تجاوز إلى المحتوى

من «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)

خنساء بنت عمرو

بن الشّريد بن ثعلبة بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم السلمية الشاعرة المشهورة، اسمها تماضر، بمثناة فوقانية أوله وضاد معجمة- وفي ذلك يقول دريد بن الصمة حين رآها تهنأ إبلا لها ثم تجردت واغتسلت فأعجبته فخطبها، فأبت فقال فيها:

حيّوا تماضر واربعوا صحبيوقفوا فإنّ وقوفكم حسبي
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «حيوا تماضر واربعوا صحبي»
ما إن رأيت ولا سمعت بهكاليوم طالي أينق جرب
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «حيوا تماضر واربعوا صحبي»
مبتذّلا تبدو محاسنهيضع الهناء مواضع النّقب
أخناس قد هام الفؤاد بكمواعتاده داء من الحبّ

فبلغتها خطبته، فقالت: لا أدع بني عمي الطوال مثل عوالي الرماح، وأتزوّج شيخا، فلما بلغه ذلك قال من أبيات:

وقاك اللَّه يا ابنة آل عمرومن الفتيان أمثالي ونفسي
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «لمن طلل بذات الخمس أمسى»
وقالت إنّه شيخ كبيروهل خبّرتها أنّي ابن أمس
[وقد علم المراضع في جمادىإذا استعجلن عن حزّ بنهس]

إلى أن قال:

وأنّي لا أبيت بغير نحروأبدأ بالأرامل حين أمسى
وأنّي لا يهرّ الكلب ضيفيولا جاري يبيت خبيث نفس

فأجابته بأبيات.

قال أبو عمر: قدمت على النبي ﷺ مع قومها من بني سليم، فأسلمت معهم، فذكروا أنّ رسول اللَّه ﷺ كان يستنشدها ويعجبه شعرها، وكانت تنشده، وهو يقول: «هيه يا خناس»، ويومئ بيده.

قالوا: وكانت الخنساء تقول في أول أمرها البيتين أو الثلاثة حتى قتل أخوها شقيقها معاوية بن عمرو، وقتل أخوها لأبيها صخر، وكان أحبهما إليها، لأنه كان حليما جوادا محبوبا في العشيرة، كان غزا بني أسد فطعنه أبو ثور الأسدي طعنة مرض منها حولا، ثم مات، فلما قتل أخواها أكثرت من الشعر، فمن قولها في صخر:

أعينيّ جودا ولا تجمداألا تبكيان لصخر النّدى
للشاعر الخنساء، من قصيدة «أعيني جودا ولا تجمدا»
ألا تبكيان الجريء الجميلألّا تبكيان الفتى السّيّدا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «أعيني جودا ولا تجمدا»
طويل النّجاد عظيم الرّمادساد عشيرته أمردا

ومن قولها فيه:

وإنّ صخرا لمولانا وسيّدناوإنّ صخرا إذا نشتو لنحّار
أشمّ أبلج يأتمّ الهداة بهكأنّه علم في رأسه نار

قال: وأجمع أهل العلم بالشعر أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها.

وذكر الزّبير بن بكّار، عن محمد بن الحسن المخزومي، وهو المعروف بابن زبالة، أحد المتروكين، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن أبي وجزة، عن أبيه، قال:

حضرت الخنساء بنت عمرو السلمية حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال، فذكر موعظتها لهم وتحريضهم على القتال، وعدم الفرار، وفيها: إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وإنكم لبنو أب واحد وأم واحدة، ما هجنت آباءكم، ولا فضحت أخوالكم، فلما أصبحوا باشروا القتال واحدا بعد واحد حتى قتلوا، وكل منهم أنشد قبل أن يستشهد رجزا، فأنشد الأول:

يا إخوتي إنّ العجوز النّاصحهقد نصحتنا إذ دعتنا البارحه
بمقالة ذات بيان واضحهوإنّما تلقون عند الصّائحه

من آل ساسان كلابا نابحة

وأنشد الثاني:

إنّ العجوز ذات حزم وجلدقد أمرتنا بالسداد والرّشد
نصيحة منها وبرّا بالولدفباكروا الحرب حماة في العدد

وأنشد الثالث:

واللَّه لا نعصي العجوز حرفانصحا وبرّا صادقا ولطفا
فبادروا الحرب الضّروس زحفاحتّى تلفّوا آل كسرى لفّا

وأنشد الرابع:

لست لخنساء ولا للأخرمولا لعمرو ذي السّناء الأقدم
إن لم أرد في الجيش جيش الأعجمماض على الهول خضمّ حضرمي

وكل من الأسانيد أطول من هذا، قال: فبلغها الخبر، فقالت: الحمد للَّه الّذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقرّ رحمته.

قالوا: وكان عمر بن الخطاب يعطي الخنساء أرزاق أولادها الأربعة حتى قبض.

قلت: ومن شعرها في أخيها:

ألا يا صخر لا أنساك حتّىأفارق مهجتي ويشقّ رمسي
يذكّرني طلوع الشّمس صخراوأبكيه لكلّ غروب شمس
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»
ولولا كثرة الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلت نفسي
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»

ومن شعرها فيه:

ألا يا صخر إن أبكيت عينيفقد أضحكتني دهرا طويلا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا يا صخر إن أبكيت عيني»
ذكرتك في نساء معولاتوكنت أحقّ من أبدى العويلا
دفعت بك الجليل وأنت حيّومن ذا يدفع الخطب الجليلا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا يا صخر إن أبكيت عيني»
إذا قبح البكاء على قتيلرأيت بكاءك الحسن الجميلا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا يا صخر إن أبكيت عيني»

ويقال إنها دخلت على عائشة وعليها صدار من شعر، فقالت لها: يا خنساء، هذا نهي رسول اللَّه ﷺ عنه، فقالت: ما علمت، ولكن هذا له قصة، زوّجني أبي رجلا مبذّرا فأذهب ماله، فأتيت إلى صخر فقسم ماله شطرين، فأعطاني شطرا خيارا، ثم فعل زوجي ذلك مرة أخرى، فقسم أخي ماله شطرين فأعطاني خبرهما، فقالت له امرأته: أما ترضي أن تعطيها النصف حتى تعطيها الخيار، فقال:

واللَّه لا أمنحها شرارهاوهي الّتي أرحض عني عارها
ولو هلكت خرّقت خمارهاواتّخذت من شعر صدارها

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول (٦٢)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.