تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

للفرزدق أيضاً في هجاء عمرو بن هبيرة

قال أبو العباس: وكان الفرزدق هجاء لعمر بن هبيرة عند ولايته العراق. وفي ذلك يقول ليزيد بن عبد الملك:

أمير المؤمنين وأنت برأمين لست بالطبع الحريص
أأطعمت العرقا ورافديهفزارياً أحذ يد القميص
تفهق بالعراق أبو المثنىوعلم قومه أكل الخبيص
ولم يكن قبلها راعي مخاضليأمنه على وركي قلوص

قوله: لست بالطبع الحريص. فالطبع: الشديد الطمع الذي لا يفهم لشدة طمعه. وإنما أخذ هذا من طبع السيف، يقال: طبع السيف. يا فتى! وهو سيف طبع، إذا ركبه الصدأ حتى يغطي عليه. والمثل من هذا في الذي طبع على قلبه وإنما هو تغطية وحجاب. يقال: طبع الله على قلب فلان. كما قال جل وعز: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾. هذا الوقف. ثم قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ وكذلك: رين على قلبه. وغين على قلبه؛ فالرين يكون من أشياء تألف عليه فتغطيه. قال الله جل وعز: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وأما غين على قلبه. فهي غشاوة تعتريه، والغينة: القطعة من الشجر الملتف تغطي ما تحتها، قال الشاعر:

كأني بين خافيتي عقابأصاب حمامة في يوم غين

وقال بعضهم: أراد في التفاف من الظلمة. وقال آخرون: أراد في يوم غيم، فأبدل من الميم نوناً، لاجتماع الميم والنون في الغنة. كما يقال للحية: أيم، وأين، واستجازت الشعراء أن تجمع الميم والنون في القوافي، لما ذكرت لك من اجتماعهما في الغنة. قال الراجز:

بني إن البر شيء هينألمنطق اللين والطعيم
للشاعر مالك بن المُرحَّل، من قصيدة «حمدُ الإلهِ واجبٌ لذاته»

وقال آخر:

ما تنقم الحرب العوان منيبازل عامين حديث سني

لمثل هذا ولدتني أمي

والعراقان: البصرة والكوفة. والرافدان: دجلة والفرات.

وقوله: أحذ يد القميص، الأحد: الخفيف. قال طرقة:

وأتلع نهاض أحد ململم

وإنما نسبه بالخفة في يده إلى السرقة.

وقوله: تفهق أي امتلأ مالاً. يقال: بئر تفهق وغدير يفهق إذا امتلأ ماء. قال الراجز:

لا ذنب لي قد قلت للقوم استقواوالقوم في عرض غدير يفهق

وقال الأعشى فيمدحه المحلق بن حنتم. أحد بني أبي بكر بن كلاب:

نفى الذم عن رهط المحلق جفنةكجابية الشيخ العراقي تفهق

هكذا في رواية أبي عبيدة.

وقوله:

ولم يك قبلها راعي مخاضليأمنه على وركي قلوص
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أمير المؤمنين وأنت »

كانت بنو فزارة ترمى بغشيان الإبل. ولذلك قال ابن دارة:

لا تأمنن فزاريا خلوت بهعلى قلوصك واكتبها بأسيار

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.