من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
خطبة الحجاج في أهل العراق
وخطب الحجاج بن يوسف ذات يوم، يوم جمعة، فلما توسط كلامه سمع تكبيراً عالياً من ناحية السوق، فقطع خطبة التي كان فيها، ثم قال: يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق، ويا أهل النفاق، وسيئي الأخلاق، يا بني اللكيعة، وعبيد العصا، وأولاد الإماء، إني لأسمع تكبيراً ما يراد الله به، إنما يراد به الشيطان، وإن مثلي ومثلكم قول ابن براقة الهمداني:
وكنت إذا قوم رموني رميتهمفهل أتا في ذا يال همدان ظالم
متى تجمع القلب الذكي وصارماًوأنفاً حمياً تجتنبك المظالم
[ثم نزل فصلى بهم].
قوله: "يا أهل الشقاق"، فالمشقة المعاداة، وأصله أن يركب ما يشق عليه، ويركب منه مثل ذلك. والنفاق أن يسر خلاف ما يبدي، هذا أصله، وإنما أخذ من النافقاء، وهو أحد أبواب: جحر اليربوع، وذلك أنه أخفاها فإنما يظهر من غيره، ولجحره أربعة أبواب: النافقاء والراهطاء والداماء والسابياء، وكلها ممدودة، ويقال للسابياء: القاصعاء، وإنما قيل له السابياء لأنه لا ينفذه فيبقي بينه وبين إنفاذه هنة من الأرض رقيقة، وأخذ من سابياء الولد، وهي الجلدة الرقيقة التي يخرج فيها الولد من بطن أمه. قال الأخطل يضرب ذلك مثلاً ليربوع بن حنظلة لأنه سمي باليربوع:
تسد القاصعاء عليك حتىتنفق أو تموت بها هزالاً
والعرب تزعم أنه ليس من ضب إلا وفي جحره عقرب، فهو لا يأكل ولد العقرب، وهي لا تضربهفهي مسألمة له، وهو مسالم لها، وأنشد:
وأخدع من ضب إذا خاف حارشاًأعد له عند الذنابة عقربا
وقوله: "بنو اللكيعة" يريد اللئيمة، وقد مر تفسير هذا في موضعه، قال ابن قيس الرقيات يذكر قتل بن الزبير:
إن الرزية يوم مســكين والمصيبة والفجيعة
بأبن الحواري الذيلم يعده أهل الوقيعه
غدرت به مضر العراق، وأمكنت منه ربيعه
فأصبحت وترك يا ربيــع وكنت سامعة مطيعة
يا لهف لو كانت لهبالطف يوم الطف شيعه
أولم يخونوا عهدهأهل العراق بنو اللكيعه
لو جدتموه حين يغــضب لا يعرج بالمضيعه
وقوله: "عبيد العصا "يريد أنهم لا ينقادون إلا بالإذلال، كما قال ابن مفرغ الحميري:
العبد يقرع بالعصاوالحر تكيفه الملامه
وقال جرير يهجو التيم:
ألا إنما تيم لعمرو ومالكعبيد العصا لم يرج عتقاً قطينها
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع