من «سير أعلام النبلاء» لشمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ)
عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي
الصفحة ٢ من ٢
دَاوْدُ بنُ أَبِي هِنْدٍ: عَنِ الشَّعْبِيِّ:
قَالَ عُمَرُ لِعَمَّارٍ: أَسَاءكَ عَزْلُنَا إِيَّاكَ؟
قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ سَاءنِي حِيْنَ اسْتَعْمَلْتَنِي، وَسَاءنِي حِيْنَ عَزَلْتَنِي.
رَوَى البَهِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:
مَا أَعْلَمُ أَحَداً خَرَجَ فِي الفِتْنَةِ يُرِيْدُ اللهَ إِلاَّ عَمَّاراً، وَمَا أَدْرِي مَا صَنَعَ.
الأَسْوَدُ بنُ شَيْبَانَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَوْفَلٍ بنُ أَبِي عَقْرَبٍ، قَالَ:
كَانَ عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ قَلِيْلَ الكَلاَمِ، طَوِيْلَ السُّكُوْتِ، وَكَانَ عَامَّةُ قَوْلِهِ: عَائِذٌ بِالرَّحْمَنِ مِنْ فِتْنَةٍ، عَائِذٌ بِالرَّحْمَنِ مِنْ فِتْنَةٍ، فَعَرَضَتْ لَهُ فِتْنَةٌ عَظِيْمَةٌ.
الأَعْمَشُ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ زِيَادٍ:
قَالَ عَمَّارٌ: إِنَّ أُمَّنَا - يَعْنِي عَائِشَةَ - قَدْ مَضَتْ لِسَبِيْلِهَا، وَإِنَّهَا لَزَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللهَ ابْتَلاَنَا بِهَا، لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ نُطِيْعُ، أَوْ إِيَّاهَا.
وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ: البُخَارِيُّ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي وَائِلٍ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيْعِيُّ:
قَالَ عَمَّارٌ لِعَلِيٍّ: مَا تَقُوْلُ فِي أَبْنَاءِ مَنْ قَتَلْنَا؟
قَالَ: لاَ سَبِيْلَ عَلَيْهِم.
قَالَ: لَوْ قُلْتَ غَيْرَ ذَا خَالَفْنَاكَ.
الأَعْمَشُ: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيْدِ بنِ حُمَيْدٍ:
قَالَ عَمَّارٌ لِعَلِيٍّ يَوْمَ الجَمَلِ: مَا تُرِيْدُ أَنْ تَصْنَعَ بِهَؤُلاَءِ؟
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: حَتَّى نَنْظُرَ لِمَنْ تَصِيْرُ عَائِشَةُ.
فَقَالَ عَمَّارٌ: وَنَقْسِمُ عَائِشَةَ؟
قَالَ: فَكَيْفَ نَقْسِمُ هَؤُلاَءِ؟
قَالَ: لَوْ قُلْتَ غَيْرَ ذَا مَا بَايَعْنَاكَ.
الثَّوْرِيُّ: عَنْ حَبِيْبِ بنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ
قَالَ:
قَالَ عَمَّارٌ يَوْمَ صِفِّيْنَ: ائْتُوْنِي بِشُرْبَةِ لَبَنٍ.
قَالَ: فَشَرِبَ، ثُمَّ قَالَ:
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: (إِنَّ آخِرَ شَرْبَةٍ تَشْرَبُهَا مِنَ الدُّنْيَا شَرْبَةُ لَبَنٍ).
ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَقُتِلَ.
سَعْدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ أَبِيْهِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ:
سَمِعَ عَمَّاراً بِصِفِّيْنَ يَقُوْلُ: أَزِفَتِ الجِنَانُ، وَزُوِّجْتُ الحُوْرَ العِيْنَ، اليَوْمَ نَلْقَى حَبِيْبَنَا مُحَمَّداً ﷺ.
مُسلمُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ: حَدَّثَنَا رَبِيْعَةُ بنُ كُلْثُوْمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ:
كُنْتُ بِوَاسِطٍ، فَجَاءَ أَبُو الغَادِيَةِ عَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ، وَهُوَ طُوَالٌ، فَلَمَّا قَعَدَ، قَالَ:
كُنَّا نَعُدُّ عَمَّاراً مِنْ خِيَارِنَا، فَإِنِّي لَفِي مَسْجِدِ قُبَاءَ إِذْ هُوَ يَقُوْلُ - وَذَكَرَ كَلِمَةً -: لَوْ وَجَدْتُ عَلَيْهِ أَعْوَاناً لَوَطِئْتُهُ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ صِفِّيْنَ، أَقْبَلَ يَمْشِي أَوَّلَ الكَتِيْبَةِ، فَطَعَنَهُ رَجُلٌ، فَانْكَشَفَ المِغْفَرُ عَنْهُ، فَأَضْرُبُهُ، فَإِذَا رَأْسُ عَمَّارٍ.
قَالَ: يَقُوْلُ مَوْلَىً لَنَا: لَمْ أَرَ أَبْيَنَ ضَلاَلَةً مِنْهُ.
عَفَّانُ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا كُلْثُوْمُ بنُ جَبْرٍ، عَنْ أَبِي الغَادِيَةِ، قَالَ:
سَمِعْتُ عَمَّاراً يَقَعُ فِي عُثْمَانَ يَشْتِمُهُ، فَتَوَعَّدْتُهُ بِالقَتْلِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ صِفِّيْنَ، جَعَلَ عَمَّارٌ يَحْمِلُ عَلَى النَّاسِ، فَقِيْلَ: هَذَا عَمَّارٌ.
فَطَعَنْتُهُ فِي رُكْبَتِهِ، فَوَقَعَ، فَقَتَلْتُهُ، فَقِيْلَ: قُتِلَ عَمَّارٌ.
وَأُخْبِرَ عَمْرُو بنُ العَاصِ، فَقَالَ:
سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: (إِنَّ قَاتِلَهُ وَسَالِبَهُ فِي النَّارِ).
لَيْثُ بنُ أَبِي سُلَيْمٍ: عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو مَرْفُوْعاً: (قَاتِلُ عَمَّارٍ وَسَالِبُهُ فِي النَّارِ).
قَالَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ: عَنْ قَيْس، أَوْ غَيْرِهِ:
قَالَ عَمَّارٌ: ادْفِنُوْنِي فِي ثِيَابِي، فَإِنِّي رَجُلٌ مُخَاصِمٌ.
وَعَنْ عَاصِمِ بنِ ضَمْرَةَ: أَنَّ عَلِيّاً صَلَّى عَلَى عَمَّارٍ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: عَاشَ عَمَّارٌ ثَلاَثاً وَتِسْعِيْنَ سَنَةً، وَكَانَ لاَ يَرْكَبُ عَلَى سَرْجٍ، وَيَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ.
عَبْدُ اللهِ بنُ طَاوُوْسٍ: عَنْ أَبِي بَكْرٍ بنِ حَزْمٍ، قَالَ:
لَمَّا قُتِلَ عَمَّارٌ، دَخَلَ عَمْرُو بنُ حَزْمٍ عَلَى عَمْرِو بنِ العَاصِ، فَقَالَ:
قُتِلَ عَمَّارٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: (تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ).
فَقَامَ عَمْرٌو فَزِعاً إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟
قَالَ: قُتِلَ عَمَّارٌ.
قَالَ: قُتِلَ عَمَّارٌ، فَكَانَ مَاذَا؟
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: (تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ).
قَالَ: أَنَحْنُ قَتَلْنَاهُ؟! وَإِنَّمَا قَتَلَهُ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ، جَاؤُوا بِهِ حَتَّى أَلْقَوْهُ بَيْنَ رِمَاحِنَا -أَوْ قَالَ: بَيْنَ سُيُوْفِنَا -.
قُلْتُ: كَانَتْ صِفِّيْنُ فِي صَفَرٍ، وَبَعْضِ رَبِيْعٍ الأَوَّلِ، سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلاَثِيْنَ.
قَرَأْتُ عَلَى الحَافِظِ عَبْدِ المُؤْمِنِ بنِ خَلَفٍ: أَخْبَرَكُم يَحْيَى بنُ أَبِي السُّعُوْدِ، أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ، أَنْبَأَنَا ابْنُ طَلْحَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ الفَارِسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ
أَحْمَدَ بنِ يَعْقُوْبَ، حَدَّثَنَا جَدِّي، حَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ سَالِمٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بنُ جَرِيْرٍ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيْدٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ:
لَمَّا كَانَ اليَوْمُ الَّذِي أُصِيْبَ فِيْهِ عَمَّارٌ، إِذَا رَجُلٌ قَدْ بَرَزَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، جَسِيْمٌ عَلَى فَرَسٍ جَسِيْمٍ، ضَخْمٌ عَلَى ضَخْمٍ، يُنَادِي: يَا عِبَادَ اللهِ! - بِصَوْتٍ مُوْجَعٍ - رُوْحُوا إِلَى الجَنَّةِ - ثَلاَثَ مِرَارٍ - الجَنَّةُ تَحْتَ ظِلاَلِ الأَسْلِ.
فَثَارَ النَّاسُ، فَإِذَا هُوَ عَمَّارٌ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قُتِلَ.
وَبِهِ: حَدَّثَنَا جَدِّي يَعْقُوْبُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ، قَالَ:
قَاوَلَ عَمَّارٌ رَجُلاً، فَاسْتَطَالَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ.
فَقَالَ عَمَّارٌ: أَنَا إِذاً كَمَنْ لاَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ.
فَعَادَ الرَّجُلُ، فَاسْتَطَالَ عَلَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: إِنْ كُنْتَ كَاذِباً، فَأَكْثَرَ اللهُ مَالَكَ وَوَلَدَكَ، وَجَعَلَكَ يُوْطَأُ عَقِبُكَ.
وَبِهِ: حَدَّثَنَا جَدِّي، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بنُ جَرِيْرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بنِ زُفَرَ، عَنْ عَمَّارٍ، أَنَّهُ قَالَ:
ثَلاَثَةٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيْمَانَ -أَوْ قَالَ: مِنْ كَمَالِ الإِيْمَانِ-: الإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ، وَالإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ.
قَرَأْتُ عَلَى أَحْمَدَ بنِ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بنُ أَبِي الفَتْحِ، وَالفَتْحُ بنُ عَبْدِ اللهِ، قَالاَ:
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ الأُرْمَوِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بنُ عُمَرَ السُّكَّرِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ الحَسَنِ الصُّوْفِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ،
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ مُجَالِدٍ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ وَبَرَةَ، عَنْ هَمَّامٍ، قَالَ:
قَالَ عَمَّارٌ: رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ وَمَا مَعَهُ إِلاَّ خَمْسَةُ أَعْبُدٍ، وَامْرَأَتَانِ، وَأَبُو بَكْرٍ.
أَخْرَجَهُ: البُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ شَيْخٌ لَهُ، يُقَالُ: هُوَ ابْنُ حَمَّادٍ الآمِلِيُّ.
وَقِيْلَ: عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي الخُوَارِزْمِيُّ، عَنْ يَحْيَى بنِ مَعِيْنٍ.
وَهُوَ فَرْدٌ غَرِيْبٌ، مَا أَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ بَيَانِ بنِ بِشْرٍ سِوَى إِسْمَاعِيْلُ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ سِوَى البُخَارِيُّ.
الأَعْمَشُ، وَغَيْرُهُ: عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ:
رَأَى أَبُو مَيْسَرَةَ عَمْرَو بنَ شُرَحْبِيْلَ ذَا الكَلاَعِ وَعَمَّاراً فِي قِبَابٍ بِيْضٍ بِفِنَاءِ الجَنَّةِ.
فَقَالَ: أَلَمْ يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً؟
قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ وَجَدْنَا اللهَ وَاسِعَ المَغْفِرَةِ.
آخِرُ التَّرْجَمَةِ، وَالحَمْدُ للهِ.
أَخْبَارُ
النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ
وَاسْمُهُ: أَصْحَمَةُ، مَلِكُ الحَبَشَةِ، مَعْدُوْدٌ فِي الصَّحَابَةِ ﵃.
وَكَانَ مِمَّنْ حَسُنَ إِسْلاَمُهُ، وَلَمْ يُهَاجِرْ، وَلاَ لَهُ رُؤْيَةٌ، فَهُوَ تَابِعِيٌّ مِنْ وَجْهٍ، صَاحِبٌ مِنْ وَجْهٍ.
وَقَدْ تُوُفِّيَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَصَلَّى عَلَيْهِ بِالنَّاسِ صَلاَةَ الغَائِبِ،
وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ صَلَّى ﷺ عَلَى غَائِبٍ سِوَاهُ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّهُ مَاتَ بَيْنَ قَوْمٍ نَصَارَى، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ، لأَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِيْنَ كَانُوا مُهَاجِرِيْنَ عِنْدَهُ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ مُهَاجِرِيْنَ إِلَى المَدِيْنَةِ عَامَ خَيْبَرَ.
ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ:
حَدَّثْتُ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ بِحَدِيْثِ أَبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِقِصَّةِ النَّجَاشِيِّ، وَقَوْلِهِ لِعَمْرِو بنِ العَاصِ:
فَوَاللهِ مَا أَخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِيْنَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، وَمَا أَطَاعَ النَّاسُ فِيَّ، فَأُطِيْعُ النَّاسَ فِيْهِ.
فَقَالَ عُرْوَةُ: أَتَدْرِي مَا مَعْنَاهُ؟
قُلْتُ: لاَ.
قَالَ: إِنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْنِي: أَنَّ أَبَاهُ كَانَ مَلِكَ قَوْمِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ إِلاَّ النَّجَاشِيُّ، وَكَانَ لِلنَّجَاشِيِّ عَمٌّ، لَهُ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ مَمْلَكَةِ الحَبَشَةِ.
فَقَالَتِ الحَبَشَةُ بَيْنَهَا: لَوْ أَنَّا قَتَلْنَا أَبَا النَّجَاشِيِّ، وَمَلَّكْنَا أَخَاهُ، فَإِنَّهُ لاَ وَلَدَ لَهُ غَيْرَ هَذَا الغُلاَمِ، وَإِنَّ لأَخِيْهِ اثْنَيْ عَشْرَةَ وَلَداً، فَتَوَارَثُوا مُلْكَهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَقِيَتِ الحَبَشَةُ بَعْدَهُ دَهْراً.
فَعَدَوْا عَلَى أَبِي النَّجَاشِيِّ، فَقَتَلُوْهُ، وَمَلَّكُوا أَخَاهُ، فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ، وَنَشَأَ النَّجَاشِيُّ مَعَ عَمِّهِ، وَكَانَ لَبِيْباً حَازِماً مِنَ الرِّجَالِ، فَغَلَبَ عَلَى أَمْرِ عَمِّهِ، وَنَزَلَ مِنْهُ بِكُلِّ مَنْزِلَةٍ.
فَلَمَّا رَأَتِ الحَبَشَةُ مَكَانَهُ مِنْهُ، قَالَتْ بَيْنهَا:
وَاللهِ إِنَّا لَنَتَخَوَّفُ أَنْ يَمْلِكَهُ، وَلَئِنْ مَلَكَهُ عَلَيْنَا لَيَقْتُلُنَا أَجْمَعِيْنَ، لَقَدْ عَرَفَ أَنَّا نَحْنُ قَتَلْنَا أَبَاهُ. فَمَشَوْا إِلَى
عَمِّهِ، فَقَالُوا لَهُ:
إِمَّا أَنْ تَقْتُلَ هَذَا الفَتَى، وَإِمَّا أَنْ تُخْرِجَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَإِنَّا قَدْ خِفْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا مِنْهُ.
قَالَ: وَيْلَكُم، قَتَلْتُمْ أَبَاهُ بِالأَمْسِ، وَأَقْتُلُهُ اليَوْمَ، بَلْ أَخْرِجُوْهُ مِنْ بِلاَدِكُم.
فَخَرَجُوا بِهِ، فَبَاعُوْهُ مِنْ رَجُلٍ تَاجِرٍ بِسِتِّ مَائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَذَفَهُ فِي سَفِيْنَةٍ، فَانْطَلَقَ بِهِ حَتَّى إِذَا المَسَاءُ مِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ، هَاجَتْ سَحَابَةٌ مِنْ سَحَابِ الخَرِيْفِ، فَخَرَجَ عَمُّهُ يَسْتَمْطِرُ تَحْتَهَا، فَأَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ، فَقَتَلَتْهُ.
فَفَزِعَتِ الحَبَشَةُ إِلَى وَلَدِهِ، فَإِذَا هُمْ حَمْقَى، لَيْسَ فِي وَلَدِهِ خَيْرٌ، فَمَرَجَ عَلَى الحَبَشَةِ أَمْرُهُم، فَلَمَّا ضَاقَ عَلَيْهِم مَا هُمْ فِيْهِ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ:
تَعْلَمُوْنَ -وَاللهِ- أَنَّ مَلِكَكُمُ الَّذِي لاَ يُقِيْمُ أَمْرَكُمْ غَيْرُهُ، الَّذِي بِعْتُمُوْهُ غُدْوَةً، فَإِنْ كَانَ لَكُم بِأَمْرِ الحَبَشَةِ حَاجَةٌ فَأَدْرِكُوْهُ.
قَالَ: فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ، حَتَّى أَدْرَكُوْهُ، فَأَخَذُوْهُ مِنَ التَّاجِرِ، ثُمَّ جَاؤُوا بِهِ، فَعَقَدُوا عَلَيْهِ التَّاجَ، وَأَقْعَدُوْهُ عَلَى سَرِيْرِ المُلْكِ، وَمَلَّكُوْهُ، فَجَاءهُمُ التَّاجِرُ، فَقَالَ:
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ / ١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع