من «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس» لأبي عبد الله الحميدي (ت ٤٨٨هـ)
باب النساء
صفية بنت عبد الله الرب، أديبة شاعرة موصوفة بحسن الخط، ذكرها أبو محمد علي بن أحمد وأنشدني قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن سعيد بن جرح لها وقد عابت امرأة خطها فقالت:
وعائبة خطى فقلت لها اقصريفسوف أريك الدر في نظم أسطري
وناديت كفي كي تجود بخطهاوقربت أقلامي ورقي ومحبري
فخطت بأبيات ثلاث نظمتهاليبدو لها خطي وقلت لها انظري
قال: وتوفيت في آخر سنة سبع عشرة وأربع مائة وهي دون ثلاثين سنة.
مريم بنت أبي يعقوب الفصولي الشلبي الحاجة أديبة شاعرة جزلة مشهورة كانت تعلم النساء الأدب وتحتشم لدينها وفضلها، وعمرت عمراً طويلاً سكنت أشبيلية وشهرت بعد الأربع مائة أنشدني لها أصبغ بن سيد الإشبيلي:
وما ترتجي من بنت سبعين حجةوسبع كنسج العنكبوت المهلهل
تدب دبيب الطفل تسعى إلى العصاوتمشي بها مشي الأسير المكبل
وأخبرني أن ابن المهند بعث إليها بدنانير وكتب إليها:
مالي بشكر الذي أوليت من قبللو أنني حرت نطق الإنس والخبل
يا فردة الظرف في هذا الزمان وياوحيدة العصر في الإخلاص والعمل
أشبهت مريماً العذراء في ورعوفقت خنساء في الأشعار والمثل
فكتبت إليه:
من ذا يجاريك في قول وفي عملوقد بدرت إلى فصل ولم تسل
مالي بشكر الذي نظمت في عنقيمن اللآلي وما أوليت في قبلي
حليتني بحلى أصبحت زاهيةبها على كل أنثي من حلى عطل
لله أخلاقك الغر التي سقيتماء الفرات فرقت رقة الغزل
اشبهت في الشعر من غارت بدائعهوأنجدت وغدت من أحسن المثل
من كان والده العضب المهند لميلد من النسل غير البيض والأسل
الغسانية شاعرة تمدح الملوك مشهورة، ذكرها لنا الرئيس أبو الحسن عبد الرحمن بن راشد ولم يعرف اسمها، وقال: إنها كانت ببجانة وأنشدنا، قال: أنشدني الكاتب أبو علي البجاني لها من قصيدة طويلة في الأمير خيران العامري صاحب المرية تعارض بها أبا عمر أحمد بن دراج في قصيدته التي أولها:
لك الخير قد أوفى بعهدك خيرانوبشراك قد آواك عز وسلطان
وأول شعرها:
أتجزع أن قالوا ستظعن أظعانوكيف تطيق الصبر ويحك إن بانوا
وما هو إلا الموت عند رحليهموإلا فعيش تجتني منه أحزان
عهدتهم والعيش في ظل وصلهمأنيق وروض الدهر أزهر ريان
ليالي سعد لا يخاف على الهوىعتاب ولا يخشى على الوصل هجران
ويسطو بنا لهو فنعتنق المنىكما اعتنقت في سطوة الريح أفنان
ألا ليت شعري والفراق يكون هلتكونون لي بعد الفراق كما كانواه
هذا الذي حضرنا من المعنى المقصود قد جمعناه بعون الله ﷿ لمقتبسيه أيام كوننا
بالعراق، والوعد باق علينا إن أمهلنا إلى سلوك تلك الآفاق. فلنعد الآن إلى ما بدأنا به بعد أن نستغفر الله مما لا يوافق رضاه، ونسأله العون على طاعته وتقواه فنقول: الحمد لله أولا وآخراً، وصلى الله على محمد نبيه المصطفى عدداً وبدءاً، وعلى آله أجمعين وسلم تسليماً دائماً ابد الآبدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
تم الجزء الخامس بتمام الكتاب وهو آخر العاشر من الأصل والحمد لله حق حمده.
النص من طبعة الدار المصرية للتأليف والنشر بالقاهرة (١٩٦٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع