من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
للراعي في النسيب
قال أبو العباس: قال الراعي:
ومرسلٍ ورسولٍ غير متهمٍوحاجةٍ غير مزجاةٍ من الحاج
طاوعته بعد ما طال النجي بناوظن أني عليه غير منعاج
ما زال يفتح أبواباً ويغلقهادوني، وأفتح باباً بعد إرتاج
حتى أضاء سراجٌ دونه بقرٌحمر الأنامل عينٌ طرفها ساج
يا نعمها ليلةً حتى تخونهاداعٍ دعا في فروع الصبح شحاج!
لما دعا الدعوة الأولى فأسمعنيأخذت بردي واستمررت أدراجي
قوله:
وحاجة غير مزجاة من الحاج
المزجاة: اليسيرة الخفيفة المحمل، قال الله ﷿: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾، والحاج: جمع حاجةٍ، وتقديره فعلةٌ وفعل، كما تقول: هامةٌ وهام، وساعة وساع، قال القطامي:
وكنا كالحريق أصاب غاباًفيخبو ساعةً ويشب ساعا
فإذا أراد أدنى العدد قلت: ساعات، فأما قولهم: في جمع حاجةٍ حوائج فليس من كلام العرب على كثرته على ألسنة المولدين، ولا قياس له، ويقال: في قلبي منك حوجاء، أي حاجة، ولو جمع، على هذا لكان الجمع حواجٍ يا فتى، وأصله حواجي يا فتى، ولكن مثل هذا يخفف، كما تقول في صحراء: صحار يا فتى، وأصله صحاري.
وقوله:
طاوعته بعدما طال النجي بنا
يريد المناجاة، فأخرجه على لفظ: "فعيل"، ونظيره من المصادر الصهيل، والنهيق، الشحيج، ويقال: شب الفرس شبيباً، ولذلك كان "النجي" يقع على الواحد والجماعة نعتاً، كما تقول: امرأة عدلٌ ورجل عدلٌ وقوم عدلٌ: لأنه مصدر قال الله ﷿: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾، أي مناجياً، وقال للجماعة: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً﴾ أي متناجين.
وقوله: "منعاج": أي منعطف، يقال: عجت عليه أي عرجت عليه، وعجت إليه أعيج، أي عولت عليه.
وقوله: "بعد إرتاج" أي بعد إغلاق، يقال: أرتجت الباب إرتاجاً، أي أغلقته إغلاقاً، ويقال: لغلق الباب الرتاج، ويقال للرجل إذا امتنع عليه الكلام أرتج عليه.
وقوله:
حتى أضاء سراج دونه بقرٌ
يعني نساء، والعرب تكني عن المرأة بالبقرة والنعجة، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ وقال الأعشى:
فرميت غفلة عينه عن شاتهفأصبت حبة قلبها وطحالها
وقوله: "عينٌ"، إنما هو جمع عيناء، وهي الواسعة العين، وتقديره: "فعل"، ولكن كسرت العين لتصح الياء، ونحو ذلك بيضاء وبيض، وتقديره حمراء وحمر، ولو كان من ذوات الواو لكان مضموماً على أصل الباب، لأنه لا إخلال فيه، تقول: سوداء وسود، وعور. وقوله: "طرفها ساج" ولم يقل: "أطرافها" لأن تقديرها تقدير المصدر، من طرفت طرفاً، قال الله ﷿: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾
لأن السمع في الأصل مصدر. قال جرير:
إن العيون التي في طرفها مرضٌقتلننا ثم لم يحيين قتلانا
وقوله: "ساج "أي ساكن، قال الله ﷿: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ وقال جرير:
ولقد رمينك يوم رحن بأعينٍيقتلن من خلل الستور سواج
وقال الراجز:
يا حبذا القمراء والليل الساجوطرقٌ مثل ملاء النساج
وقوله: "حتى تخونها": يريد تنقصها، يقال: تخونني السفر، أي تنقصني، والداعي: المؤذن.
وقوله: "شحاج"، إنما هو استعارة في شدة الصوت، وأصله للبغل، والعرب تستعير من بعضٍ لبعض، قال العجاج ينعت حماراً:
كأن في فيه إذا ما شحجاعوداً دوين اللهوات مولجا
وقال جرير:
إن الغراب بما كرهت لمولعٌبنوى الأحبة دائم التشحاج
وقوله: "واتمررت أدراجي" أي فرجعت من حيث جئت، تقول العرب: رجع فلان أدراجه، ورجع في حافرته، ورجع عوده على بدئه، وإن شئت رفعت فقلت: رجع عوده على بدئه، أما الرفع فعلى قولك: رجع وعوده على بدئه، أي وهذه الحاله، والنصب على وجهين: أحدهما أن يكون مفعولاً كقولك: رد عوده على بدئه، والوجه الآخر أن يكون حالاً في قول سيبويه، لأن معناه رجع ناقضاً مجيئه، ووضع هذا في موضعه، كما تقول: كلمته فاه إلي في، أي مشافهةً، وبايعته يداً بيدٍ، أي نقداً، ويجوز أن تقول: فوه إلى في: أي وهذه حاله، ومن نصب فمعناه في هذه الحال.
قال أبو العباس: فأما "بايعته يداً بيدٍ "فلا يكون فيه إلا النصب، لأنك لست تريد بايعته ويدٌ بيدٍ كما كنت تريد في الأول، وإنما تريد النقد، ولا تبالي: أقريباً كان أم بعيداً.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع