من «بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس» لابن عميرة الضبي (ت ٥٩٩هـ)
يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس وقيل وسلاس أبو محمد الليثي
أصله من البربر من قبيلة يقال لها مصمودة، تولى بني ليث فينسب إليها، وجده كثير يكنى أبا عيسى وهو الداخل الأندلسي، رحل إلى المشرق وهو ابن ثمان وعشرين سنة فسمع مالك بن أنس وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وعبد الرحمن بن القاسم بن عبد الله بن وهب وسمع من نافع بن أبي نعيم القارئ ومن القاسم بن عبد الله العمري وتفقه بالمرنيين والمصريين من أكابر أصحاب مالك بن أنس، بعد انتفاعه بمالك وملازمته، وكان مالك يسميه عاقل الأندلس، وكان سبب ذلك فيما روى: أنه كان في مجلس مالك من جماعة من أصحابه فقال قائل: قد خطر الفيل فخرجوا ولم يخرج، فقال له مالك: ما لك لم تخرج لتنظر الفيل
وهو لا يكون في بلادك؟ فقال له: لم أرحل؛ لأبصر الفيل وإنما رحلت لأشاهدك وأتعلم من علمك وهديك فأعجبه ذلك منه وسماع عاقل الأندلس، وإليه انتهت الرئاسة بالفقه في الأندلس وبه انتشر مذهب مالك وتفقه به جماعة لا يحصون وكان يفتى برأي مالك وقوله، إلا في القنون فإن أخذ فيه بقول الليث بن سعد، وكان لا يرى القنوت وترك أيضاً رأى مالك في اليمين مع الشاهد، وأخذ يقول الليث في ترك ذلك وإيجاب، وروى عن غير واحد منهم ابناه عبيد الله وإسحق ومحمد بن وضاح وزياد بن محمد بن زياد شبطون وإبراهيم بن قاسم بن هلال ومحمد بن أحمد العتقي وإبراهيم بن محمد بن باز ويحيى بن حجاج ومطرف بن عبد الرحمن وقيل عبد الرحيم بن إبراهيم و [عجنس] بن أسباط الزبادي وعمر بن موسى الكناني وعبد المجيد بن عفان البلوي وعبد الأعلى بن وهب وعبد الرحمن بن محمد بن أبي مريم ابن السعدي، وسليمان بن نصر بن منصور المري وأصبغ بن الخليل وإبراهيم بن شعيب وغيرهم، وآخر من روى عنه موتا ابنه عبيد الله وكان يحيى مع إمامته ودينه مكيناً عند الأمراء معظماً وعفيفاً عن الولايات متنزهاً جلت درجته عن القضاءي فكان أعلا قدراً من القضاء عند ولاة الأمر هناك لزهده في القضاء وامتناعه منه، حدثني غير واحد عن شريح من أبي محمد بن حزم قال: مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرئاسة والسلطان مذهب أبي حنيفة فإنه لما ولي قضاء القضاة أبو يوسف كانت القضاة من قبله فكان لا يولى قضاء البلاد من أقصى المشرق إلى أقصى أعمال أفريقية إلا أصحابه والمنتهين إلى مذهبه والناس سراع إلى الدنيا والديانة فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به، على أن يحيى بن يحيى لم يل قضاء قط ولا أجاب إليه
وكان ذلك زائداً في جلالته عندهم وداعياً إلى قبول رأيه لديهم، وكذلك جرى الأمر في أفريقية لما ولي القضاء بها سحنون بن سعيد ثم نشأ الناس على ما [انتشر]، وكانت وفاة يحيى بن يحيى في رجب لثمان بقين منه سنة أربع وثلاثين ومائتين وقيل في سنة ثلاث ورحل يحيى بن يحيى رحلة ثانية فألفى مالكاً عليلاً فأقام عنده حتى حضر جنازته ثم رجع إلى الأندلس، ذكر ذلك أبو محمد الرشاطي في كتابه حدثني بكتاب الموطأ غير واحد عن ابن موهب عن أبي عمر بن عبد البر قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد قال: أخبرنا محمد بن أبي دليم ووهب ابن مسرة قالا: أخبرنا محمد بن وضاح قال: أخبرنا يحيى بن يحيى أنا مالك [بن أنس به] قال أبو عمرو: أخبرنا أبو عمر أخبرنا ابن الجسور قال: أخبرنا أبو عمر أحمد بن مطرف وأحمد بن سعيد بن حزم قالا: أخبرنا عبيد الله بن يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا مالك قال: أبو عمرو أنا سعيد بن نصر أبو عثمان، أخبرنا قاسم بن أصبغ، أخبرنا ابن وضاح أخبرنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا مالك.
النص من طبعة دار الكاتب العربي بالقاهرة (١٩٦٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع