تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة خمس وعشرين ومائة

فيها توفي أبو سعد سعيد بن أبي سعيد المقبريّ المحدّث المكثر عن أبي هريرة. وروى عن سعد بن أبي وقّاص.

قال ابن سعد: ثقة لكنه اختلط قبل موته بأربع سنين.

قال الذهبيّ في «العبر»: قلت: ما سمع منه ثقة في اختلاطه. انتهى.

وفيها مات- في ربيع الآخر- الخليفة أبو الوليد هشام بن عبد الملك الأموي، وكانت خلافته عشرين سنة، إلّا أشهرا وكانت داره عند الخوّاصين بدمشق، فعمل منها السلطان نور الدّين مدرسة، وكان ذا رأي وحزم وحلم، وجمع للمال عاش أربعا وخمسين سنة، وكان أبيض سمينا، أحول سديدا، حسن الكلام، شكس الأخلاق، شديد الجمع للمال، قليل البذل.

وكان حازما متيقظا لا يغيب عنه شيء من أمر ملكه.

قال المسعودي: كان هشام أحول فظا غليظا يجمع الأموال، ويعمر

الأرض، ويستجيد الخيل، وأقام الحلبة، فاجتمع له فيها من خيله وخيل غيره أربعة آلاف فرس، ولم يعرف ذلك في جاهلية ولا إسلام لأحد من الناس، وقد ذكرت الشعراء ما اجتمع له من الخيل، واستجاد الكساء والفرش وعدد الحرب ولأمتها، واصطنع الرّجال وقوّى الثّغور واتخذ القنيّ والبرك بمكّة، وغير ذلك من الآثار التي أتى عليها داود بن علي في صدر الدّولة العبّاسية.

وفي أيامه عمل الخزّ فسلك الناس جميعا في أيامه مذهبه، ومنعوا ما في أيديهم فقلّ الإفضال، وانقطع الرّفد، ولم ير زمان أصعب من زمانه.

وكان زيد بن عليّ يدخل على هشام، فدخل عليه يوما بالرّصافة فلما مثل بين يديه، لم ير موضعا يجلس فيه، فجلس حيث انتهى به مجلسه.

فقال له: يا أمير المؤمنين، ليس أحد يكبر عن تقوى الله. فقال له هشام:

أسكت لا أم لك، أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة، وأنت ابن أمة، فقال: يا أمير المؤمنين إن لك جوابا، إن أحببت أجبتك به، وإن أحببت أمسكت عنك، قال: لا بل أجب. قال: إن الأمهات لا يقعدن بالرّجال عن الغايات، وقد كانت أمّ إسماعيل أمة لأمّ إسحاق- صلى الله عليهما وسلم- فلم يمنعه ذلك أن ابتعثه الله نبيا، وجعله للعرب أبا، وأخرج من صلبه خير البشر محمدا- ﷺ أفتقول لي كذا وأنا ابن فاطمة، وابن عليّ؟ وقام وهو يقول:

شرّده الخوف وأزرى بهكذاك من يكره حرّ الجلاد
منخرق الخفّين يشكو الجوىتنكثه أطراف مرو حداد
قد كان في الموت له راحةوالموت حتم في رقاب العباد
إن يحدث الله له دولةيترك آثار العدا كالرّماد

وعرض هشام يوم الجند بحمص، فمرّ به رجل من أهل حمص وهو على فرس نفور، فقال له هشام: ما حملك على أن تربط فرسا نفورا؟

فقال الحمصيّ لا والرّحمن الرّحيم يا أمير المؤمنين، ما هو بنفور، وإنما أبصر حولك فظن أنه عين غزوان البيطار فنفر، فقال له هشام: تنحّ، فعليك وعلى فرسك لعنة الله، وكان غزوان نصرانيا ببلاد حمص، كأنه هشام في حوله وكشفته.

وبينما هشام ذات يوم جالسا [خاليا] وعنده الأبرش الكلبيّ، إذ طلعت وصيفة لهشام عليها حلّة، فقال للأبرش: مازحها، فقال لها الأبرش: هبي لي حلّتك، فقالت: لأنت أطمع من أشعب، فقال [لها] هشام: ومن أشعب؟

فقالت: كان مضحكا بالمدينة، وحدثته ببعض أحاديثه، فضحك هشام وقال: اكتبوا إلى إبراهيم بن هشام- وكان عامله على المدينة- في حمله إلينا، فلما ختم الكتاب، أطرق هشام طويلا. ثم قال: يا أبرش، هشام يكتب إلى بلد رسول الله- ﷺ ليحمل إليه [منه] مضحك؟ لاها الله، ثم تمثل:

إذا أنت طاوعت الهوى قادك الهوىإلى بعض ما فيه عليك مقال

وأوقف الكتاب.

ودخل هشام بستانا له ومعه ندماؤه، فطافوا به وفيه من كل الثمار، فجعلوا يأكلون ويقولون: بارك الله لأمير المؤمنين، فقال: وكيف يبارك لي فيه وأنتم تأكلون؟!، ثم قال: ادع قيّمه، فدعا به، فقال له: اقلع شجره واغرس فيه زيتونا حتّى لا يأكل أحد منه شيئا.

وكان أخوه مسلمة مازحه قبل أن يلي الأمر، فقال له: يا هشام أتؤمّل الخلافة وأنت جبان بخيل! قال: أي والله العليم الحليم.

وذكر الهيثم بن عديّ، والمدائني وغيرهما، أن السّوّاس من بني أميّة ثلاثة: معاوية، وعبد الملك، وبهشام ختمت أبواب السياسة وحسن السّير وأن المنصور كان في أكثر أموره، وتدبيره، وسياسته، متبعا لهشام في أفعاله، لكثرة ما يستحسنه من أخبار هشام وسيره. انتهى ملخصا.

ومن نوادره ما روي أنه تمادى في الصيد فوقع على غلام، فأمره ببعض الأمر، فأبى الغلام، وأغلظ له في القول، وقال له: لا قرّب الله دارك، ولا حيّا مزارك، في قصة طويلة، فيها أنه أمر بقتله وقرّب له نطع الدّم، فأنشأ الغلام يقول:

نبّئت أنّ الباز علّق مرّةعصفور برّ ساقه المقدور
فتكلّم العصفور في أظفارهوالباز منهمك عليه يطير
ما في ما يغني لبطنك شبعةولئن أكلت فإنّني لحقير
فتعجّب الباز المدلّ بنفسهعجبا وأفلت ذلك العصفور

فضحك هشام، وقال: يا غلام احش فاه درّا وجوهرا.

وفيها توفي أشعث بن أبي الشّعثاء المحاربيّ الكوفي.

وآدم بن عليّ الشيبانيّ الكوفي الذي روى عن ابن عمر.

وأبو [بشر] جعفر بن أبي وحشيّة، وإياس، صاحب سعيد بن جبير.

وقد روى عن عبّاد بن شرحبيل الصحابي.

وأبو عبد الله محمّد بن علي بن عبد الله بن عبّاس الهاشمي، والد المنصور، والسّفّاح، وله ستون سنة، وكان جميلا، وسيما، مهيبا، نبيلا، وكان دعاة العباسيين يكاتبونه ويلقّبونه بالإمام.

وسبب انتقال الأمر إلى العباسيين، أن الشيعة كانت تقصد إمامة محمّد بن الحنفيّة بعد أخيه الحسين، ونقلوها بعده إلى ولده أبي هاشم، فلما حضرت أبا هاشم الوفاة ولا عقب له، أوصى إلى محمّد بن علي المذكور،

ودفع إليه كتبه، وصرف الشيعة إليه، ولما حضرته الوفاة، أوصى إلى ولده إبراهيم المعروف بالإمام، فلما حبسه مروان بن محمّد آخر ملوك الأمويين، وعرف أنه مقتول، أوصى إلى السّفّاح- وهو أول خلفاء العباسيين- وشرح القصة يطول، وسنورد تمامه في ترجمة السّفّاح إن شاء الله تعالى.

وفيها، وقيل: في سنة أربع، زيد بن أبي أنيسة الجزريّ الرّهاويّ الحافظ، أحد علماء الجزيرة، وله أربعون سنة. روى عن جماعة من التابعين.

قال الذّهبيّ في «المغني»: هو ثقة، نبيل.

قال أحمد: في حديثه بعض النكارة.

وفيها، أو بعدها، زياد بن علاقة الثّعلبيّ الكوفي. روى عن طائفة. وكان معمّرا، أدرك ابن مسعود، وسمع من جرير بن عبد الله.

وفيها صالح مولى التوءمة المدنيّ، وقد هرم، وخرّف. لقي أبا هريرة وجماعة.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.