تجاوز إلى المحتوى

من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)

ترجمة المعتزلة (٢)

الصفحة ٢ من ٢

فقال عمر ويلك يا عدي من بالباب منهم قال عمر بن أبي ربيعة قال أليس هو الذي يقول:

ثم نبهتها فمدت كعاباًطفلةٌ ما تبين رجع الكلام
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ثم نبهتها فمدت كعابا»
ساعةٌ ثم إنها بعد قالتويلتا قد عجلت يا ابن الكرام
للشاعر العرجي، من قصيدة «جن قلبي بذكر أم الغلام»

فلو كان عدو الله إذ فجر كتم على نفسه لكان استر له لا يدخل والله عليَّ أبدا فمن بالباب سواه قال الفرزدق قال أوليس الذي يقول:

هما دلياني من ثمانين قامةٍكما انقض باز أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي في الأرض قالتاأحيٌّ فيرجى أم قتيلٌ نحاذره
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فلم أر منزولا به بعد هجعة»

لا يدخل علي والله فمن بالباب سواه. قال الأخطل قال يا عدي هو الذي يقول:

ولست بصائمٍ رمضان طوعاًولست بآكلٍ لحمَ الأضاحي
للشاعر الأخطل، من قصيدة «لست بصائم رمضان طوعا»
ولست بزاجر عيساً بكوراًإلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بزائرٍ بيتاً عتيقاًبمكة أبتغي فيه صلاحي
ولست بقائمٍ بالليل أدعوقبيل الصبح حيَّ على الفلاح
ولكني سأشربها شمولاًوأسجد عند مبتلج الصباح
للشاعر الأخطل، من قصيدة «لست بصائم رمضان طوعا»

والله لا يدخل علي وهو كافر أبداً فمن بالباب سوى من ذكرت قال الأحوص قال اليس الذي يقول:

الله بيني وبين سيدهايفرُّ مني بها وأتبعه

فما هو بدون من ذكرت فمن هنا أيضا قال جميل بن معمر قال أليس هو الذي يقول:

ألا ليتنا نحيا جميعا وإن أمتيوافق في الموتى ضريحي ضريحها
فلو كان عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا ليعمل بعد ذلك صالحها

لكان أصلح والله لا يدخل علي أبداً فهل سوى من ذكرت أحد قال جرير قال أما هو الذي يقول:

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا

.. وقت الزيارة فأرجعي بسلام

فإن كان ولا بد فهو الذي يدخل فلما مثل بين يديه قال يا جرير اتق الله ولا تقل إلا حقا فأنشده قصيدته الرائية المشهورة التي منها:

إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنامن الخليفة ما نرجو من المطر
للشاعر جرير، من قصيدة «لجت أمامة في لومي وما علمت»
نال الخلافة أو كانت له قدراًكما أتى ربه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضيت حاجتهافمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
الخير ما دمت حيا لا يفارقنابوركت يا عمرَ الخيراتِ من عمر

فقال يا جرير ما أرى ذلك فيما ههنا حقا قال بلى يا أمير المؤمنين إني ابن سبيل ومنقطع فقال له ويحك يا جرير قد ولينا هذا الأمر ولا نملك إلا ثلثمائة درهم فمائة أخذها عبد الله ومائة أخذتها أم عبد الله يا غلام أعطه المائة الباقية قال فأخذها جرير وقال والله لهي أحب مال اكتسبته ثم خرج فقال له الشعراء ما وراءك فقال ما يسوءكم خرجت من عند خليفة يعطي الفقراء ويمنع الشعراء وإني عليه لراض وأنشد:

رأيت رقى الشيطان لا تستفزهوقد كان شيطاني من الجنّ راقيا

ومن لطائف الظرف ما حدث إبراهيم بن المهدي قال: قال لي جعفر يوما إني استأذنت أمير المؤمنين في الخلوة غداً فهل أنت مساعدي فقلت جعلت فداك أنا أسعد بمساعدتك وأسر بمحادثتك قال فبكر إلي بكور

الغراب قال فأتيته عند الفجر فوجدت الشمعة بين يديه وهو ينتظرني للميعاد فصلينا ثم أفضينا إلى الحديث وقدم الطعام فأكلنا فلما غسلنا أيدينا خلعت علينا ثياب المنامة ثم ضمخنا بالخلوق ومدت الستائر ثم إنه ذكر حاجة فدعا الحاجب فقال إذا أتى عبد الملك فأذن له يعني قهرماناً له فاتفق أن جاء عبد الملك بن صالح الهاشمي شيخ الرشيد وهو من جلالة القدر والورع والامتناع من منادمة أمير المؤمنين على أمر جليل وكان الرشيد قد اجتهد أن يشرب معه قدحا واحدا فلم يقدر عليه ترفعا لنفسه فلما رفع الستر وطلع علينا سقط في أيدينا وعلمنا أن الحاجب قد غلط بينه وبين عبد الملك القهرمان فأعظم جعفر ذلك وارتاع له ثم قام اجلالا له فلما نظر إلى تلك الحال دعا غلامه فدفع إليه سيفه وعمامته ثم قال اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم قال فجاء إليه الغلمان فطرحوا عليه الثياب الحرير وضمخوه ودعي بالطعام فطعم وشرب ثلاثا ثم قال ليخفف عني فإنه شيء ما شربته والله فتهلل وجه جعفر وفرح ثم التفت إليه فقال جعلت فداءك بالغت في الخير والفضل فهل من حاجة تبلغ إليها قدرتي وتحيط بها نعمتي فأقضيها مكافأة لم صنعت قال بلى إن في قلب أمير المؤمنين علي غضبا فتسأله الرضا عني فقال له جعفر قد رضي أمير المؤمنين عنك ثم قال وعلي عشرة آلاف دينار فقال هي لك حاضرة من مالي ومن مال أمير المؤمنين مثلها ثم قال وابني إبراهيم أحب أن أشد ظهره بصهر من أمير

المؤمنين قال قد زوجه أمير المؤمنين ابنة العالية قال وأحب أن تخفق على رأسه الألوية قال وقد ولاه أمير المؤمنين مصر فانصرف عبد الملك بن صالح قال إبراهيم بن المهدي فبقيت متحيراً متعجبا من إقدام جعفر على أمير المؤمنين من غير استئذان وقلت عسى أن يجيبه فيما سأل من الرضا والمال والولاية ولكن من أطلق لجعفر أو لغيره تزويج بنات الرشيد فلما كان من الغد بكرت إلى باب الرشيد وعقد له على مصر والرايات والألوية بين يديه وحملت البدر إلى منزل عبد الملك وخرج جعفر فأشار إلينا فقال تعلقت قلوبكم بحديث عبد الملك فأحببتم علم آخره فلما دخلت على أمير المؤمنين ومثلت بين يديه قال كيف كان يومك يا جعفر فقصصت عليه القصة حتى بلغت إلى دخول عبد الملك وكان متكئا فاستوى جالسا وقال إيه ولله أبوك فقلت سألني في رضا أمير المؤمنين قال فيم أجبت قلت قد رضي أمير المؤمنين عنك قال قد رضيت ثم ماذا قلت وذكر أن عليه عشرة آلاف دينار قال فبم أجبته قلت قد قضاها أمير المؤمنين عنك قال قد قضيت قلت وذكر أنه راغب في أن يشد ظهر ولده إبراهيم بصهر منك قال فيم أجبته قلت قد زوجه أمير المؤمنين ابنته العالية قال قد أمضيت ذلك ثم ماذا لله أبوك قلت وذكر أنه يشتهي أن تخفق على رأس

ولده إبراهيم الألوية قال فبم أجبته قلت قد ولاه أمير المؤمنين مصر قال قد وليته فأحضر إبراهيم والقضاة والفقهاء وأتم له جميع ذلك من ساعته قال إبراهيم بن المهدي فوالله ما أدري أيهم أكرم وأعجب، ما ابتدأه عبد الملك من الموافقة وشرب الخمر ولم يكن شربها قط ولباسه ما ليس من لبسه من ثياب المنادمة أم إقدام جعفر على الرشيد بما أقدم أم إمضاء الرشيد جميع ما حكم به جعفر عليه.

ومن لطائف المنقول ما حكي عن أبي معشر البلخي المنجم الإمام المصنف صاحب التصانيف المفيدة في علم النجوم قيل إنه كان متصلا بخدمة بعض الملوك وإن ذاك الملك طلب رجلا من أتباعه وأكابر دولته ليعاقبه بسبب جريمة صدرت منه فاستخفى وعلم أن أبا معشر يدل عليه بالطريقة التي يستخرج بها الخبايا والأشياء الكامنة فأراد أن يعمل شيئا حتى لا يهتدي إليه ويبعد عنه حديثه فأخذ طستا وجعل فيه دما وجعل في الدم هاون ذهب وقعد على الهاون أياما وتطلبه الملك وبالغ في الطلب فلما عجز عنه أحضر أبا معشر وطلب إظهاره فعمل المسألة التي يستخرج بها وسكت زمانا حائرا فقال له الملك ما سبب سكوتك وحيرتك فقال أرى شيئا عجيبا فقال وما هو قال أرى الرجل المطلوب على جبل من ذهب والجبل في بحر من دم ولا أعلم في العالم موضعا على هذه الصفة فقال إلا أعد نظرك ففعل ثم قال ما أرى له إلا ما ذكرت هذا شيء ما وقع لي مثله فلما أيس الملك من تحصيله نادى في البلد بالأمان للرجل ولمن أخفاه فلما اطمأن الرجل ظهر وحضر بين

يدي الملك فسأله عن الموضع الذي كان فيه فأخبره بما اعتمد عليه فأعجبه حسن احتياله في إخفاء نفسه ولطافة أبي معشر المنجم في استخراجه وله غير ذلك من الإصابات. قال قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان ومما يناسب هذا من فطن المتطببين ما رواه الحسين بن إدريس الحلواني قال سمعت الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁ يقول ما أفلح سمين قط إلا أن يكون محمد بن الحسن قيل له ولم ذلك قال لأنه لا يعدو العاقل إحدى خلتين إما أن يهتم لآخرته ومعاده أو لدنياه ومعاشه والشحم مع الهم لا ينعقد ثم قال وكان بعض ملوك الأرض قديما كثير الشحم لا ينتفع بنفسه فجمع الحكماء وقال احتالوا لي بحيلة يخف عني لحمي هذا قليلا قال فما قدروا له على شيء فجاءه رجل عاقل لبيب متطبب فقال عالجني ولك الغنى قال أصلح الله الملك أنا طبيب منجم دعني حتى أنظر الليلة في طالعك لأرى أي دواء يوافقه فلما أصبح قال أيها الملك الأمان فلما أمنه قال رأيت طالعك يدل على أنه لم يبق من عمرك غير شهر واحد فإن اخترت عالجتك وإن أردت بيان ذلك فاحبسني عندك فإن كان لقولي حقيقة فخل عني وإلا فاقتص مني قال فحبسه ثم رفع الملك الملاهي واحتجب عن الناس وخلا وحده مغتما فكلما انسلخ يوم ازداد هما وغما حتى هزل وخف لحمه ومضى لذلك ثمان وعشرون يوما فبعث إليه وأخرجه فقال ما ترى فقال أعز الله الملك أنا أهون على الله من أن أعلم الغيب والله إني لم أعلم عمري فكيف أعلم

عمرك ولكن لم يكن عندي دواء إلا الغم فلم أقدر أن أجلب إليك الغم إلا بهذه الحيلة فإن الغم يذيب الشحم فأجازه على ذلك وأحسن إليه غاية الإحسان وذاق حلاوة الفرح بعد مرارة الغم. قلت ويعجبني قول جعفر بن شمس الخلافة في هذا المعنى:

هي شدة يأتي الرخاء عقيبهاوأسىً يُبشِّرُ بالسرور العاجل
وإذا نظرت فإن بؤساً عاجلاًللمرء خيرٌ من نعيمٍ زائل

ويعجبني قوله وإن كان في غير ما نحن فيه:

مدحتك ألسنة الأنام مخافةًوتشاهدت لك بالثناء الأحسنِ
أتُرى الزمان مؤخِّراً في مدَّتيحتى أعيش إلى انطلاق الألسن

نادرة لطيفة نقل عن قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في تاريخه أن الجنيد قال ما انتفعت بشيء كانتفاعي بأبيات سمعتها قيل له وما هي قال مررت بدرب القراطيس فسمعت جارية تغني من دار وتقول هذه الأبيات:

إذا قلتُ اهدى الهجرُ لي حُلَلَ الأسىتقولين لولا الهجرُ لم يطب الحبُّ
وإن قلتُ ما أذنبتُ قلتُ مجيبةًحياتُكِ ذنبٌ لا يقاسُ به ذنب

فصعقت وصحت فبينما أنا كذلك إذ خرج صاحب الدار فقال ما هذا يا سيدي فقلت له مما سمعت فقال إنها هبة مني إليك فقلت قد قبلت وهي حرة لوجه الله تعالى ثم دفعها لبعض أصحابنا بالرباط فولدت منه ولدا نبيلا حج على قدميه ثلاثين

حجة.

وذكر قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في ترجمة أبي علي الفارسي أنه كان يوما يساير عضد الدولة بن بويه في ميدان سيران فقال له لم انتصب المستثنى في قولنا قام القوم إلا زيدا فقال الشيخ بفعل مقدر تقديره استثنى زيدا فقال له عضد الدولة هل رفعته وقدرت الفعل امتنع زيد فانقطع وقال هذا الجواب ميداني ثم إنه لما رجع إلى منزله وضع في ذلك كلاما حسنا وحمل إليه فاستحسنه وحكى أبو القاسم أحمد الأندلسي قال جرى ذكر الشعر بحضرة أبي علي الفارسي وأنا حاضر فقال إني لأغبطكم على قول الشعر فإن خاطري لا يوافقني إلى ذلك مع تحقيق العلوم التي هي من معادنه فقال له رجل فما قلت قط شيئا منه قال ما أعلم أن لي شعرا غير ثلاثة أبيات في الشيب وهو قولي:

خضبتُ الشيبَ لما كان عيباًوخَضْبُ الشيب أولى أن يُعابا
للشاعر أبو علي الفارسي، من قصيدة «خضبت الشيب لما كان عيباً»
ولم أخضب مخافة هجر خلٍّولا عيباً خشيت ولا عتابا
للشاعر أبو علي الفارسي، من قصيدة «خضبت الشيب لما كان عيباً»
ولكن المشيب بدا ذميماًفصيّرت الخضاب له عقابا
للشاعر أبو علي الفارسي، من قصيدة «خضبت الشيب لما كان عيباً»

ومن لطائف المنقول أن أبا محمد الوزير المهلبي كان في غاية من الأدب والمحبة لأهله وكان قبل اتصاله بمعز الدولة بن بويه في شدة عظيمة من الضرورة والمضايقة وسافر وهو على تلك الحالة ولقي في سفره شدة عظيمة فاشتهى اللحم فلم يقدر عليه فقال ارتجالا:

إلا موتٌ يباع فأشتريهفهذا العيش ما لا خير فيه
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
ألا موتٌ لذيذ الطعم يأتييخُلِّصني من العيش الكريه
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
إذا أبصرتُ قبراً من بعيدٍوددت لو أنني فيما يليه
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
ألا رحم المهيمن نفس حرٍّتصدّق بالوفاة على أخيه
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

كان له رفيق يقال له أبو عبد الله الصوفي وقيل أبو الحسن العسقلاني فلما سمع الأبيات اشترى له لحما بدرهم وطبخه وأطعمه وتفارقا وتنقلب الأحوال وولي الوزارة ببغداد لمعز الدولة المذكور وضاق الحال برفيقه الذي اشترى له اللحم في السفر وبلغه وزارة المهلبي فقصده وكتب إليه:

ألا قل للوزير فدتْهُ نفسيمقال مذكّرٍ ما قد نسيه
أتذكرُ إذ تقولُ لضيق عيشٍألا موتٌ يُباعُ فاشتريه

فلما وقف عليها تذكر الحال وهزته أريحية الكرام فأمر له بسبعمائة درهم ووقع له في رقعته مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ثم دعا به فخلع عليه وقلده عملا يرتفق منه انتهى.

وذكر الحريري صاحب المقامات في كتابه المسمى بدرة الغواص ما مثاله قال حماد الراوية كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك بن مروان في خلافته وكان أخوه هشام يجفوني لذلك فلما مات يزيد وأفضت الخلافة إلى هشام خفته ومكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا لمن أثق به من اخواني سرا فلما لم أسمع أحدا ذكرني في السنة أمنت وخرجت وصليت الجمعة في الرصافة فإذا شرطيان قد وقفا علي وقالا يا حماد أجب الأمير يوسف بن عمر الثقفي وكان واليا على

النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ثمرات الأوراق»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.