تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة اثنتين وثمانين ومائة

فيها سملت الرّوم عيني طاغيتهم قسطنطين، وملّكوا عليهم أمّه.

وفيها توفي عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم العدويّ العمريّ مولاهم المدنيّ. روى عن أبيه وجماعة، وهو ضعيف كثير الحديث.

وفيها عبيد الله بن عبد الرّحمن الأشجعيّ الكوفيّ الحافظ. سمع من هشام بن عروة وجماعة، وقال: سمعت من سفيان الثّوري ثلاثين ألف حديث.

وقال ابن معين: ما بالكوفة أعلم بالثّوريّ من عبيد الله الأشجعيّ.

وفيها عمّار بن محمّد الثّوريّ الكوفيّ، ابن أخت سفيان الثّوريّ. روى عن منصور، والأعمش، وعدّة.

قال ابن عرفة: كان لا يضحك، وكنّا لا نشكّ أنه من الأبدال. انتهى.

وخرّج له مسلم والنسائي وغيرهما.

قال في «المغني» قال ابن حبّان: استحق الترك. انتهى.

وفيها أبو سفيان المعمريّ محمّد بن حميد البصريّ، نزيل بغداد، وكان محدّثا مشهورا، رحل إلى معمر فلقّب بالمعمريّ.

وفيها الوليد بن [محمّد] الموقّريّ البلقاويّ، والموقّر حصن بالبلقاء. وهو من ضعفاء أصحاب الزّهريّ.

وفيها على الأصح، عالم أهل الكوفة يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الكوفيّ الحافظ. روى عن أبيه وعاصم الأحول وطبقتهما، وعاش ثلاثا وستين سنة.

قال ابن المدنيي: انتهى العلم في زمانه إليه. ما كان بالكوفة بعد الثّوريّ أثبت منه.

وقال غيره: ولي قضاء المدائن، وكان من أصحاب أبي حنيفة، وكان ثبتا متقنا.

وفيها الحافظ الثّبت المتقن، أبو معاوية يزيد بن زريع العيشيّ، وقيل: التّيميّ البصريّ محدّث أهل البصرة. ثقة ماهر. روى عن أيوب السّختياني وطبقته.

وقال أحمد بن حنبل: كان ريحانة البصرة، ما أتقنه وما أحفظه.

وقال يحيى القطّان: ما كان هنا أحد أثبت منه.

وقال نصر بن علي الجهضميّ: رأيت يزيد بن زريع في النوم، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: دخلت الجنة. قلت: بماذا؟ قال: بكثرة الصّلاة.

وفي شهر ربيع الآخر القاضي أبو يوسف، واسمه يعقوب بن إبراهيم الكوفي قاضي القضاة، وهو أوّل من دعي بذلك. تفقّه على الإمام أبي حنيفة، وسمع من عطاء بن السّائب وطبقته.

قال يحيى بن معين: كان القاضي أبو يوسف يحبّ أصحاب الحديث ويميل إليهم.

وقال محمد بن سماعة: كان أبو يوسف يصلّي بعد ما ولي القضاء كل يوم مائتي ركعة.

وقال يحيى بن يحيى النّيسابوري: سمعت أبا يوسف يقول عند وفاته:

كلّ ما أفتيت به فقد رجعت عنه، إلّا ما وافق السّنّة. وكان مع سعة علمه، أحد الأجواد الأسخياء.

قال أبو حاتم: يكتب حديثه.

وقال أحمد بن حنبل: صدوق.

قال جميع ذلك في «العبر».

وقال ابن الأهدل: تفقّه على أبي حنيفة، وخالفه في مواضع، وروى عنه محمّد بن الحسن الشيباني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأكثر العلماء على تفضيله وتعظيمه. ولي القضاء للمهديّ وابنيه، وذكر المؤرّخون أنّ له استحسانات يخالف فيها. وروي أنه قال عند وفاته: كلّ ما أفتيت به فقد رجعت عنه، إلّا ما وافق الكتاب والسّنّة. وقال: اللهمّ إنك تعلم أنّي لم أجر

في حكم حكمت [فيه] بين اثنين من عبادك متعمّدا، ولقد اجتهدت في الحكم فيما يوافق سنّة نبيّك- ﷺ وكلّ ما أشكل عليّ فقد جعلت أبا حنيفة بيني وبينك، وكان عندي والله ممّن يعرف أمرك ولا يخرج عن الحق وهو يعلمه.

وروي أن زبيدة ابنة جعفر امرأة الرّشيد أرسلت إليه بمال وعنده جلساؤه، فقال بعضهم: قال رسول الله- ﷺ: «من أهديت له هديّة فجلساؤه شركاؤه فيها» فقال أبو يوسف: ذلك حين كانت الهدايا من الأقط والتمر.

وقال بعضهم: كان أبو يوسف يحفظ التفسير، والمغازي، وأيام العرب. وكان أقل علومه الفقه، ولم يكن في أصحاب أبي حنيفة مثله. وهو أوّل من نشر علم أبي حنيفة.

وسأله الأعمش عن مسألة فأجابه. فقال: من أين؟ قال من حديثك الذي حدّثتنيه أنت. فقال: يا يعقوب إني لأعرف الحديث قبل أن يجتمع أبواك، وما عرفت تأويله إلّا الآن.

وتناظر هو وزفر بن الهذيل عند أبي حنيفة، فأطالا، فقال أبو حنيفة

لزفر: لا تطمع في رياسة بلد فيها مثل هذا.

وكان يقول: العلم لا يعطيك بعضه حتّى تعطيه كلّك.

وعاش قريبا من سبعين سنة. انتهى ما قاله ابن الأهدل.

وقال ابن ناصر الدّين: قال أحمد بن حنبل: أول ما كتبت الحديث اختلفت إلى أبي يوسف القاضي، فكتبت عنه، وكان أبو يوسف أميل إلينا من أبي حنيفة، ومحمد.

وقال الفلّاس: أبو يوسف صدوق كثير الغلط. انتهى.

وقال ابن قتيبة في «المعارف»: هو يعقوب بن إبراهيم [بن حبيب] بن سعد بن حبتة من بجيلة، وكان سعد بن حبتة استصغر يوم أحد.

ونزل الكوفة، ومات بها، وصلّى عليه زيد بن أرقم، وكبّر عليه خمسا.

وكان أبو يوسف يروي عن الأعمش، وهشام بن عروة، وغيرهما.

وكان صاحب حديث، حافظا، ثم لزم أبا حنيفة، فغلب عليه الرأي.

وولي قضاء بغداد، فلم يزل بها إلى أن مات، وابنه يوسف ولي القضاء أيضا بالجانب الغربي في حياة أبيه، وتوفي سنة اثنتين وتسعين ومائة. انتهى كلام ابن قتيبة.

وقال ابن خلّكان: هو أول من غيّر لباس العلماء إلى هذه الهيئة التي هم عليها في هذا الزمان، وكان ملبوس النّاس قبل ذلك شيئا واحدا لا يتميز أحد على أحد بلباسه. انتهى.

وقال غير واحد: كان يحفظ في المجلس الواحد خمسين حديثا بأسانيدها.

قال ابن الفرات في «تاريخه»: روى علي بن حرملة عن أبي يوسف- ﵀ قال: كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مقلّ رثّ المنزل، فجاء أبي يوما وأنا عند أبي حنيفة، فانصرفت معه، فقال: يا بني أنت محتاج إلي المعاش، وأبو حنيفة مستغن، فقصرت عن طلب العلم وآثرت طاعة أبي، فتفقّدني أبو حنيفة وسأل عنّي، فلما أتيته بعد تأخيري عنه قال: ما خلّفك؟

قلت: الشغل بالمعاش، وطاعة والدي، فلما أردت الانصراف أومأ إليّ فجلست، فلما قام النّاس دفع إليّ صرّة وقال: استعن بهذه والزم الحلقة، وإذا فقدت هذه فأعلمني، فإذا فيها مائة درهم، فلزمت الحلقة، فكان يتعاهدني بشيء بعد شيء، وما أعلمته بنفاد شيء حتّى استغنيت، وتموّلت، فلزمت مجلسه حتّى بلغت حاجتي، وفتح الله لي ببركته وحسن نيّته، فأنتج من العلم المال، فأحسن الله مكافأته وغفر له.

وقال ابن عبد البرّ: كان أبو يوسف القاضي فقيها، عالما، حافظا، ذكر أنه كان يعرف بالحديث، وأنه كان يحضر التحديث فيحفظ خمسين حديثا وستين حديثا ثم يقوم فيمليها على النّاس.

وكان كثير الحديث، وكان جالس محمد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، ثم جالس أبا حنيفة- ﵄ وكان الغالب عليه مذهبه، وربما كان يخالفه أحيانا في المسألة بعد المسألة. وكان يقول في دبر كلّ صلاة:

اللهمّ اغفر لي ولأبي حنيفة.

ثم قال ابن عبد البرّ: ولا أعلم قاضيا كان إليه تولية القضاء في الآفاق من المشرق إلى المغرب إلّا أبا يوسف في زمانه، وهو أول من لقّب بقاضي القضاة.

وقال محمد بن جعفر: أبو يوسف مشهور الأمر، ظاهر الفضل، وهو أفقه أهل عصره، ولم يتقدم عليه أحد في زمانه. وكان بالنهاية في العلم، والحلم، والرياسة، والقدر، والجلالة. وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل ونشرها، وبثّ علم أبي حنيفة في أقطار الأرض.

وقال الصّيمريّ: بلغني أن الرّشيد- ﵀ مشى أمام جنازة أبي يوسف- ﵀ وصلّى عليه بنفسه، ودفنه في مقبرة أهله في مقابر قريش بكرخ بغداد بقرب أمّ جعفر زبيدة.

وقال الرّشيد حين دفن أبو يوسف: ينبغي لأهل الإسلام أن يعزّي بعضهم بعضا بأبي يوسف.

قيل: رأى معروف الكرخيّ ليلة وفاة أبي يوسف كأنه دخل الجنة فرأى قصرا قد فرشت مجالسه وأرخيت ستوره، وقام ولدانه. قال معروف: فقلت:

لمن هذا القصر؟ فقيل: لأبي يوسف القاضي. فقلت: سبحان الله، وبم استحقّ هذا من الله تعالى؟ قالوا: بتعليمه الناس العلم وصبره على أذاهم.

قيل: مرض أبو يوسف- ﵀ في حياة أبي حنيفة- ﵁ مرضا شديدا فقيل له: توفي، فقال: لا، فقيل: من أين علمت هذا؟

قال: لأنه خدم العلم ولم يجن ثمرته، لا يموت حتّى يجني ثمرته. فاجتنى ثمرته بأن ولي القضاء، وتوفي وله سبعمائة ركاب ذهب، فصدق أبو حنيفة- ﵁ في الفراسة. انتهى ما ذكره ابن الفرات.

وفيها، وقيل: قبلها أو بعدها، توفي يونس بن حبيب النحويّ، أحد الموالي المنجبين، أخذ الأدب عن أبي عمرو بن العلاء وغيره. وهو في الطبقة الخامسة من الأدب بعد علي- كرّم الله وجهه- اختلف إليه أبو عبيد

أربعين سنة، وأبو زيد عشر سنين، وخلف الأحمر عشرين سنة. وله عدّة تصانيف. وكان يقول: فرقه الأحباب سقم الألباب، وينشد:

شيئا لو بكت الدّماء عليهماعيناي حتّى تؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقّيهماشرخ الشباب وفرقة الأحباب
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «شيئان لو بكت الدماء عليهما»

ومات يونس وله مائة سنة وسنتان.

وفيها، وقيل: في التي قبلها، مروان بن أبي حفصة الشاعر اليماميّ.

روي أنه لما مدح الرّشيد بقصيدته السبعين التي يقول فيها:

إليك قصرنا النّصف من صلواتنامسيرة شهر بعد شهر نواصله
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «صحا بعد جهل فاستراحت عواذله»
ولا نحن نخشى أن يخيب رجاؤنالديك ولكن أهنأ البرّ عاجله

أعطاه سبعين ألف درهم. قبل أن يتمّها.

ومن أجود شعره قوله في معن بن زائدة قصيدته اللّاميّة، وفضّل بها على شعراء أرضه وأعطاه ثلاثمائة ألف درهم. ومدح ولد مروان شراحيل ابن معن بقوله:

يا أكرم النّاس من عجم ومن عربويا ذوي الفضل والإحسان والحسب
أعطى أبوك أبي مالا فعاش بهفأعطني مثل ما أعطى أبوك أبي
ما حلّ قطّ أبي أرضا أبوك بهاإلّا وأعطاه قنطارا من الذّهب

فأعطاه قنطارا [من الذهب] والقنطار ألف أوقيّة ومائتا أوقيّة، وقيل: غير ذلك.

ومثل هذه الحكاية ما روي أنه لما حبس عمر بن الخطّاب- ﵁ الحطيئة في هجوه للناس كتب إليه:

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخحمر الحواصل لا ماء ولا شجر
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ»
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمةفارحم عليك سلام الله يا عمر
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ»
أنت الّذي قام فيهم بعد صاحبهألقت إليك مقاليد النّهى البشر
ما آثروك بها إذ قدّموك لهالكن لأنفسهم قد كانت الأثر

فأطلقه وشرط عليه أن يكفّ لسانه. فقال له: إذ منعتني التكسّب بلساني فاكتب لي إلى علقمة بن علاثة العامري. فامتنع عمر. فقيل له:

يا أمير المؤمنين، ما عليكم في ذلك؟ فاكتب له، فإنه ليس من عمّالك، وقد تشفّع بك إليه. فكتب [له بما أراد]، ورحل إليه، فصادف النّاس منصرفين من جنازته وولده واقف على قبره، فأنشد الحطيئة:

لعمري لنعم المرء من آل جعفربحوران أمسى علّقته الحبائل
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أرى العير تحدى بين قو وضارج»
فإن تحي لا أملل حياتي وإن تمتفما في حياتي بعد موتك طائل
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «دعاك الهوى واستجهلتك المنازل»
وما كان بيني لو لقيتك سالماوبين الغنى إلّا ليال قلائل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «فلا زال قبر بين بثنى وجلق»

فقال له ابنه: كم ظننت أنه كان يعطيك؟ قال: مائة ناقة يتبعها مائة [من أولادها] فأعطاه إياها.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.