من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ست وتسعين ومائة
فيها توثّب الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان ببغداد، فخلع الأمين في رجب وحبسه، ودعا إلى بيعة المأمون، فلم يلبث [أن وثب] الجند عليه، فقتلوه وأخرجوا الأمين، وجرت أمور طويلة، وفتنة كبيرة.
وفيها توفي قاضي البصرة أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبريّ في ربيع الآخر، روى عن حميد الطويل وطبقته، وكان أحد الحفّاظ.
قال يحيى القطّان: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز، أثبت من معاذ ابن معاذ.
وقال أحمد: كان ثبتا، وما رأيت أعقل منه.
وفيها قاضي شيراز ومحدّثها، سعد بن الصّلت الكوفيّ. روى عن الأعمش وطبقته، وكان حافظا.
قال سفيان: ما فعل سعد بن الصلت؟ قالوا: ولي القضاء قال: ذره واقعد في الحشّ.
قال في «العبر»: قلت: آخر من روى عنه سبطه إسحاق بن إبراهيم شاذان. انتهى.
وفيها أبو نواس الحسن بن هانئ الحكميّ الأديب، شاعر العراق.
قال ابن عيينة: هو أشعر النّاس.
وقال الجاحظ: ما رأيت أعلم باللغة منه.
قال ابن الأهدل: كان أبوه من جند مروان الصغير الأموي، فتزوج امرأة بالأهواز، فولدت أبا نواس، فلما ترعرع أصحبته أبا أسامة الشاعر، فنشأ على يديه، وقدم به بغداد فبرع في الشعر، وعداده في الطبقة الأولى من المولّدين، وشعره عشرة أنواع، وقد اعتنى بشعره جماعة فجمعوه، ولهذا يوجد «ديوانه» مختلفا، وكان المأمون يقول: لو وصفت الدّنيا نفسها ما بلغت قول أبي نواس:
ألا كلّ حيّ هالك وابن هالكوذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفتله عن عدو في ثياب صديق
وكني بأبي نواس، لذؤابتين كانتا على عاتقه تنوسان، وأثنى عليه ابن عيينة وعلماء عصره بالفصاحة والبلاغة.
وقال أبو حاتم: لو كتبت بيتيه هذين بالذّهب لما كثر وهما:
ولو أني استزدتك فوق ما بيمن البلوى لأعوزك المزيد
ولو عرضت على الموتى حياتيبعيش مثل عيشي لم يريدوا
وله نوادر حسان رائقة، واقترح عليه الرّشيد مرّات أن ينظم له [على] قضايا خفيّة يعرفها في داره ونسائه فيأتي على البديهة بما لو حضرها وعاينها لم يزد على ذلك. انتهى كلام ابن الأهدل.
ومن لطيف شعره قوله بديها، وهو من ألطف بديهة وأبدعها:
ودار ندامى عطّلوها وأدلجوابها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من جرّ الزّقاق على الثرىوأضغاث ريحان جنيّ ويابس
ولم أدر من هم؟ غير ما شهدت بهبشرقيّ ساباط الدّيار البسابس
حبست بها صحبي فجدّدت عهدهموإني على أمثال تلك لحابس
أقمنا بها يوما ويوما وثالثاويوما له يوم الترحّل خامس
تدار علينا الرّاح في عسجديّةحبتها بأنواع التّصاوير فارس
قرارتها كسرى وفي جنباتهامها تدّريها بالقسيّ الفوارس
فللخمر ما زرّت عليه جيوبهاوللرّاح ما دارت عليه القلانس
وقد اختلف في معنى قوله «أقمنا بها يوما ويوما إلخ» فقال ابن هشام:
ثمانية أيام.
وقال الدّمامينيّ في «شرح المغني»: سبعة، لأن يوم الترحل ليس من
أيام الإقامة، فليتأمل.
وقال ابن الفرات: أبو نواس الحسن بن هانئ البصريّ مولى الحكم بن سعد العشيرة- سمي سعد العشيرة لأنه لم يمت حتّى ركب معه من ولده وولد ولده مائة رجل- وتوفي وعمره اثنتان وخمسون سنة، والحسن أحد المطبوعين، وكان كثير المجون.
قيل: عاتب أبو العتاهية الحسن على مجونه، فقال الحسن:
والنّفس لا تقلع عن غيّهاما لم يكن منها لها زاجر
فقال أبو العتاهية: وددت أنّ هذا البيت بشعري كلّه، ورأى رجل الحسن في النوم فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: رحمني بأبيات قلتها، وهي:
يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرةفلقد علمت بأنّ عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلّا محسنفبمن يلوذ ويستجير المجرم
أدعوك ربّ كما أمرت تضرّعاولئن رددت يدي فمن ذا يرحم
ما لي إليك وسيلة إلّا الرّجاوجميل ظنّي ثمّ إني مسلم
انتهى.
وقال الحصري في كتابه «قطب السرور»: قال ابن نوبخت: توفي أبو نواس في منزلي، فسمعته يوم مات يترنّم بشيء، فسألته عنه، فأنشدني:
باح لساني بمضمر السّرّوذاك أني أقول بالدّهر
وليس بعد الممات منقلبوإنّما الموت بيضة العمر
والتفت إلى من حوله فقال: لا تشربوا الخمر صرفا، فإني شربتها صرفا فأحرقت كبدي ثم طفئ. انتهى، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع