تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

النجباء من أولاد السراري

ويروى عن رجل من قريش -لم يسمّ لنا- قال: كنت أجالس سعيد بن المسيّب، فقال لي يوماً: من أخوالك? فقلت: أمي فتاةٌ، فكأنّي نقصت في عينه، فأمهلت حتى دخل عليه سالم بن عبد الله بن عمر الخطاب ﵁، فلما خرج من عنده قلت: ياعمّ! من هذا? فقال: يا سبحان الله! أتجهل مثل هذا من قومك! هذا سالم بن عبد الله بن عمر، قلت: فمن أمه? قال: فتاةٌ، قال: ثم أتاه لقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنده، فجلس عنده ثم نهض، فقلت: ياعمّ من هذا? فقال: أتجهل من أهلك مثله! ما أعجب هذا! هذا القاسم بن محمد بن أبي بكر الصّديق، قلت: فمن أمه? قال: فتاةٌ، فأمهلت شيئاً حتى جاءه عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، فسلّم عليه ثم نهض، فقلت: ياعمّ، من هذا? قال: هذا الذي لا يسع مسلماً أن يجهله! هذا عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قلت: فمن أمه? قال: فتاةٌ، قال، قلت يا عم! رأيتني نقصت في عينك لمّا علمت أني لأم ولد، أفما لي في هؤلاء إسوةٌ! قال: فجللت في عينه جداً.

وكانت أمّ عليّ بن الحسين "سلافة" من ولد يزدجرد، معروفة النّسب، وكانت من خيرات النّساء.

ويروى أنه قيل لعليّ بن الحسين ﵀: إنك من أبر الناس، ولست تأكل مع أمك في صفحة? فقال: أكره أن تسبق يدي إلى ما قد سبقت عينها فأكون قد عققتها.

وكان يقال له: ابن الخيرتين لقول رسول الله ﷺ: "لله من عباده خيرتان، فخيرته من العرب قريشٌ، ومن العجم فارس".

وكانت سلافة عمّة أمّ يزيد النّاقص أو أختها.

وقال رجلٌ من ولد الحكم بن أبي العاصي، يقال له عبيد الله بن الحر وكان شاعرا متقدّماً، وكان لأمّ ولدٍ، وهو من ولد مروان بن الحكم:

فإن تك أمّي من نساءٍ أفاءهاجياد القنا والمرهفات الصّفائح
للشاعر عبيد الله الجَعفي، اقرأ القصيدة
فتباً لفضل الحرً إن لم أنل بهكرائم أولاد النّساء الصّرائح
للشاعر عبيد الله الجَعفي، اقرأ القصيدة

وإنما أخذ هذا من قول عنترة:

وأنا امرؤ منم خير منصباُشطري وأحمي سائري بالمنصل

وأنشد لبلال بن جرير وبلغه ان موسى بن جرير كان إذا ذكره نسبة إلى أمه، لأنه ابن أمّولد، فيقول: ابن أم حكيمٍ فقال بلال:

يا ربّ خالٍ لي أغرّ أبلجامن آل كسرى يغتدي متوّجاً
للشاعر بلال بن جرير الخطفي، من قصيدة «يا ربّ خالٍ لي أغرّ أبلجا»

ليس خالٍ لك يدعى عشنجاً

والعشنج: المتقبّض الوجه السيئ المنظر.

وكان سبب أم بلال عند جرير أن جريراً في أول دخوله العراق دخل على الحكم بن أيوب بن أبي عقيل الثقفي، وهو عمّ الحجاج، وعامله على البصرة، وفي ذلك يقول جرير:

أقبلن من ثهلان أو وادي خيمعلى قلاصٍ مثل خيطان السلم
إذا قطعن علماً بدا علمحتى أنخناها إلى باب الحكم
خليفة الحجاج غير المتّهمفي ضئضىء المجد وبحبوح الكرم

فكتب الحكم بعد أن فاطنه إلى الحجاج، وذلك في أول سببه: إنه قدم

عليّ أعرابيٌّ ياقعةٌ لم أر مثله. فكتب إليه الحجاج أن يحمله معه، فما دخل عليه قال له: بلغني انك ذو بديهة، فقل في هذه الجارية -لجارية قائمةٍ على رأسه- فقال جريرٌ: مالي أن أقول فيها حتّى أتأملها، ومالي أن أتامل جارية الأمير! فقال: بلى، فتأمّلها واسألها. فقال لها: ما اسمك يا جارية? فأمسكت، فقال لها الحجاج: خبّرية يا لخناء، فقالت: أمامة، فقال جريرٌ:

ودّع أمامة حان منك رحيلإنّ الوداع لمن تحبّ قليل
مثل الكثيب تمايلت أعطافهفالرّيح تجبر متنه وتهيل
هذي القلوب صوادياً تيّمتهاوأرى الشّفاء وما إليه سبيل

فقال له الحجاج: قد جعل الله لك السبيل إليها، خذها هي لك. فضرب بيده إلى يدها، فتمّنعت عليه، فقال:

إن كان طلبّكم الدّلال فإنهحسنٌ دلالك يا أمام جميل

[ش: ينصب "الطّبّ" ورفع "الدّلال"، وبالعكس، برفع "الطب" ونصب الدلال. والطّبّ هنا: المذهب، والّدلال: الدّالّة].

فاستضحك الحجاج، وأمر بتجهيزها معه إلى اليمامة.

وخبرت أنها كانت من أهل الرّيّ، وكان إخوتها أحراراً، فاتّبعوه، فأعطوه بها حتى بلغوا عشرين ألفاً، فلم يفعل، ففي ذلك يقول:

إذا عرضوا عشرين ألفاً تعرضتلامً حكيم حاجةٌ هي ماهيا
ردت أهل الرّي عندي مودّةوحبّبت أضعافاً إليّ المواليا

فأولدها حكيماً وبلالاً وحزرة، بني جرير، هؤلاء من أذكر من ولدها.

ويقال: إنّ الحمّانيّ قاول بلالاُ ذات يوم فيما كان بينهما من الشرّ، فقال: يا ابن أم حكيم، فقال له بلالٌ: ما تذكر من ابنة دهقان، وأخيذة رماح، وعطيّة ملكٍ? ليست كأمّك التي بالمرّوت، تغدو على أثر ضأنها، كأنما عقباها حافرا

حمار، فقال له الحمّانيّ: أنا أعلم بأمّك، إنما عتب عليها الحجّاج في أمر، الله أعلم به، فحلف أن يدفعها إلى ألأم العرب، فلما رأى أباك لم يشكك فيه.

وقال: أنشدت لرجل من رجّاز بني سعدٍ:

أنا ابن سعدٍ وتوسّطت العجمفأنا فيما شئت من خالٍ وعم
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

وقال عمر بن الخطاب ﵁: ليس قومٌ أكيس من أولاد السّراريّ، لأنهم يجمعون عزّ العرب ودهاء العجم.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.