تجاوز إلى المحتوى

من «الطبقات الكبرى» لمحمد بن سعد (ت ٢٣٠هـ)

عبد الله بن عمر بن الخطاب (٢)

الصفحة ٢ من ٢

قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: حدثنا همام قال: حدثنا قتادة

عن علي بن عبد الله البارقي قال: رأيت صلعة ابن عمر وهو يطوف بالبيت.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا العوام بن حوشب عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر قال: لما كان من موعد علي ومعاوية بدومة جندل ما كان أشفق معاوية أن يخرج هو وعلي منها، فجاء معاوية يومئذ على بختي عظيم طويل فقال: ومن هذا الذي يطمع في هذا الأمر أو يمد إليه عنقه؟ قال ابن عمر: فما حدثت نفسي بالدنيا إلا يومئذ فإني هممت أن أقول: يطمع فيه من ضربك وأباك عليه حتى أدخلكما فيه. ثم ذكرت الجنة ونعيمها وثمارها فأعرضت عنه.

قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي قال: أخبرنا مسعر بن كدام عن أبي حصين أن معاوية قال: ومن أحق بهذا الأمر منا؟ فقال عبد الله ابن عمر: فأردت أن أقول أحق منك من ضربك وأباك عليه، ثم ذكرت ما في الجنان فخشيت أن يكون في ذاك فساد.

قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدثنا حماد بن زيد عن معمر عن الزهري قال: لما اجتمع على معاوية قام فقال: ومن كان أحق بهذا الأمر مني؟ قال ابن عمر: فتهيأت أن أقوم فأقول أحق به من ضربك وأباك على الكفر، فخشيت أن يظن بي غير الذي بي.

قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن معاوية بعث إلى ابن عمر بمائة ألف، فلما أراد أن يبايع ليزيد ابن معاوية قال: أرى ذاك أراد، إن ديني عندي إذا لرخيص.

قال: أخبرنا الفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله الأسدي قالا: حدثنا سفيان عن محمد المنكدر قال: لما بويع يزيد بن معاوية فبلغ ذاك ابن عمر فقال: إن كان خيرا رضينا وإن كان بلاء صبرنا.

قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا صخر بن

جويرية قال: حدثنا نافع أن ابن عمر لما ابتز أهل المدينة بيزيد بن معاوية وخلعوه دعا عبد الله بن عمر بنيه وجمعهم فقال: إنا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقول هذه غدرة فلان، وإن من أعظم الغدر إلا أن يكون الشرك بالله ان يبايع رجل رجلا على بيع الله ورسوله، ﷺ، ثم ينكث بيعته، فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرعن أحد منكم في هذا الأمر فتكون الصيلم بيني وبينه.

قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن أيوب عن نافع قال: لما قدم معاوية المدينة حلف على منبر رسول الله، ﷺ، ليقتلن ابن عمر. فلما دنا من مكة تلقاه الناس وتلقاه عبد الله بن صفوان فيمن تلقاه فقال: إيهن ما جئتنا به، جئتنا لتقتل عبد الله بن عمر! قال: ومن يقول هذا ومن يقول هذا ومن يقول هذا؟ ثلاثا.

قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن عون عن نافع قال: لما قدم معاوية المدينة حلف على منبر رسول الله، ﷺ، ليقتلن ابن عمر قال: فجعل أهلنا يقدمون علينا، وجاء عبد الله بن صفوان إلى ابن عمر فدخلا بيتا وكنت على باب البيت، فجعل عبد الله بن صفوان يقول: أفتتركه حتى يقتلك؟ والله لو لم يكن إلا أنا وأهل بيتي لقاتلته دونك. قال: فقال ابن عمر: أفلا أصبر في حرم الله؟ قال وسمعت نجيه تلك اليلة مرتين فلما دنا معاوية تلقاه الناس وتلقاه عبد الله بن صفوان فقال: إيهن ما جئتنا به، لتقتل عبد الله بن عمر! قال: والله لا أقتله.

قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي قال: حدثنا سفيان عن عبد الله ابن دينار قال: لما أجمع الناس على عبد الملك بن مروان كتب إليه ابن عمر: أما بعد فإني قد بايعت لعبد الله بن عبد الملك أمير المؤمنين بالسمع والطاعة على

سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت وإن بني قد أقروا بذلك.

قال: أخبرنا معاذ بن معاذ العنبري قال: حدثنا ابن عون قال: سمعت رجلا يحدث محمدا قال: كانت وصية عمر عند أم المؤمنين، يعني حفصة، فلما توفيت صارت إلى ابن عمر، فلما حضر ابن عمر جعلها إلى ابنه عبد الله بن عبد الله وترك سالما. وكان الناس عنفوه بذلك، قال فدخل عبد الله بن عبد الله وعبد الله بن عمرو بن عثمان على الحجاج ابن يوسف، قال فقال الحجاج: لقد كنت هممت أن أضرب عنق ابن عمر.

قال: فقال له عبد الله بن عبد الله: أما والله إن لو فعلت لكوسك الله في نار جهنم، رأسك أسفلك. قال فنكس الحجاج، قال وقلت يأمر به الآن، قال ثم رفع رأسه وقال: أي قريش أكرم بيتا وآخذ في حديث غيره.

قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا الأسود بن شيبان قال: حدثنا خالد بن سمير قال: خطب الحجاج الفاسق على المنبر فقال: إن ابن الزبير حرف كتاب الله، فقال له ابن عمر: كذبت كذبت كذبت، ما يستطيع ذلك ولا أنت معه. فقال له الحجاج: اسكت فإنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك، يوشك شيخ أن يؤخذ فتضرب عنقه فيجر قد انتفخت خصيتاه يطوف به صبيان أهل البقيع.

قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن أيوب عن نافع أن ابن عمر لم يوص.

قال: أخبرنا أزهر بن سعد السمان عن ابن عون عن نافع قال: لما ثقل ابن عمر قالوا له: أوص، قال: وما أوصي؟ قد كنت أفعل في الحياة ما الله أعلم به فأما الآن فإني لا أجد أحدا أحق به من هؤلاء، لا أدخل عليهم في رباعهم أحدا.

قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن ابن عمر اشتكى فذكروا له الوصية فقال: الله أعلم ما كنت أصنع في مالي، وأما رباعي وأرضي فإني لا أحب أن أشرك مع ولدي فيها أحدا.

قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدثنا سليمان ابن بلال عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عتيق عن نافع أن ابن عمر كان يقول: اللهم لا تجعل منيتي بمكة.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون والفضل بن دكين قالا: أخبرنا فضيل ابن مرزوق عن عطية العوفي قال: سألت مولى لعبد الله بن عمر عن موت عبد الله بن عمر قال فقال: أصابه رجل من أهل الشأم بزجه في رجله، قال فأتاه الحجاج يعوده فقال: لو أعلم الذي أصابك لضربت عنقه، فقال عبد الله: أنت الذي أصبتني، قال: كيف؟ قال: يوم أدخلت حرم الله السلاح.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا العوام بن حوشب قال: حدثني عياش العامري عن سعيد بن جبير قال: لما أصاب ابن عمر الخبل الذي أصابه بمكة فرمي حتى أصاب الأرض فخاف أن يمنعه الألم فقال: يا ابن أم الدهماء اقض بي المناسك. فلما اشتد وجعه بلغ الحجاج فأتاه يعوده فجعل يقول: لو أعلم من أصابك لفعلت وفعلت. فلما أكثر عليه قال: أنت أصبتني، حملت السلاح في يوم لا يحمل فيه السلاح. فلما خرج الحجاج قال ابن عمر: ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث: ظمء الهواجر ومكابدة الليل وألا أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلت بنا.

قال: أخبرنا وهب بن جرير بن حازم قال: حدثنا أبي قال: سمعت أبا بكر بن عبد الله بن عوذ الله شيخا من بني مخزوم يحدث قال: لما أصيبت رجل ابن عمر أتاه الحجاج يعوده فدخل فسلم عليه وهو على فراشه

فرد ﵇، فقال الحجاج: يا أبا عبد الرحمن هل تدري من أصاب رجلك؟ قال: لا، قال: أما والله لو علمت من أصابك لقتلته. فأطرق ابن عمر فجعل لا يكلمه ولا يلتفت إليه، فلما رأى ذلك الحجاج وثب كالمغضب فخرج يمشي مسرعا حتى إذا كان في صحن الدار التفت إلى من خلفه فقال: إن هذا يزعم أنه يريد أن نأخذ بالعهد الأول.

قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا إسحاق بن سعيد عن سعيد، يعني أباه، قال: دخل الحجاج يعود ابن عمر وعنده سعيد، يعني سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، وقد أصاب رجله، قال: كيف تجدك يا أبا عبد الرحمن؟ أما إنا لو نعلم من أصابك عاقبناه، فهل تدري من أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في الحرم لا يحل فيه حمله.

قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا أشرس بن عبيد قال: سألت سالم عن عبد الله بن عمر عما أصاب عبد الله بن عمر من جراحته فقال سالم: قلت يا أبت ما هذا الدم يسيل على كتف النجيبة؟ فقال: ما شعرت به فأنخ، فأنخت فنزع رجله من الغرز وقد لزقت قدمه بالغرز فقال: ما شعرت بما أصابني.

قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا هاد بن زيد عن أيوب قال: قلت لنافع: ما كان بدء موت ابن عمر؟ قال: أصابته عارضة محمل بين إصبعين من أصابعه عند الجمرة في الزحام فمرض. قال فأتاه الحجاج يعوده فلما دخل عليه فراه غمض ابن عمر عينيه، قال فكلمه الحجاج، فلم يكلمه، قال فقال له: من ضربك؟ من تتهم؟ قال فلم يكلمه ابن عمر. فخرج الحجاج فقال: إن هذا يقول إني على الضرب الأول.

قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا عبد العزيز بن سياه

قال: حدثني حبيب بن أبي ثابت قال: بلغني عن ابن عمر في مرضه الذي مات فيه قال: ما أجدني آسى على شيء من أمر الدنيا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية.

قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا شعبة عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع أن ابن عمر أوصى رجلا أن يغسله فجعل يدلكه بالمسك.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا خالد بن أبي بكر عن سالم ابن عبد الله قال: مات ابن عمر بمكة ودفن بفخ سنة أربع وسبعين، وكان يوم مات ابن أربع وثمانين سنة.

قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: توفي عبد الله بن عمر سنة ثلاث وسبعين.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه قال: كان زج رمح رجل من أصحاب الحجاج قد أصاب رجل ابن عمر فاندمل الجرح، فلما صدر الناس انتفض على ابن عمر جرحه، فلما نزل به دخل الحجاج عليه يعوده فقال: يا أبا عبد الرحمن، الذي أصابك من هو؟ قال: أنت قتلتني، قال: وفيم؟ قال: حملت السلاح في حرم الله فأصابني بعض أصحابك. فلما حضرت ابن عمر الوفاة أوصى أن لا يدفن في الحرم وأن يدفن خارجا من الحرم، فغلب فدفن في الحرم وصلى عليه الحجاج.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال: قال ابن عمر عند الموت لسالم: يا بني إن أنا مت فادفني خارجا من الحرم فإني أكره أن أدفن فيه بعد أن خرجت منه مهاجرا، فقال: يا أبت إن قدرنا على ذلك، فقال: تسمعني أقول لك وتقول إن قدرنا على ذلك؟ قال: أقول الحجاج يغلبنا فيصلي عليك. قال فسكت

ابن عمر.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني معمر عن الزهري عن سالم قال: أوصاني أبي أن أدفنه خارجا من الحرم فلم نقدر فدفناه في الحرم بفخ في مقبرة المهاجرين.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن عمر عن نافع قال: لما صدر الناس ونزل بابن عمر أوصى عند الموت أن لا يدفن في الحرم، فلم يقدر على ذلك من الحجاج، فدفناه بفخ في مقبرة المهاجرين نحو ذي طوى، ومات بمكة سنة أربع وسبعين.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٦٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.