تجاوز إلى المحتوى

من «سير أعلام النبلاء» لشمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ)

ابن أم مكتوم القرشي العامري

مُخْتَلَفٌ فِي اسْمِهِ:

فَأَهْلُ المَدِيْنَةِ يَقُوْلُوْنَ: عَبْدُ اللهِ بنُ قَيْسِ بنِ زَائِدَةَ بنِ الأَصَمِّ بنِ رَوَاحَةَ القُرَشِيُّ، العَامِرِيُّ.

وَأَمَّا أَهْلُ العِرَاقِ: فَسَمَّوْهُ عَمْراً.

وَأُمُّهُ أُمُّ مَكْتُوْمٍ: هِيَ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَنْكَثَةَ بنِ عَامِرِ بنِ مَخْزُوْمِ بنِ يَقَظَةَ المَخْزُوْمِيَّةُ.

مِنَ السَّابِقِيْنَ المُهَاجِرِيْنَ.

وَكَانَ ضَرِيْراً، مُؤَذِّناً لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ مَعَ بِلاَلٍ، وَسَعْدٍ القَرَظِ، وَأَبِي مَحْذُوْرَةَ،

مُؤَذِّنِ مَكَّةَ.

هَاجَرَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ بِيَسِيْرٍ.

قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ.

وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْتَرِمُهُ، وَيَسْتَخْلِفُهُ عَلَى المَدِيْنَةِ، فَيُصَلِّي بِبَقَايَا النَّاسِ.

قَالَ الشَّعْبِيُّ: اسْتَخْلَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَمْرَو بنَ أُمِّ مَكْتُوْمٍ، يَؤُمُّ النَّاسَ، وَكَانَ ضَرِيْراً، وَذَلِكَ فِي غَزْوَةِ تَبُوْكٍ، كَذَا قَالَ.

وَالمَحْفُوْظُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا اسْتَعْمَلَ عَلَى المَدِيْنَةِ عَامَئِذٍ: عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: اسْتَخْلَفَ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ أُمِّ مَكْتُوْمٍ مَرَّتَيْنِ عَلَى المَدِيْنَةِ، وَكَانَ أَعْمَى.

وَرَوَى: مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ:

أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُوْمٍ عَلَى المَدِيْنَةِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَهَذَا يُبْطِلُ مَا تَقَدَّمَ.

وَيُبْطِلُهُ أَيْضاً: حَدِيْثُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ، قَالَ:

أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ، ثُمَّ أَتَانَا بَعْدَهُ عَمْرُو بنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ.

فَقَالُوا لَهُ: مَا فَعَلَ مَنْ وَرَاءكَ؟

قَالَ: هُمْ أُوْلاَءِ عَلَى أَثَرِي.

شُعْبَةُ: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعَ البَرَاءَ يَقُوْلُ:

أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ، فَجَعَلاَ يُقْرِئَانِ النَّاسَ القُرْآنَ.

حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو ظِلاَلٍ، قَالَ:

كُنْتُ عِنْدَ أَنَسٍ، فَقَالَ: مَتَى ذَهَبَتْ عَيْنُكَ؟

قُلْتُ: وَأَنَا صَغِيْرٌ.

فَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيْلَ أَتَى رَسُوْلَ اللهِ ﷺ وَعِنْدَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ، فَقَالَ: (مَتَى ذَهَبَ بَصَرُكَ؟).

قَالَ: وَأَنَا غُلاَمٌ.

فَقَالَ: قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: (إِذَا أَخَذْتُ كَرِيْمَةَ عَبْدِي لَمْ أَجِدْ لَهُ جَزَاءً إِلاَّ الجَنَّةَ).

قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ مُؤَذِّناً لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَهُوَ أَعْمَى.

وَرَوَى: حَجَّاجُ بنُ أَرْطَاةَ، عَنْ شَيْخٍ، عَنْ بَعْضِ مُؤَذِّنِي رَسُوْلِ اللهِ ﷺ قَالَ:

كَانَ بِلاَلٌ يُؤَذِّنُ، وَيُقِيْمُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ، وَرُبَّمَا أَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ، وَأَقَامَ بِلاَلٌ.

إِسْنَادُهُ وَاهٍ.

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ:

قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: (إِنَّ بِلاَلاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ).

وَكَانَ أَعْمَى، لاَ يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ.

قَالَ عُرْوَةُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُم عُتْبَةُ بنُ رَبِيْعَةَ، فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ يَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ.

فَأُنْزِلَتْ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ

جَاءهُ الأَعْمَى ﴾.

الوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بنُ نُوْحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سَهْلِ بنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ:

اسْتَخْلَفَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ابْنَ أُمِّ مَكْتُوْمٍ عَلَى المَدِيْنَةِ، فَكَانَ يَجْمَعُ بِهِم، وَيَخْطُبُ إِلَى جَنْبِ المِنْبَرِ، يَجْعَلُهُ عَلَى يَسَارِهِ.

يُوْنُسُ بنُ أَبِي إِسْحَاقَ: عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَعْقِلٍ، قَالَ:

نَزَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ عَلَى يَهُوْدِيَّةٍ بِالمَدِيْنَةِ كَانَت تَرْفُقُهُ وَتُؤْذِيْهِ فِي النَّبِيِّ ﷺ فَتَنَاوَلَهَا، فَضَرَبَهَا، فَقَتَلَهَا.

فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ هُوَ:

أَمَا وَاللهِ إِنْ كَانَتْ لَتَرْفُقُنِي، وَلَكِنْ آذَتْنِي فِي اللهِ وَرَسُوْلِهِ.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أَبْعَدَهَا اللهُ، قَدْ أَبْطَلْتُ دَمَهَا).

أَبُو إِسْحَاقَ: عَنِ البَرَاءِ، قَالَ:

لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُوْنَ﴾، دَعَا النَّبِيُّ ﷺ زَيْداً، وَأَمَرَهُ، فَجَاءَ بِكَتِفٍ وَكَتَبَهَا.

فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ، فَشَكَا ضَرَارَتَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾.

ثَابِتٌ البُنَانِيُّ: عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى:

أَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُوْمٍ قَالَ: أَيْ رَبِّ! أَنْزِلْ عُذْرِي.

فَأُنْزِلَتْ: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾.

فَكَانَ بَعْدُ يَغَزْو، وَيَقُوْلُ: ادْفَعُوا إِلَيَّ اللِّوَاءَ، فَإِنِّي أَعْمَى لاَ أَسْتَطِيْعُ أَنْ أَفِرَّ، وَأَقِيْمُوْنِي بَيْنَ الصَّفَيْنِ.

عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي الزِّنَادِ: عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ خَارِجَةَ بنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:

كُنْتُ إِلَى جَانِبِ النَّبِيِّ ﷺ فَغَشِيَتْهُ السَّكِيْنَةُ، فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَمَا وَجَدْتُ شَيْئاً أَثْقَلَ مِنْهَا، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ.

فَقَالَ لِي: (اكْتُبْ).

فَكَتَبْتُ فِي كَتِفٍ: ﴿لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُوْنَ مِنَ المُؤْمِنِيْنَ وَالمُجَاهِدُوْنَ﴾.

فَقَامَ عَمْرُو بنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ، فَقَالَ: فَكَيْفَ بِمَنْ لاَ يَسْتَطِيْعُ؟

فَمَا انْقَضَى كَلاَمُهُ حَتَّى غَشِيَتْ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ السَّكِيْنَةُ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ.

فَقَالَ: (اكْتُبْ: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾).

قَالَ زَيْدٌ: أَنْزَلَهَا اللهُ وَحْدَهَا، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُلْحَقِهَا عِنْدَ صَدْعِ الكَتِفِ.

ابْنُ أَبِي عَرُوْبَةَ: عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ:

أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ أُمِّ مَكْتُوْمٍ يَوْمَ القَادِسِيَّةِ كَانَتْ مَعَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ، عَلَيْهِ دِرْعٌ لَهُ.

أَبُو هِلاَلٍ: عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ:

أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ زَائِدَةَ - وَهُوَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ - كَانَ يُقَاتِلُ يَوْمَ القَادِسِيَّةِ، وَعَلَيْهِ دِرْعٌ لَهُ حَصِيْنَةٌ سَابِغَةٌ.

قَالَ الوَاقِدِيُّ: شَهِدَ القَادِسِيَّةَ مَعَهُ الرَّايَةُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى المَدِيْنَةِ، فَمَاتَ بِهَا، وَلَمْ نَسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ بَعْدَ عُمَرَ.

قُلْتُ: وَيُقَالُ: اسْتُشْهِدَ يَوْمَ القَادِسِيَّةِ.

حَدَّثَ عَنْهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي لَيْلَى مُرْسَلٌ، وَأَبُو رَزِيْنٍ الأَسَدِيُّ، وَغَيْرُهُمَا.

وَالقَادِسِيَّةُ: مَلْحَمَةٌ كُبْرَى، تَمَّتْ بِالعِرَاقِ، وَعَلَى المُسْلِمِيْنَ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَلَى المُشْرِكِيْنَ رُسْتُمٌ، وَذُوْ الحَاجِبِ، وَالجَالِيْنُوْسُ.

قَالَ أَبُو وَائِلٍ: كَانَ المُسْلِمُوْنَ أَزْيَدَ مِنْ سَبْعَةِ آلاَفٍ، وَكَانَ العَدُوُّ أَرْبَعِيْنَ.

وَقِيْلَ: سِتِّيْنَ أَلْفاً، مَعَهُم سَبْعُوْنَ فِيْلاً.

قَالَ المَدَائِنِيُّ: اقْتَتَلُوا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فِي آخِرِ شَوَّالٍ، سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، فَقُتِلَ رُسْتُمٌ، وَانْهَزَمُوا.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ / ١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سير أعلام النبلاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.