شتمه هؤلاء كان أول من آمن بالله وصلى للقبلتين وأنت يا معاوية ويومئذ كافر تشرك بالله وكان معه لواء النبي ﷺ يوم بدر ومع معاوية وأبيه لواء المشركين ثم قال أنشدكم الله والإسلام أتعلمون أن معاوية كان يكتب الرسائل لجدي ﷺ فأرسل إليه يوما فرجع الرسول وقال هو يأكل فرد الرسول إليه ثلاث مرات كل ذلك وهو يقول هو يأكل فقال النبي ﷺ لا أشبع الله بطنه أما تعرف ذلك في بطنك يا معاوية ثم قال وأنشدكم الله أتعلمون أن معاوية كان يقود بأبيه على جمل وأخوه هذا يسوقه فقال رسول الله ﷺ لعن الله الجمل وقائده وراكبه وسائقه هذا كله لك يا معاوية وأما أنت يا عمرو فتنازع فيك خمسة من قريش فغلب عليك شبه ألأمهم حسبا وشرهم منصبا ثم قمت وسط قريش فقلت إني شانىء محمدا فأنزل الله على نبيه ﷺ إن شانئك هو الأبتر ثم هجوت محمدا ﷺ بثلاثين بيتا من

الشعر فقال النبي ﷺ اللهم إني لا أحسن الشعر ولكن العن عمرو بن العاص بكل بيت لعنة ثم انطلقت إلى النجاشي بما علمت وعلمت فأكذبك الله وردك خائبا فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والإسلام فلم نلمك على بغضك وأما أنت يا ابن أبي معيط فكيف الومك على سبك لعلي وقد جلد ظهرك في الخمر ثمانين سوطاً وقتل أبوك صلباً بأمر جدي وقتله جدي بأمر ربي ولما قدمه للقتل قال من للصبية فلم يكن لكم عند النبي إلا النار ولم يكن لكم عند علي غير السيف والسوط وأما أنت يا عتبة فكيف تعد أحداً بالقتل لم لا قتلت الذي وجدته في فراشك مضاجعا لزوجتك ثم أمسكتها بعد أن بغت وأما أنت يا أعور ثقيف ففي أي ثلاث تسب علياً أفي بعده من رسول الله ﷺ أم في حكم جائر أم رغبة في الدنيا فإن قلت شيئاً من ذلك فقد كذبت وأكذبك الناس وإن زعمت أن عليا قتل عثمان كذبت وأكذبك الناس وأما وعيدك فإنما مثلك كمثل بعوضة وقفت على نخلة فقالت لها استمسكي فإني أريد أن أطير فقالت لها النخلة ما علمت بوقوفك

فكيف يشق عليَّ طيرانك وأنت فما شعرنا بعداوتك فكيف يشق علينا سبك ثم نفض ثيابه وقام فقال لهم معاوية ألم أقل لكم إنكم لا تنتصفون منه فوالله لقد أظلم عليَّ البيت حتى قام فليس فيكم بعد اليوم خير. انتهى.

ومن غريب النقل أن شريك بن الأعور دخل على معاوية وهو يختال في مشيته فقال له معاوية والله إنك لشريك وليس لله من شريك وإنك ابن الأعور والصحيح خير من الأعور وإنك لدميم والوسيم خير من الدميم فبم سودك قومك فقال له شريك والله إنك لمعاوية وما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت فسميت معاوية وإنك ابن حرب والسلم خير من الحرب وإنك ابن صخر والسهل خير من الصخر وإنك ابن أمية وما أمية إلا أمة صغرت فسميت أمية فكيف صرت أمير المؤمنين فقال معاوية أقسمت عليك إلا ما خرجت عني.

نكتة لطيفة اتفق أن الملك المعظم عزم على الصيد فقال له بعض جماعته يا مولانا إن القمر في العقرب والسفر فيه مذموم والمصلحة أن تصبر إلى أن ينزل القمر القوس فعزم على الصبر فبينما هو مفكر إذ دخل عليه مملوك له من أحسن الناس وجها فوقف

أمامه وقد توشح بقوس فقال له بعض الحاضرين، بالله يا مولانا اركب في هذه الساعة فهذا القمر قد حل في القوس حقيقة فقام لوقته وركب استبشارا بالقول، فلم يركب أطيب من تلك السفرة، ولا أكثر من صيدها.

ومن غرائب المنقول ما حكى إسحق النديم عن أبيه قال: استأذن الرشيد أن يهب لي يوما من الجمعة لأنبعث فيه بجواري وإخواني فأذن لي في يوم السبت وقال هو يوم أستثقله فاله فيه بما شئت قال: فاقمت يوم السبت بمنزلي وتقدمت لإصلاح طعامي وشرابي، وأمرت بوابي بإغلاق الباب وأن لا يأذن لأحد من الناس، فبينما أنا في مجلسي، والحرم قد حففن بي إذا أنا بشيخ عليه هيبة وجمال وعلى رأسه قلنسوة وبيده عكازة مفعمة بالفضة وروائح الطيب تفوح منه فداخلني لدخوله علي مع ما قدمت من الوصية غيظ عظيم، وهممت بطرد بوابي ومن يحجبني لأجله، فسلم علّي أحسن سلام فرددت عليه وأمرته بالجلوس فجلس وأخذ في حديث الناس وأيام العرب وإشعارها حتى سكن ما بي فظننت أن غلماني قصدوا مسرتي بإدخاله علي لظرفه وأدبه فقلت له هل في الطعام فقال لا حاجة لي به فقلت هل لك في الشراب

فقال ذاك إليك قال فشربت رطلا وسقيته مثله فقال يا أبا إسحق هل لك في أن تغني ونسمع منك ما فقت به على العام والخاص، قال فغاظني منه ذلك ثم سهلت الأمر على نفسي، أخذت العود وضربت وغنيت فقال: أحسنت يا إبراهيم فازددت غيظا وقلت ما رضي بما فعله حتى سماني باسمي ولم يحسن مخاطبتي، ثم قال: هل لك في أن تزيدنا ونكافئك قال فتقدمت وأخذت العود وضربت وغنيت وتحفظت وقمت بما غنيته قياما تاما فطرب وقال أحسنت يا سيدي ثم قال أتأذن لعبدك في الغناء

فقلت له أسأت قال ولم: قلت لأنك قلت حمراء قدمت الحمرة ثم قلت نرجس وشقائق فقدمت الصفرة فقال ما هذا الاستقصاء في هذا الوقت يا بغيض وأبو ناجية من كني إبليس. قال قاضي القضاة شمس الدين محمد بن خلكان في تاريخه وفي رواية أخرى أن الشيخ أبا علي الفارسي قال أنشدني ابن دريد هذين البيتين وقال جاءني إبليس في المنام ثم ذكر بقية الكلام ألخ. ونقل ابن خلكان وغيره أن أبا بكر فريعة قاضي السندية وغيرها من أعمال بغداد كان من عجائب الدنيا في سرعة البديهة بالأجوبة عن جميع ما يسال عنه في أفصح لفظ وأملح سجع وكان مختصا بحضرة الوزير أبي محمد المهلبي ومنقطعا إليه وله مسائل وأجوبة مدونة في أيدي الناس وكان رؤساء ذلك العصر والعلماء والفضلاء يداعبونه

ويكتبون له المسائل الغريبة الغريبة المضحكة فيكتب الأجوبة من غير توقف ولا يكتب إلا مطابقاً لما سألوه وكان الوزير المذكور يغري به جماعة يصنعون له المسائل الهزلية من معان شتى من النوادر فمن ذلك ما كتب إليه بعض الفضلاء على سبيل الامتحان ما يقول القاضي أيده الله تعالى في رجل سمّى والده مداما وكناه أبا الندامى وسمى ابنته الراح وكناها أم الأفراح وسمى عبده الشراب وكناه أبا الإطراب وسمى وليدته القهوة وكناها أم النشوة أينهى عن بطالته أم يؤدب على خلاعته فكتب تحت السؤال لو نعت هذا لأبي حنيفة لأقعده خليفة وعقد له راية وقاتل تحتها من خالف رأيه ولو علمنا مكانه لقلبنا أركانه فإن أتبع هذه الأسماء أفعالا وهذه الكنى استعمالا علمنا أنه أحيا دولة المجون وأقام لواء ابن الزرجون فبايعناه وشايعناه وإن تكن أسماء سماها ما له بها من سلطان خلعنا طاعته وفرقنا جماعته فنحن إلى إمام فعال أحوج منا إلى إمام قوال وكتب إليه العباس الكاتب ما يقول القاضي وفقه الله تعالى في يهودي زنا بنصرانية فولدت له ولدا جسمه للبشر ووجهه للبقر وقد قبض عليهما فما يرى القاضي فيهما فكتب تحت سؤاله بديها

هذا من أكبر الشهود على الملاعين اليهود فإنهم أشربوا حب العجل في صدورهم حتى خرج من أمورهم وأرى أن يناط رأس اليهودي برأس العجل ويصلب على عنق النصرانية ألساق مع الرجل، ويسحبان على الأرض وينادى عليهما ظلمات بعضها فوق بعض والسلام.

نادرة لطيفة ولما خرج أبو جعفر المنصور يريد الحج بالناس قال لعيسى بن موسى الهادي: أنت تعلم أن الخلافة صائرة إليك وأريد أن أسلم لك عمي وعمك عبد الله بن علي فخذه وأقتله وإياك أن تجبن في أمره ثم مضى المنصور إلى الحج وكتب إليه من الطريق يستحثه على ذلك فكتب إليه قد أنفذت أمر أمير المؤمنين وكان الأمر بخلاف ذلك فلم يشك أبو جعفر أنه قتله ودعا عيسى بن موسى كاتبه يونس فقال له إن المنصور دفع إلي عمه وأمرني بقتله فقال له يريد أن يقتلك به فإنه أمرك بذلك سراً ويدعي به عليك علانية والرأي أن تستره في منزلك ولا تطلع عليه أحداً فإن طلبه منك علانية دفعته إليه علانية ولا تدفعه إليه سراً أبداً ففعل ذلك وقدم المنصور فدس على عمومته من يحركهم أن يسألوا المنصور أن يهب لهم أخاهم عبد الله ففعلوا ذلك وكلموه فأجاب وقال نعم علي بعيسى بن موسى فأتاه فقال: يا عيسى كنت دفعت إليك عمي وعمك عبد الله قبل خروجي إلى الحج وأمرتك أن يكون في منزلك مكرما قال قد فعلت ذلك قال قد كلمني فيه عمومتك فرأيت الصفح عنه

فأتني به قال يا أمير المؤمنين ألم تأمرني بقتله قال لا بل أمرتك بحبسه عندك ثم قال المنصور لعمومته إن هذا قد أقر لكم بقتل أخيكم وأدعى أني أمرته بذلك وقد كذب قالوا فدعه إليه نقتله قال شأنك فأخرجوه إلى صحن الدار واجتمع الناس واشتهر الأمر فقام أحدهم وشهر سيفه وتقدم إلى عيسى ليضربه فقال عيسى لا تعجلوا فإن عمي حي ردوني إلى أمير المؤمنين فردوه إليه فقال يا أمير المؤمنين إنما أردت بقتله قتلي هذا عمك حيا إن أمرتني بدفعه إليهم دفعته قال ائتنا به فأتى به فجعله في بيت فسقط عليه فمات وكان المنصور قد وضع في أساس البيت ملحاً لما شرع في عمارته وأعده لهذا المعنى ولما جلس فيه عمه أجرى الماء في أساس البيت سرا بحيث لا يشعر به أحد فذاب المليح وسقط البيت وركب المنصور بعد موت عمه وفي خدمته عباس ابن المتوفي وكان يباسطه في كل وقت فقال له المنصور وهو يحادثه هل تعرف ثلاثة في أول أسمائهم عين قال لا أعرف إلا ما تقول العامة يا أمير المؤمنين إن عليا قتل عثمان وكذبوا والله وعبد الملك بن مروان قتل عبد الله بن الزبير وسقط البيت على عم أمير المؤمنين قال فضحك المنصور وقال إذا سقط البيت على عمي فما ذنبي قال قلت ما لك ذنب يا أمير المؤمنين وقتل عبد الله كان بسبب البيعة التي تقدمت له مع السفاح وشرحها يطول انتهى.

ونقلت من خط قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان ما صورته

نقلت من خط القاضي كمال الدين بن العديم من مسودة تاريخه أن ابن الدقاق البلنسي الشاعر المشهور كان يسهر الليل ويشتغل بالأدب وكان أبوه حداداً فقيراً فلامه وقال يا ولدي نحن فقراء ولا طاقة لنا بالزيت الذي تسهر عليه فاتفق أنه برع في العلم والأدب وقال الشعر وعمل في أبي بكر بن عبد العزيز صاحب بلنسية قصيدة مطربة أولها:

يا شمس خدرٍ ما لها مغربوبدر تمٍّ قطّ لا يحجب

وقال منها:

ناشدتك الله نسيم الصباأين استقرت بعدنا زينب
للشاعر ابن الزقاق، من قصيدة «يا شمس خدر مالها مغرب»
لم تسر إلا بشذا عرفهاأولا فماذا النفس الطيب
للشاعر ابن الزقاق، من قصيدة «يا شمس خدر مالها مغرب»

فأطلق له ثلثمائة دينار فجاء إلى أبيه وهو جالس في حانوته فوضعها في حجره وقال خذ هذه وابتع بها زيتاً انتهى.

حكي عن عبد العزيز بن الفضل قال خرج القاضي أبو العباس أحمد بن عمر بن شريح وأبو بكر بن داود وأبو عبد الله نفطوية إلى وليمة فأفضى بهم الطريق إلى مكان ضيق فأراد كل منهم تقديم صاحبه عليه فقال ابن شريح ضيق الطريق يورث سوء الأدب فقال ابن داود لكنه تعرف به مقادير الرجال فقال نفطويه إذا استحكمت المودة بطلت التكاليف. وحكي عن شريح جد أبي العباس المشهور بالصلاح الوافر أنه كان أعجمياً لا يعرف بلسان العرب شيئاً فاتفق له أنه رأى الباري ﷿ في النوم فحادثه وقال يا شريح طلبكن فقال يا خدادي سار بسار وهذا لفظ أعجمي معناه بالعربي يا شريح أطلب فقال يا رب رأساً برأس

كما يقال رضيت أن أخلص رأسا برأس. ومن لطائف المنقول أنه كان بالعقبة ظاهر دمشق المحروسة خان تجمع فيه أسباب الملاذ ويتفق فيه من الفسوق والفجور ما لا يحد ولا يوصف فرجع ذلك إلى أبي الفتح موسى بن أبي بكر العادل بن أيوب الملقب بالأشرف فهدمه وعمره جامعاً وسماه الناس جامع التوبة تاب إلى الله وأناب مما كان فيه وجرت في خطابته نكتة لطيفة وهي أنه كان بمدرسة الشام التي خارج البلد إمام يعرف بالجمال قيل إنه كان في زمان صباه يلعب بشيء من الملاهي وهي التي تسمى الجفانة ولما كبر حسنت طريقته وعاشر العلماء وأهل الصلاح حتى صار معدوداً في الأخيار فلما احتاج الجامع المذكور إلى خطيب رشح جانبه للخطابة لكثرة الثناء عليه فتولاها فلما توفي تولى بعده العماد الواسطي والواعظ وكان متهما باستعمال الشراب وكان صاحب دمشق يومئذ الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن العادل أيوب فكتب إليه الجمال عبد الرحيم المعروف بابن روتينة أبياتاً وهي هذه:

يا مليكاً أوضح الحقَّ لدينا وأبانه
للشاعر ابن زويتينة، اقرأ القصيدة
جامع التوبة قد حملني منه أمانه
قال قل للملك الصالح أعلى الله شانه
للشاعر ابن زويتينة، اقرأ القصيدة
يا عماد الدين يا منحمد الناس زمانه
للشاعر ابن زويتينة، اقرأ القصيدة
كم إلى كم أنا في بؤسٍ وضرٍّ وإهانه
لي خطيبٌ واسطيٌيعشق الشربَ ديانه
والذي قد كان من قبل يغنيّ بجفانه
فكما نحن وما زلنا ولا أبرح حانه
ردني للنمط الأول واستبقِ زمانه
للشاعر ابن زويتينة، اقرأ القصيدة

ومن لطائف المنقول أن بثينة وعزة دخلتا على عبد الملك بن مروان فانحرف إلى عزة وقال أنت عزة كثير قالت لست لكثير بعزة لكنني أم بكر قال أتروين قول كثير ...

وقد زعمت أني تغيرت بعدهاومن ذا الذي يا عزّ لا يتغيرُ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أيادي سبا يا عز ما كنت بعدكم»

قالت لست أروي هذا ولكنني أروي قوله:

كأني أنادي أو أكلم صخرةًمن الصم لو تمشي بها العصم زلت

ثم انحرف إلى بثينة فقال أنت بثية جميل قالت نعم يا أمير المؤمنين قال ما الذي رأى فيك جميل حتى لهج بذكرك من بين نساء العالمين قالت الذي رأى الناس فيك فجعلوك خليفتهم قال فضحك حتى بدا له ضرس أسود ولم ير قبل ذلك وفضل بثينة على عزة في الجائزة ثم أمرهما أن يدخلا على عاتكة فدخلتا عليها فقالت: لعزة أخبريني عن قول كثير

قضي كل ذي دينٍ فوفىّ غريمهوعزة ممطولٌ معنى غريمها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عفت غيقة من أهلها فحريمها»

ما كان دينه وما كنت وعدته

قالت كنت وعدته قبلة ثم تأثمت منها قالت عاتكة وددت أنك فعلت وأنا كنت تحملت أثمها عنك ثم ندمت عاتكة واستغفرت الله تعالى وأعتقت عن هذه الكلمة أربعين رقبة انتهى.

ويعجبني قول أسامة بن منقذ في ابن طليب المصري وقد احترقت داره.

أنظر إلى الأيام كيف تسوقناقسراً إلى الإقرار بالأقدار
ما أوقد ابن طليبَ قطّ بدارهناراً وكان حريقها بالنار

قلت ومما يناسب هذه الواقعة أن الوجيه بن صورة المصري دلال الكتب بمصر كان له دار موصوفة بالحسن فاحترقت فعمل فيها نشو الملك المعروف بابن المنجم

أقول وقد عاينت دار ابن صورةٍوللنار فيها مارجٌ يتضرم
كذا كل مالٍ أصله من نهاوشٍفعماّ قليلِ في نهارٍ يعدم
وما هو إلا كافرٌ طال عمرهفجاءته لما استبطأته جهنَّم

قلت وهذه اللطائف تضارع قصة أبي الحسين الجزار مع بعض أهل الأدب بمصر وكان شيخنا قد ظهر عليه جرب فالتطخ بالكبريت فلما سمع أبو الحسين الجزار بذلك كتب إليه:

أيها السيد الأديب دعاءٌمن محبٍّ خالٍ عن التنكيت
أنت شيخٌ وقد قربت من النار فكيف ادهنت بالكبريت
للشاعر بلبل الغرام الحاجري، من قصيدة «أيها الشيخ دعوة من محب»

قيل إن أبا القاسم الزعفراني مدح الصاحب ابن عباد بقصيدة نونية وانتهى إلى قوله منها:

وحاشية الدار يمشون فيصنوفٍ من الخزٍّ إلاّ أنا

فقال الصاحب قرأت في أخبار معن بن زائدة الشيباني أن رجلا قال له احملني أيها الأمير فأمر له بناقة وفرس وبغل وحمار وجارية ثم قال لو علمت أن الله ﷾ خلق مركوبا غير هذا لحملتك عليه وقد أمرنا لك من الخز بجبة وقميص وعمامة ودراعة وسراويل ومنديل ومطرف ورداء وكساء وجورب وكيس

ولو علمنا لباس من الخز لأعطيناكه. وبلغ حديث معن المذكور للعلاء بن أيوب فقال رحم الله أبن زائدة لو كان يعلم أن الغلام يركب لأمر به ولكنه كان عربيا خالصا لم يدنس بقاذورات الأعاجم انتهى.

قيل إن بيوت الشعر أربعة فخر ومديح وهجاء ونسيب وكان جرير أفحل شعراء الإسلام في الأربعة فالفخر قوله:

إذا غضبت عليك بنو تميمٍحسبت الناس كلَّهُم غضاباً
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

والمديح قوله

ألستم خير من ركب المطاياوأندى العالمين بطون راح
للشاعر جرير، من قصيدة «أتصحو بل فؤادك غير صاح»

والهجاء قوله

فغض الطرف إنك من نميرٍفلا كعباً بلغت ولا كلابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

والنسيب قوله

إن العيون التي في طرفها حورٌقتلننا ثم لم يحيين قتلانا
للشاعر خلفان بن مصبح، من قصيدة «هذا الربيع بنور الحسن وافانا»
يصرعن ذا اللبَّ حتى لا حراك بهوهن أضعفُ خلق الله إنسانا
للشاعر خلفان بن مصبح، من قصيدة «هذا الربيع بنور الحسن وافانا»

وقال أبو عبيدة التقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجان فقال الفرزدق لجرير:

فإنك لاقٍ بالمنازل من منىفخاراً فأخبرني بما أنت فاخر

فقال له جرير بلبيك اللهم لبيك قال أبو عبيدة أصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير ويعجبون منه. قيل لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ وفد الشعراء إليه وأقاموا ببابه أياما لا يؤذن لهم فبينما هم كذلك إذ مر بهم رجاء بن حيوة وكان جليس عمر

فلما رآه جرير داخلا قام إليه وأنشده:

يا أيها الرجل المرخي عمامتههذا زمانك فاستأذن لنا عمرا

فدخل عليه ولم يذكر له شيئا من أمرهم ثم مر بهم عدي بن أرطاة فقال جرير أبياتا آخرها قوله:

لا تنس حاجتنا لُقِّيتَ مغفرةًقد طال مكثي عن أهلي وأوطاني

قال فدخل عدي على عمر فقال يا أمير المؤمنين الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة قال ويحك يا عدي مالي وللشعراء قال أعز الله أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ قد امتدح وأعطى ولك في رسول الله ﵊ أسوة حسنة قال كيف: قال: امتدحه العباس بن مرداس السلمي فأعطاه حلة فقطع بها لسانه قال أو تروي من قوله شيئاً قال نعم قوله:

رأيتك يا خير البرية كلهانشرت كتاباً جاء بالحقِّ معلما
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «رأيتك يا خير البرية كلها»
شرعت لنا دين الهدى بعد جورناعن الحقّ لما أصبح الحقِّ مظلما
ونورت بالبرهان أمراً مدلساًوأطفأت بالاسلام ناراً تضرما
فمن مبلغٍ عنِّي النبي محمداًوكل امرىء يجزي بما كان قدّما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجهوكان قديماً ركنه قد تهدّما

النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع