تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

مدح الشماخ لعرابة بن أوس

قال أبو العباس: وكان سبب ارتفاع عرابة أنه قدم من سفر، فجمعه الطريق والشماخ بن ضرار المري، فتحادثا، فقال عرابة: ماالذي أقدمك المدينة قال: قدمت لأمتار منها، فملأ له عرابة رواحله برا وتمراً، وأتحفه بغير ذلك، فقال الشماخ:

رأيت عرابة الأوسي يسموإلى الخيرات منقطع القرين
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كلا يومي طوالة وصل أروى»
إذا ما راية رفعت لمجدتلقاها عرابة باليمين
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كلا يومي طوالة وصل أروى»
إذا بلغتني وحملت رحليعرابة، فاشرقي بدم الوتين
ومثل سراة قومك لم يجارواإلى ربع الرهان ولا الثمين
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كلا يومي طوالة وصل أروى»

قوله:" تلقاها عرابة باليمين"، قال أصحاب المعاني: معناه بالقوة، وقالوا مثل ذلك في قول الله ﷿: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وقد أحسن كل الاحسان في قوله:

إذا بلغتني وحملت رحليعرابة فاشرقي بدم الوتين

يقول: لست أحتاج إلى أن أرحل إلىغيره.

وقد عاب بعض الرواة قوله: "فاشرقي بدم الوتين"، وقال كان ينبغي أن ينظر لها مع استغنائه عنها، فقد قال رسول الله ﷺ للأنصارية المأسورة بمكة وقد نجت على ناقة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها. فقال رسول الله ﷺ: "لبئس ما جزيتها" وقال: "لانذرفي معصية، ولا نذر للانسان في غير ملكه".

ومما لم يعب في هذا المعنى قول عبد الله بن رواحة الأنصاري لما أمره رسول الله ﷺ بعد زيد وجعفرٍ على جيش مؤتة:

إذا بلغتني وحملت رحليمسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي وخلاك ذمولا أرجع إلى أهلي ورائي

الحساء: جمع حسي، وهو موضع رمل تحته صلابة، فإذا مطرت السماء على ذلك الرمل نزل الماء، فمنعته الصلابة أن يغيض، ومنع الرمل السمائم أن تنشفه، فإذا بحث ذلك الرمل أصيب الماء، يقال: حسي وأحساء وحساء، ممدودة.

وقوله: " ولا أرجع إلى أهلي ورائي" مجزوم لأنه دعاء، فقوله:" لا" يعني الجازمة، ومعناه: اللهم لا أرجع، كما تقول: زيد لا تغفر له، فهذا الدعاء ينجزم بما ينجزم به الأمر والنهي، كما تقول: زيد ليقم، وزيد لا يبرح وقد اتبع ذو الرمة الشماخ في قوله:

إذا ابن أبي موسى بلالا بلغتهفقام بفأس بين وصليك جازر

الوصل: المفصل بما عليه من اللحم، يقال: قطع الله أوصاله، ويقال: وصل، وكسروجدل، في معنى واحد.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.