تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

من أخبار واصل بن عطاء

وذكر الأصمعي أن الشعر لإسحاق بن سويد الفقيه، وهو لأعرابي لا يعرف المقالات التي يميل إليها أهل الأهواء، أنشد الأصمعي:

برئت من الخوارج لست منهممن الغزال منهم وابن باب
للشاعر إسحاق بن سُويد العدويّ، اقرأ القصيدة
ومن قوم إذا ذكروا عليايردون السلام على السحاب
للشاعر إسحاق بن سُويد العدويّ، اقرأ القصيدة
ولكني أحب بكل قلبيوأعلم أن ذاك من الصواب
للشاعر إسحاق بن سُويد العدويّ، اقرأ القصيدة
رسول الله والصديق حباًبه أرجو غداً حسن الثواب
للشاعر إسحاق بن سُويد العدويّ، اقرأ القصيدة

فإن قوله: من الغزال منهم يعني واصل بن عطاء، وكان يكنى أبا حذيفة، وكان معتزلياً، ولم يكن غزالاً، ولكنه كان يلقب بذلك، لأنه كان يلزم الغزالين، ليعرف المتعففات من النساء، فيجعل صدقته لهن، وكان طويل العنق. ويروى عم عمرو بن عبيد، أنه نظر إليه من قبل أن يكلمه، فقال: لا يفلح هذا ما دامت عليه هذه العنق!.

وقال بشار بن برد يهجو واصل بن عطاء:

ماذا منيت بغزال له عنقكنقنق الدو إن ولى وإن مثلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ماذا منيت بغزال له عنق»
عنق الزرافة ما بالي وبالكمتكفرون رجالاً أكفروا رجلا!
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ماذا منيت بغزال له عنق»

ويروى: لا بل، كأنه لا يشك فيه، أن بشاراً كان يتعصب للنار على الأرض ويصوب رأي إبليس - لعنه الله - في امتناعه من السجود لآدم ﵇، ويروى له:

الأرض مظلمة والنار مشرقةوالنار معبودة مذ كانت النار
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «الأرض مظلمة والنار مشرقة»

فهذا ما يرويه المتكلمون.

وقتله المهدي على الإلحاد، وقد روى قوم أن كتبه فتشت فلم يصب فيها شيء مما كان يرمى به وأصيب له كتاب فيه: إني أردت هجاء آل سليمان بن علي،

فذكرت قرابتهم من رسول الله ﷺ فأمسكت عنهم. [إلا أني قلت:

دينار آل سليمان ودرهمهمكبابليين حفاً بالعفاريت
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا أيها الراكب الغادي لطيته»
لا يرجيان ولا يرجى نوالهماكما سمعت بهاروت وماروت]

وحدثني المازني قال: قال رجل لبشار: أتأكل اللحم وهو مباين لديانتك? - يذهب به إلى أنه ثنوي - قال: فقال بشار: ليسوا يدرون أن هذا اللحم يدفع عني شر هذه الظلمة.

وكان واصل بن عطاء أحد الأعاجيب، وذلك أنه كان ألثغ قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلص كلامه من الراء، ولا يفطن بذلك لاقتداره وسهولة ألفاظه ففي ذلك يقول شاعر من المعتزلة، يمدحه بإطالته الخطب واجتنابه الراء، على كثرة ترددها في الكلام، حتى كأنها ليست فيه:

عليم بإبدال الحروف وقامعلكل خطيب يغلب الحق باطله

وقال آخر:

ويجعل البر قمحاً في تصرفهوخالف الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطراً والقول يعجلهفعاذ بالغيث إشفاقاً من المطر

ومما حكي عنه قوله وذكر بشاراً: أما لهذا الأعمى المكتني بأبي معاذ من يقتله! أما والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ثم لا يكون إلا سدوسياً أو عقيلياً.

فقال: هذا الأعمى ولم يقل بشاراً، ولا ابن برد، ولا الضرير. وقال: من أخلاق الغالية ولم يقل المغيرية ولا المنصورية. وقال: لبعثت إليه، ولم

يقل: لأرسلت إليه، وقال: على مضجعه، ولم يقل: على فراشه، ولا مرقده، وقال: يبعج، ولم يقل: يبقر، وذكر بني عقيل، لأن بشاراً كان يتوالى إليهم، وذكر بني سدوس، لأنه كان نازلاً فيهم.

واجتناب الحروف شديد.

وقال: لما سقطت ثنايا عبد الملك بن مروان في الطست قال: والله لولا الخطبة والنساء ما حفلت بها.

قال: وخطب الجمحي، وكان منزوع إحدى الثنيتين، وكان يصفر إذا تكلم، وأجاد الخطبة، وكانت لنكاح، فرد عليه زيد بن علي بن الحسين كلاماً جيداً، إلا أنه فضله بتمكين الحروف وحسن مخارج الكلام.

فقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر يذكر ذلك:

صحت مخارجها وتم حروفهافله بذاك مزية ولا تنكر
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

المزية: الفضيلة.

وأما قوله: ابن باب فهو عمرو بن عبيد بن باب، وهو مولى بني العدوية، من بني مالك بن حنظلة، فهذان معتزليان وليسا من الخوارج، ولكن قصد إسحاق بن سويد إلى أهل البدع والأهواء، ألا تراه ذكر الرافضة معهما.

فقال:

ومن قوم إذا ذكروا علياًأشاروا بالسلام على السحاب

ويروى:

يردون السلام على السحاب

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.