من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
لعمارة بن عقيل يحض بني كعب وبني كلاب على بني نمير
قال أبو الحسن: أنشدني عمارة بن عقيل لنفسه يحض بني كعب وبني كلاب، ابني ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن على بني نمير بن عامر بن صعصعة، وبينهم مطالبات وترات. وكانت بنو نمير أعداء عمارة. فكان يحض عليهم السلطان، ويغري بهم إخوتهم، ويحاربهم في عشيرته، فقال:
رأينا كما يا ابني ربيعة خرتمالعض الحروب. والعديد كثير
وصدقتما قول الفرزدق فيكماوكذبتما ما كان قال جرير
أصابت نمير منكم فوق قدرهافكل نميري بذاك أمير
فإن تفخروا بما مضى من قديمكمفقد هدمت مدائن وقصور
رمتها مجانيق العدو فقوضتمدائن منها كالجبال وسور
وشيدها الأملاك: كسرى وهرمزوآل هرقل حقبة، ونضير
فإن تعمروا المجد القديم فلم يزللكم في مضرات الحروب ضرير
خبطتم ليوث الشأم حتى تناذرتحماكم وحتى لا يهر عقور
فكيف بأكناف الشريف تصيبكمثعالب يبحثن الحصى وأبور
قال أبو العباس: قوله:
فقد هدمت مدائن وقصور
مثل، يريد ان مجدكم الذي بناه آباؤكم متى لم تعمروه بأفعالكم خرب وذهب. وهذا كما قال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:
لسنا وإن كرمت أوائلنايوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلناتبني ن ونفعل مثل ما فعلوا
وكما قال الآخر:
ألهى بني جشم عن كل مكرمةقصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أولهميا للرجال لفخر غير مسئوم
إن القديم إذا ما ضاع آخرهكساعد فله الأيام محطوم
وكما قال عامر بن الطفيل:
إني وإن كنت ابن فارس عامروفي السر منها والصريح المهذب
فما سودتني عامر عن وراثةإبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها، وأتقيأذاها وأرمي من رماها بمقنب
قال أبو الحسن: أنشدني هذه الأبيات محمد بن الحسن المعروف بابن الحرون ويكنى أبا عبد الله لعامر بن الطفيل العامري. قال أبو الحسن: قال الأصمعي: وكان عامر بن الطفيل يلقب محبراً لحسن شعره، وأولها:
تقول ابنة العمري ما لك بعدماأراك صحيحاً كالسليم المعذب
فقلت لها: همي الذي تعلمينهمن الثأر في حيي زبيد وأرحب
إن اغز زبيداً أغز قوماً أعزةمركبهم في الحي خير مركب
وإن أغز حيي خثعم فدماؤهمشفاء، وخير الثأر للمتأوب
فما أدراك الأوتار مثل محققبأجرد طاو كالعسيب المشذب
وأسمر خطي وأبيض باتروزغف دلاص كالغدير المثوب
سلاح امرىء قد يعلم الناس أنهطلوب لثارات الجال مطلب
ثم أتى بإنشاد أبي العباس على وجهه، إلا أنه روى: "من رماها بمنكب" السليم: الملدوغ، وقيل له: "سليم" تفاؤلاً له بالسلامة، وزبيد وأرحب: حيان من اليمن. والثأر: ما يكون لك عند من أصاب حميمك، من الترة، ومن قال "ثار" فقد أخطأ.
والمتأوب: الذي يأتيك لطلب ثأره عندك، يقال: آب يؤوب إذا رجع. والتأويب في غير هذا: السير في النهار بلا توقف.
والأوتار والأحقاد واحدهما وتر وحقد. والأجرد: الفرس المتحسر الشعر، والأجرد الضامر أيضاً. والعسيب: السعفة. والمشذب. الطويل الذي أخذ ما عليه من العقد والسلاء والخوص، ومنه قيل للطويل المعرق: مشذب.
وخطي: رمح منسوب إلى الخط، وهي جزيرة بالبحرين، يقال إنها تنبت عصا الرماح وقال الأصمعي: ليست بها رماح، ولكن سفينة كانت وقعت إليها، فيها رماح، وأرفئت بها في بعض السنين المتقدمة، فقيل لتلك الرماح: الخطية: ثم عم كل رمح هذا النسب إلى اليوم. والزغف: الدرع الرقيقة النسج، والمثوب: الذي تصفقه الرياح فيذهب ويجيء، وهو من ثاب يثوب إذا رجع. وإنما سمي الغدير غديراً لأن السيل غادره، أي تركه.
قال أبو العباس: وقوله:
لكم في مضرات الحروب ضرير
يقال: رجل ضرير إذا كان ذا مشقة على العدو، وقال مهلهل بن ربيعة التغلبي:
قتيلٌ ما قتيل المرء عمرووهمام بن مرة ذو ضرير
وقوله: "خبطتم ليوث الشام "يريد ما كان من نصر بن شبث العقيلي، وهو عقيل بن كعب بن ربيعة.
وقوله: "أبور" جمع وبر، وإذا إنضمت الواو من غير علة فهمزها جائز، وقد ذكرنا ذلك قبل.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع