من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
لأعرابي يشكو حبيبته
ؤقال أعرابي:
شكوت فقالت كل هذا تبرمابحبي! أراح الله قلبك من حبي
فلما كتمت الحب قال: لشدماصبرت، وما هذا بفعل شجي القلب
وأدنو فتقصيني فأبعد طالباًرضاها، فتعتد التباعد من ذنبي
فشكواي تؤذيها وصبري يسوءهاوتجزع من بعدي، وتنفر من قربي
فيا قوم من حيلة تعرفونها؟أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربي
قوله: "كل هذا تبرماً"، مردود على كلامه، كأنها تقول له: أشكوتني كل هذا تبرما ولو رفع رافع" كلا" لكان جيداً، يكون "كل هذا "ابتداء وتبرم خبره.
وشجي مخفف، من شددها فقد أخطأ، والمثل: "ويل للشجي من الخلي"، الياء في الشجي مخففة، وفي "الخلي" مثقلة، وقياسه أنك إذا قلت: فعل يفعل فعلاً، فالاسم منه على فعل، فرق يفرق فرقاً فهو فرق، وحذر يحذر حذراً فهو حذرٌ، وبطر يبطر بطراً فهو بطرٌ فعلى هذا شجي يشجى شجى فهو شجٍ يا فتى، كما تقول: هوي يهوى فهو هوٍ يا فتى.
وقوله:
فيا قوم هل من حيلة تعرفونها
موضع "تعرفونها" خفضٌ، لأنه نعت للحيلة وليس بجواب، ولو كان ههنا شرط يوجب جواباً لا نجزم، تقول: ائتني بدابة أركبها، أي بدابةٍ مركوبة، فإذا
أردت معنى: فإنك إن أتيتني بدابة ركبتها قلت: "أركبها"، لأنه جواب الأمر، كما أن الأول جواب الاستفهام، وفي القرآن: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، أي مطهرة لهم، وكذلك: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً﴾ أي كائنة لنا عيداً، وفي الجواب: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾، أي إن تركوا خاضوا ولعبوا، وأما قوله ﷿: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ فإنما هو فذرهم في هذه الحال لأنهم كانوا يلعبون، وكذلك: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، إنما هو [لا تمنن] مستنكثراً فمعنى هذا: هل معروفة عندكم?
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع