من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة تسع وثمانين ومائة
فيها كان الفداء الذي لم يسمع بمثله حتّى لم يبق بأيدي الرّوم مسلم إلّا فودي به.
وفيها توهّم الرّشيد في علي بن عيسى بن ماهان أمير خراسان الخروج، فسار حتّى نزل بالرّيّ، فبادر إليه علي بأموال، وجواهر، وتحف، تتجاوز الوصف، فأعجب الرّشيد وردّه على عمله.
وفيها توفي في صحبة الرّشيد شيخ القراءات والنحو الإمام أبو الحسن عليّ بن حمزة الأسديّ الكوفيّ الكسائيّ، أحد السبعة، قرأ على حمزة، وأدّب الرّشيد وولده الأمين، وهو من تلامذة الخليل.
قال الشّافعيّ: من أراد أن يتبحّر في النحو فهو عيال على الكسائيّ.
وعنه قال: من تبحّر في النحو اهتدى إلى جميع العلوم.
وقال: لا أسأل عن مسألة في الفقه إلّا أجبت عنها من قواعد النحو، فقال له محمد بن الحسن: ما تقول فيمن سها في سجود السهو، يسجد؟
قال: لا، لأن المصغّر لا يصغّر.
وله مع اليزيدي وسيبويه مناظرات كثيرة. توفي بالرّيّ صحبة هارون.
وفي ذلك اليوم مات محمد بن الحسن الحنفيّ، فقال الرّشيد: دفنت
العربية والفقه بالرّيّ اليوم.
ومع تبحّر الكسائيّ في النحو والعربية لم يكن له معرفة بالشعر.
وقيل له: الكسائيّ لأنه أحرم في كساء، وقيل: لأنه جاء إلى حمزة ضائفا بكساء، فقال حمزة: من يقرأ؟ فقيل: صاحب الكساء، فبقي عليه اللقب.
وأما محمّد بن الحسن المذكور، فكان فصيحا بليغا.
قال الشّافعيّ: لو قلت: إن القرآن نزل بلغة محمّد بن الحسن لفصاحته لقلت.
وصنّف «الجامع الكبير»، و «الجامع الصغير»، وكان منشؤه بالكوفة، وتفقّه بأبي حنيفة، ثم بأبي يوسف.
قال الشّافعيّ: ما رأيت سمينا ذكيا إلّا محمّد بن الحسن.
قال في «العبر»: قاضي القضاة وفقيه العصر أبو عبد الله محمّد بن الحسن الشّيبانيّ مولاهم، الكوفيّ المنشأ، ولد بواسط، وعاش سبعا وخمسين سنة. وسمع أبا حنيفة، ومالك بن مغول وطائفة، وكان من أذكياء العالم.
قال أبو عبيد: ما رأيت أعلم بكتاب الله منه.
وقال الشّافعيّ: لو أشاء أن أقول نزل القرآن بلغة محمّد بن الحسن لقلت، لفصاحته. وقد حملت عنه وقر بختيّ.
وقال محمد: خلّف أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقت نصفها على النحو والشعر، وأنفقت الباقي على الفقه.
قال الخطيب: وولي القضاء بعد محمّد بن الحسن عليّ بن حرملة التيميّ صاحب أبي حنيفة. انتهى كلام «العبر».
وقال ابن الفرات: محمد بن الحسن بن فرقد الشّيبانيّ الإمام الربّانيّ صاحب أبي حنيفة- ﵁ أصله دمشقي من أهل قرية حرستا. قدم أبوه العراق، فولد محمّد براسك سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل: سنة إحدى، وقيل: سنة خمس وثلاثين، ونشأ بالكوفة، وطلب الحديث، وسمع سماعا كثيرا، وجالس أبا حنيفة. وسمع منه، ونظر في الرأي، وغلب عليه، وعرف به، وكان من أجمل النّاس وأحسنهم.
قال أبو حنيفة لوالده حين حمله إليه: احلق شعر ولدك وألبسه الخلقان من الثياب لا يفتتن به من رآه. قال محمد: فحلق والدي شعري، وألبسني الخلقان، فزدت عند الخلق جمالا.
وقال الشّافعيّ- ﵀: أول ما رأيت محمدا وقد اجتمع النّاس عليه، فنظرت إليه فكان من أحسن النّاس وجها، ثم نظرت إلى جبينه فكأنه عاج، ثم نظرت إلى لباسه فكان من أحسن النّاس لباسا، ثم سألته عن مسألة فيها خلاف فقوّى مذهبه ومرّ فيها كالسهم.
وكان الشّافعيّ- ﵁ يثني على محمد بن الحسن ويفضّله، وقد تواتر عنه بألفاظ مختلفة قال: ما رأيت أحدا سأل عن مسألة فيها نظر إلّا رأيت الكراهية في وجهه، إلّا محمد بن الحسن.
وقال: ما رأيت أعلم بكتاب الله من محمّد بن الحسن، ولا أفصح منه.
وقال: ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام، والعلل، والناسخ والمنسوخ من محمد بن الحسن.
وقال: لو أنصف الناس لعلموا أنهم لم يروا مثل محمد بن الحسن.
ما جالست فقيها قطّ أفقه ولا أفتق لسانه بالفقه منه، إنه كان يحسن من الفقه وأسبابه أشياء تعجز عنها الأكابر.
وقيل للشافعيّ: قد رأيت مالكا وسمعت منه، ورافقت محمّد بن الحسن، فأيّهما كان أفقه؟ فقال: محمد بن الحسن أفقه نفسا منه.
وقال أبو عبيد: قدمت على محمد بن الحسن فرأيت الشّافعيّ عنده، فسأله عن شيء فأجابه، فاستحسن الجواب، فكتبه، فرآه محمّد، فوهب له دراهم وقال له: الزم إن كنت تشتهي العلم، فسمعت الشّافعيّ- ﵁ - يقول: لقد كتبت عن محمّد وقر بعير ذكر، لأنه يحمل الكثير، ولولاه ما انفتق لي من العلم ما انفتق.
وكان محمد قاضيا للرّشيد بالرّقّة، وكان كثير البرّ بالإمام الشّافعي- ﵁ في قضاء ديونه والإنفاق عليه من ماله، وإعارة الكتب، حتّى يقال: إنه دفع له حمل بعير كتبا.
وقد ذكر بعض الشافعية أن محمد بن الحسن وشى بالإمام الشّافعيّ- ﵁ في قضاء ديونه والإنفاق عليه من ماله، وإعارة الكتب، حتّى يقال: إنه دفع له حمل بعير كتبا.
وقد ذكر بعض الشافعية أن محمد بن الحسن وشى بالإمام الشّافعيّ- ﵁ إلى الخليفة بأنه يدّعي أنه يصلح للخلافة، وكذا أبو يوسف- رحمهما الله- وهذا بهتان وافتراء عليهما، والعجب منهم كيف نسبوا هذا إليهما مع علمهم بأن هذا لا يليق بالعلماء ولا يقبله عقل عاقل؟. انتهى
ما ذكره ابن الفرات ملخصا.
قلت: ويصدّق مقال ابن الفرات ما ذكره حافظ المغرب الثقة الحجّة الثبت ابن عبد البرّ المالكيّ في ترجمة الشافعي- ﵁ قال:
حمل الشّافعيّ من الحجاز مع قوم من العلوية تسعة وهو العاشر إلى بغداد، وكان الرّشيد بالرّقّة، فحملوا من بغداد إلى الرّقّة، وأدخلوا عليه ومعه قاضيه محمّد بن الحسن الشيباني، وكان صديقا للشافعيّ، وأحد الذين جالسوه في العلم وأخذوا عنه، فلما بلغه أن الشّافعيّ في القوم الذين أخذوا من قريش واتهموا بالطعن على هارون الرّشيد اغتمّ لذلك غمّا شديدا، وراعى وقت دخولهم على الرّشيد، فلما دخلوا عليه سألهم وأمر بضرب أعناقهم، فضربت أعناقهم، إلى أن بقي حدث علوي من أهل المدينة- قال الشّافعيّ: وأنا- فقال للعلويّ: أنت الخارج علينا والزاعم أنّي لا أصلح للخلافة؟ فقال: أعوذ بالله أن أدعي ذلك وأقوله، فأمر بضرب عنقه، فقال له العلويّ: إن كان لا بدّ من قتلي فأنظرني إلى أن أكتب إلى أمّي فهي عجوز لم تعلم خبري، فأمر بقتله فقتل.
ثم قدمت ومحمد بن الحسن جالس معه، فقال لي مثل ما قال للفتى، فقلت: يا أمير المؤمنين لست بطالبيّ ولا علويّ، وإنما أدخلت في القوم بغيا، وإنما أنا رجل من بني عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي، ولي مع ذلك حظ من العلم، والفقه، والقاضي يعرف ذلك، أنا محمد بن إدريس بن العبّاس بن عثمان بن شافع بن السائب بن يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف، فقال لي: أنت محمّد بن إدريس؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال لي: ما ذكرك لي محمّد بن الحسن، ثم عطف على محمد بن الحسن فقال: يا محمد ما يقول هذا؟ هو كما يقوله؟ قال: بلى، وله محل من العلم كبير، وليس الذي رفع عنه من شأنه. قال: فخذه إليك حتّى أنظر في أمره، فأخذني محمّد- ﵀ وكان سبب خلاصي لما أراد الله ﷿،
هذا لفظ ابن عبد البرّ بعينه.
فيجب على كل شافعي إلى يوم القيامة أن يعرف هذا لمحمّد بن الحسن ويدعو له بالمغفرة.
وقال ابن خلّكان: قال الرّبيع بن سليمان: كتب الشّافعيّ- ﵀ إلى محمّد بن الحسن- ﵀ وقد طلب منه كتبا له ليستنسخها فتأخّرت عنه:
قل لمن لم تر عين من رآه مثله
ومن كأنّ من رآهـ قد رأى من قبله
العلم ينهى أهلهأن يمنعوه أهله
لعلّه يبذلهلأهله لعلّه
ويسمى محمد ابن أبي حنيفة، وهو ابن خالة الفرّاء صاحب النحو واللغة. انتهى ملخصا.
وفيها توفي أبو محمّد عبد الأعلى بن عبد الأعلى السّاميّ البصريّ القرشيّ. أحد علماء الحديث. سمع من حميد الطّويل وطبقته.
قال ابن ناصر الدّين: صدوق من الأثبات، لكنه رمي بالقدر. وتكلم فيه بندار، وليّنه ابن سعد في «الطبقات». انتهى.
وقال في «المغني»: صدوق. قال ابن سعد: لم يكن بالقوي.
قلت: ورمي بالقدر. انتهى.
وفيها أبو خالد الأحمر سليمان بن حيّان الكوفيّ، أحد الكبار. روى عن أبي مالك الأشجعي وخلق من طبقته.
قال ابن ناصر الدّين: هو سليمان بن حيّان أبو خالد الأزديّ الجعفريّ الكوفيّ.
قال ابن معين، وابن عدي عنه: صدوق ليس بحجة، ووثّقه غيرهما.
انتهى.
وفيها قاضي الموصل عليّ بن مسهر أبو الحسن الكوفيّ الفقيه. روى عن أبي مالك الأشجعي وأقرانه.
قال أحمد: هو أثبت من أبي معاوية في الحديث.
وقال أحمد العجلي: ثقة جامع للفقه والحديث.
وحكّام بن سلم الرّازيّ. يروى عن حميد الطّويل، وطبقته.
وفيها، وقيل: قبلها بعام، يحيى بن اليمان العجليّ الكوفيّ الحافظ.
روى عن هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، وطائفة.
ذكره أبو بكر بن عيّاش فقال: ذاك راهب.
وعن وكيع قال: ما كان أحد من أصحابنا أحفظ منه. كان يحفظ في المجلس خمسمائة حديث، ثم نسي.
وقال ابن المديني: صدوق تغيّر من الفالج.
وقال ابن ناصر الدّين: يحيى بن اليمان العجليّ الكوفيّ أبو زكريّا، قرأ القرآن على حمزة الزّيّات. وحدّث عن جماعة. كان صدوقا من حفّاظ هذا
الشأن، فلج فتغيّر حفظه فغلط فيما يرويه، ومن ثم تكلّم من تكلّم فيه.
انتهى.
وفيها، أو في حدودها، محمّد بن مروان السّدّيّ الصغير الكوفيّ المفسّر، صاحب الكلبيّ، وهو متروك الحديث.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع