من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة سبع وثمانين ومائة
فيها- على ما قاله في «العبر» - خلعت الرّوم من الملك الست ريني وهلكت بعد أشهر، وأقاموا عليهم نقفور والرّوم تزعم أن نقفور من ولد جفنة الغساني الذي تنصر، وكان نقفور قبل الملك يلي الديوان، فكتب نقفور هذا الكتاب:
من نقفور ملك الرّوم، إلى هارون ملك العرب.
أما بعد: فإن الملكة كانت قبلي أقامتك مقام الرّخّ وأقامت نفسها مقام البيذق فحملت إليك من أموالها وذلك لضعف النساء وحمقهنّ، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل قبلك وافتد نفسك، وإلّا فالسيف بيننا.
فلما قرأ الرّشيد الكتاب اشتد غضبه وتفرّق جلساؤه خوفا من بادرة تقع منه. ثم كتب بيده على ظهر الكتاب:
من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الرّوم. قرأت كتابك يا ابن
الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه.
ثم ركب من يومه وأسرع حتّى نزل مدينة هرقلة، وأوطأ الرّوم ذلّا وبلاء، فقتل، وسبى، وذلّ نقفور وطلب الموادعة على خراج يحمله، فأجابه. فلما ردّ الرّشيد إلى الرّقّة. نقض نقفور، فلم يجسر أحد أن يبلّغ الرّشيد حتّى عملت الشعراء أبياتا يلوّحون بذلك. فقال: أوقد فعلها؟ فكرّ راجعا في مشقّة الشتاء حتّى أناخ بفنائه ونال مراده. وفي ذلك يقول أبو العتاهية:
ألا نادت هرقلة بالخرابمن الملك الموفّق للصّواب
غدا هارون يرعد بالمناياويبرق بالمذكّرة الصّعاب
ورايات يحلّ النّصر فيهاتمرّ كأنّها قطع السّحاب
وفيها غضب الرّشيد على البرامكة وضرب عنق جعفر بن يحيى البرمكيّ الوزير أحد الأجواد الفصحاء البلغاء، وكان قد تفقّه على القاضي أبي يوسف، فلأجل ذلك كانت توقيعاته على منهج الفقه.
وكتب إلى بعض العمال.
أما بعد: فقد كثر شاكوك وقلّ شاكوك، فإما اعتدلت، وإما عزلت.
وقال يهودي للرّشيد: إنك تموت هذه السنة. فاغتمّ وشكا إلى جعفر.
فقال جعفر لليهوديّ: كم عمرك أنت؟ قال: كذا وكذا مدة طويلة. فقال للرّشيد: اقتله حتّى تعلم أنه كذب. فقتله وذهب ما عنده.
وكان جعفر يتحكّم في مملكة الرّشيد بما أراد من غير مشاورة فينفّذها الرّشيد.
وأوّل من ولي الوزارة منهم خالد بن برمك للسّفّاح. وسبب قتله أمور انضمّ بعضها إلى بعض، منها: أنه زوج الرّشيد جعفرا العبّاسة لغرض الاجتماع والمحرمية، وشرط عليه ألّا يجتمع بها، فقدر الاجتماع لحصول رغبة من العبّاسة.
حكى الشيخ شهاب الدّين بن أبي حجلة في «ديوان الصبابة» أن العبّاسة كتبت إلى جعفر قبل مواقعته إيّاها:
عزمت على قلبي بأن يكتم الهوىفصاح ونادى إنني غير فاعل
فإن لم تصلني بحت بالسّرّ عنوةوإن عنّفتني في هواك عواذلي
وإن كان موت لا أموت بغصّتيوأقررت قبل الموت أنّك قاتلي
فواقعها، وحملت منه، وولدت سرّا. فأرسلت الولد إلى مكّة. ثم اتصل خبره بالرّشيد.
ومنها أنّ الرّشيد سلّم لجعفر يحيى بن عبد الله بن الحسن المثنّى، وكان قد خرج عليه، وأمره بحبسه عنده، فرقّ له جعفر لقرابته من رسول الله- ﷺ واتّصاله به، فأطلقه، فلما بلغ الرّشيد إطلاقه أضمرها له. وقال:
قتلني الله على البدعة إن لم أقتله.
ومنها أنه رفعت إليه رقعة لم يعرف صاحبها مكتوب فيها:
قل لأمين الله في أرضهومن إليه الحلّ والعقد
هذا ابن يحيى قد غدا مالكامثلك ما بينكما حدّ
أمرك مردود إلى أمرهوأمره ليس له ردّ
[وقد بنى الدّار التي ما بنى ال- فرس لها مثلا ولا الهند
الدّرّ والياقوت حصباؤهاوتربها العنبر والنّدّ]
ونحن نخشى أنّه وارثملكك إن غيّبك اللّحد
ولن يباهي العبد أربابهإلّا إذا ما بطر العبد
ومع ذلك فقد كان الرّشيد رأى إقبال النّاس على البرامكة وكثرة أتباعهم وأشياعهم، مع الإدلال العظيم منهم، ومع الإغراء من أعدائهم، كالفضل بن الرّبيع وغيره، ومع ذلك فكان الرّشيد إذا ذكرت مساوئهم عنده يقول:
أقلّوا ملاما لا أبا لأبيكمعن القوم أو سدّوا المكان الّذي سدّوا
ولما أذن الله سبحانه ببلائهم، ظهرت منامات وعلامات لهم ولغيرهم، وإشارات تطول.
منها أن يحيى بن خالد حجّ فتعلّق بأستار الكعبة، وقال:
اللهمّ إن كان رضاك في أن تسلبني نعمك فاسلبني، وإن كان رضاك في أن تسلبني أهلي وولدي فاسلبني، إلّا الفضل. ثم رجع وقال: اللهمّ إنه قبيح بمثلي أن يستثني عليك. اللهمّ والفضل.
ومنها ما حكى سهل بن هارون قال: كنت أكتب بين يدي يحيى بن خالد البرمكيّ، فأخذته سنة، فقال: طرقني النوم. فقلت: ضيف كريم إن قرّبته روّحك وإن منعته عذّبك. قال: فنام فواق ناقة، وانتبه مذعورا. فقال:
ذهب والله ملكنا، رأيت منشدا أنشدني:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفاأنيس ولم يسمر بمكّة سامر
فأجبته:
بلى نحن كنّا أهلها فأبادناصروف اللّيالي والجدود العواثر
فقتل جعفر بن يحيى بن خالد بعد أيام.
ومنها أن جعفر وقف على كنيسة بالحيرة فيها حجر مكتوب لا تفهم كتابته. فقال: هاتوا من يترجمه، وقد جعلت ما فيه فألا لما أخافه من الرّشيد، فإذا فيه:
إنّ بني المنذر عام انقضوابحيث شاد البيعة الرّاهب
أضحوا ولا يرجوهم راغبيوما ولا يرهبهم راهب
تنفح بالمسك ذفاريهموالعنبر الورد له قاطب
فأصبحوا أكلا لدود الثّرىوانقطع المطلوب والطّالب
فحزن جعفر.
ومنها أنّ الرّشيد لما نزل بالأنبار وفي صحبته جعفر، وكانت ليلة السبت لانسلاخ المحرّم، وقيل: أول ليلة من صفر من هذه السنة مضى جعفر إلى منزله فأتاه أبو زكّار الأعمى الكلوذاني فاستحضره وجواريه خلف الستارة يضربن، وأبو زكّار يغنّيه:
فلا تبعد فكلّ فتى سيأتيعليه الموت يطرق أو يغادي
وكلّ ذخيرة لا بدّ يوماوإن بقيت تصير إلى نفاد
ولو فوديت من حدث اللّياليفديتك بالطّريف وبالتّلاد
فتطيّر جعفر ودخل عليه الرّسول الذي يريد قتله في تلك الحال، وعلى تلك الهيئة.
وذكر الطبريّ في «تاريخه الكبير» في حوادث سنة سبع وثمانين وماية أن الرّشيد دعا ياسرا غلامه وقال: امض فأتني برأس جعفر، فأتى ياسر منزل جعفر ودخل عليه هجما بلا إذن وأبو زكّار يغنّيه، فقال له جعفر:
يا ياسر سررتني بإقبالك وسؤتني بدخولك بلا إذن، فقال ياسر: الأمر أكبر من ذلك، أمير المؤمنين أمرني بكذا، فقال: دعني لأدخل فأوصي. قال: لا سبيل إلى ذلك. قال: فأسير معك لمنزل أمير المؤمنين بحيث يسمع كلامي. قال:
لك ذلك، ومضيا إلى منزل أمير المؤمنين، ودخل ياسر عليه وعرّفه الخبر. فقال:
يا ماصّ بظر أمّه، والله لئن راجعتني فيه لأقتلنّك قبله. فرجع ياسر، فأخذ رأس جعفر ودخل به إلى الرّشيد فوضعه بين يديه، فنظر إليه وبكى، ثم قال:
يا ياسر جئني بفلان وفلان، فلما أتاه بهما، قال لهما: اضربا عنق ياسر، فإني لا أقدر أن أرى قاتل جعفر، ففعلا. انتهى.
وقيل غير ذلك في كيفية قتله ومن قتله.
ثم أمر الرّشيد في تلك الليلة بتوجيه من أحاط بيحيى بن خالد وولده
الفضل وبقية أولاده، ومن كان منه بسبيل، فحبسوا، واستمر يحيى والفضل في السجن إلى أن ماتا، ولهما قصائد طنّانة تستعطف الرّشيد عليهم لم ينتج منها شيء.
ثم فرّق الرّشيد الكتب من ليلته في جميع البلدان والأعمال في قبض أموالهم وأخذ وكلائهم، ولما أصبح بعث بجثّة جعفر بن يحيى مع جماعة منهم مسرور الخادم وأمرهم بقطعها وصلبها، فقطعت قطعتين، فصلبت قطعة على الجسر الأعلى، وقطعة على الجسر الأسفل، ونصب رأس جعفر على الجسر الأوسط، وأمر الرّشيد بالنداء في جميع البرامكة أن لا أمان لمن آوى أحدا منهم، ومنع النّاس من التقرّب إلى جعفر. فرأى أبا قابوس الرّقاشيّ قائما تحت جذعة يزمزم بشعر يرثيه، فقال له: ما كنت قائلا تحت جذع جعفر؟
قال: أو ينجيني منك الصدق؟ قال: نعم، قال: ترحّمت عليه وقلت:
أمين الله هب فضل بن يحيىلنفسك أيّها الملك الهمام
وما طلبي إليك العفو عنهوقد قعد الوشاة به وقاموا
أرى سبب الرّضا فيه قويّاعلى الله الزّيادة والتّمام
نذرت عليّ فيه صيام عامفإن وجب الرّضا وجب الصّيام
وهذا جعفر بالجسر تمحومحاسن وجهه ريح قتام
أقول له وقمت لديه نصباإلى أن كاد يفضحني القيام
أما والله لولا قول واشوعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمناكما للنّاس بالرّكن استلام
فما أبصرت مثلك يا بن يحيىحسام فلّه السيف الحسام
على اللّذّات في الدّنيا جميعالدولة آل برمك السّلام
فلما سمع هارون الرّشيد ذلك أطرق مليّا واستعبر، ثم قال رجل: أولى جميلا، فقال: جميلا، يا غلام ناد بأمان أبي قابوس، ولا يعارض، ولا
يحجب عنّا بعد في مهمّ من مهمّاته. ثم استصفى الرّشيد أموال البرامكة وأخذ ضياعهم، وأموالهم، ومتاعهم، فوجد لهم مما حباهم به اثني عشر ألف ألف. ووجد من سائر أموالهم ثلاثين ألف ألف وستمائة ألف وستة وسبعين ألفا، وأما غير الأموال من الضّياع، والغلّات، والأواني فشيء لا يوصف أقلّه، ولا يعرف أيسره، فضلا عن جميعه، إلّا من أحصى الأعمال وعرف منتهى الآجال.
وما ذكرنا قطرة من بحر من أخبارهم، والله أعلم.
ولما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر، حوّل وجهه إلى القبلة وقال:
اللهمّ إنه كان قد كفاني مؤونة الدّنيا فاكفه مؤونة الآخرة.
وفيها توفي محمّد بن عبد الرّحمن الطّفاويّ البصريّ. سمع أيوب السّختياني وجماعة.
قال في «المغني»: محمّد بن عبد الرّحمن الطّفاويّ، من شيوخ أحمد، وثقوه.
وقال أبو زرعة: منكر الحديث. انتهى.
ورباح بن زيد الصنعانيّ صاحب معمر.
قال أحمد، كان خيارا. ما أرى في زمانه [من] كان خيرا منه. انقطع في بيته.
وعبد الرّحيم بن سليمان الرّازيّ نزيل الكوفة. كان ثقة صاحب حديث. له تصانيف. روى عن عاصم الأحول وخلق.
وعبد السّلام بن حرب الملائيّ الكوفيّ الحافظ. وله ست وتسعون
سنة. روى عن أيوب السّختياني وطبقته.
قال في «المغني»: صدوق، قال ابن سعد: فيه ضعف. انتهى.
وخرّج له العقيليّ.
وقال ابن ناصر الدّين: عبد السّلام بن حرب البصريّ ثم الكوفيّ أبو بكر الملائيّ كان مسندا، ثقة، معمّرا، في حديثه لين. انتهى.
وعبد العزيز بن عبد الصّمد البصريّ الحافظ. روى عن أبي عمران الجوني والكبار. وكان يكنّى أبا عبد الصّمد.
قال ابن ناصر الدّين: كان حافظا من الثقات والمشايخ الأثبات.
انتهى.
وفيها أبو محمّد عبد العزيز بن محمّد الدّراورديّ المدنيّ. روى عن صفوان بن سليم وخلق. وكان فقيها صاحب حديث.
قال يحيى بن معين: هو أثبت من فليح.
وفيها عليّ بن نصر بن علي الجهضميّ والد نصر بن علي. روى عن هشام الدّستوائي وأقرانه.
وأبو الخطّاب محمّد بن سواء السدوسيّ البصريّ المكفوف الحافظ.
سمع من حسين المعلّم، وأكثر عن أبي عروبة.
وفيها الإمام أبو محمّد معتمر بن سليمان بن طرخان التيميّ الحافظ، أحد شيوخ البصرة وله إحدى وثمانون سنة. روى عن أبيه، ومنصور، وخلق لا يحصون.
قال قرّة بن خالد: ما معتمر عندنا بدون أبيه.
وقال غيره: كان عابدا، صالحا، حجّة، ثقة.
وفيها معاذ بن مسلم الكوفيّ النحويّ شيخ الكسائي، عن نحو مائة سنة، وهو الذي سارت فيه هذه الكلمة:
إنّ معاذ بن مسلم رجلليس لميقات علمه أمد
الأبيات.
قال في «المغني»: معاذ بن مسلم عن شرحبيل بن السّمط، مجهول.
انتهى.
وفي محرّم هذه السنة توفي شيخ الحجاز الإمام أبو علي الفضيل بن عياض التميميّ المروزيّ الزّاهد المشهور أحد العلماء الأعلام.
قال فيه ابن المبارك: ما بقي على ظهر الأرض أفضل من الفضيل بن عياض.
وكان قد قدم الكوفة شابّا فحمل عن منصور وطبقته.
قال شريك القاضي: فضيل حجّة لأهل زمانه.
وقال ابن ناصر الدّين: الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر أبو علي التميميّ اليربوعيّ المروزيّ إمام الحرم، شيخ الإسلام، قدوة الأعلام. حدّث عنه الشّافعيّ، ويحيى القطّان، وغيرهما. وكان إماما: ربّانيا، كبير الشأن، ثقة، نبيلا، عابدا، زاهدا، جليلا. انتهى.
قال الذهبيّ في «القسطاس في الذّبّ عن الثّقات»: فضيل بن عياض ثقة بلا نزاع، سيّد.
قال أحمد بن أبي خيثمة: سمعت قطبة بن العلاء يقول: تركت حديث فضيل بن عياض لأنه روى أحاديث أزرى على عثمان بن عفّان ﵁.
وحدّثنا عبد الصّمد بن يزيد الصّانع قال: ذكر عند الفضيل- وأنا أسمع- أصحاب رسول الله- ﷺ فقال: اتّبعوا فقد كفيتم، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃.
قلت: لا يقبل قول قطبة، ومن هو قطبة حتّى يسمع قوله واجتهاده، فالفضيل روى ما سمع، ولم يقصد غضّا ولا إزراء على أمير المؤمنين عثمان- ﵁ ففعل ما يسوغ، أفبمثل هذا يقول: تركت حديثه فهو كما قيل: «رمتني بدائها وانسلّت».
وقطبة، فقد قال البخاريّ: فيه نظر، وضعّفه النّسائيّ وغيره.
وأما فضيل فإتقانه وثقته لا حاجة بنا لذكر أقوال من أثنى عليه، فإنه رأس في العلم والعلم رحمه الله تعالى. انتهى كلام «القسطاس».
وقال ابن الأهدل: أبو علي الفضيل بن عياض، قال ابن المبارك:
ما على ظهر الأرض أفضل منه.
وقال شريك: هو حجة لأهل زمانه.
وقال له الرّشيد: ما أزهدك! قال: أنت أزهد منّي، لأني زهدت في الدّنيا الفانية، وأنت زهدت في الآخرة الباقية.
وقال له: يا حسن الوجه، أنت الذي أمر هذه الأمّة والعباد في يدك وفي عنقك، لقد تقلّدت أمرا عظيما، فبكى الرّشيد وأعطى كل واحد من الحاضرين من العلماء والعباد بدرة- وهي عشرة آلاف درهم- فكلّ قبلها إلّا الفضيل، فقال له سفيان بن عيينة: أخطأت، ألا صرفتها في أبواب البرّ.
فقال: يا أبا محمد، أنت فقيه البلد [والمنظور إليه] وتغلط [مثل] هذا الغلط، لو طابت لأولئك طابت لي.
وقال: إذا أحبّ الله عبدا أكثر غمّه، وإذا أبغض وسّع عليه دنياه.
وقال: لو عرضت عليّ الدّنيا بحذافيرها لا أحاسب عليها، لكنت أتقذّرها كالجيفة.
وقال: لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلّا للإمام، لأنه إذا صلح [الإمام] أمن العباد والبلاد. وكان ولده من كبار الصالحين.
ولد الفضيل- ﵁ بسمرقند، وقدم الكوفة شابّا، وسمع من منصور وطبقته، ثم جاور بمكّة إلى أن مات، وقبره بالأبطح مشهور مزور. انتهى كلام ابن الأهدل.
وفيها على ما قاله ابن الأهدل أيضا، توفي يعقوب بن داود السّلميّ. كان كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن المثنّى لما خرج على المنصور، وكان عنده صنوف من العلم، فظفر به المنصور، فحبسه في المطبق وأطلقه المهديّ، وكان من خواصّه، إلى أن ظهر له منه تعلّق ببعض
العلويين، فردّه إلى المطبق، وبقي فيه إلى جانب من دولة الرّشيد، فرأى قائلا يقول:
حنا على يوسف ربّ فأخرجهمن قعر جبّ وبيت حوله غمم
قال: فمكثت بعده حولا آخر، ثم رأيت قائلا يقول:
عسى فرج يأتي به الله إنّهله كلّ يوم في خليقته أمر
قال: فمكثت بعده حولا آخر، ثم رأيت قائلا يقول:
عسى الهمّ الّذي أمسيت فيهيكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفكّ عانويأتي أهله النّائي الغريب
فأخرجت صبيحة ذلك اليوم. فلما رأيت الضوء ذهب بصري، فجيء بي إلى الرّشيد، فأحسن إليّ، وردّ عليّ مالي.
ثم إن الرّشيد خيّره بين المقام عنده وبين الذّهاب، فاختار الذهاب إلى مكّة، فجاور بها حتّى مات رحمه الله تعالى.
وفيها إبراهيم بن ماهان الموصليّ التميميّ، مولاهم، المعروف بالنّديم، صاحب الغناء، ومخترع الألحان فيه، وأول خليفة سمعه المهديّ.
حكي أن الرّشيد هوي جارية فغاضبته مرّة، فأنف منها، فهجرها، فقال في ذلك العبّاس بن الأحنف بسؤال جعفر البرمكي:
راجع أحبّتك الّذين هجرتهمإنّ المتيّم قلّما يتجنّب
إنّ التّجنّب إن تطاول منكمادبّ السّلوّ له فعزّ المطلب
وأمر جعفر إبراهيم الموصلي أن يغنّي الرّشيد، ففعل، فبادر وترضّاها، فسألت الجارية عن السبب، فأخبرت، فحملت لكلّ منهما مالا جزيلا.
وكانت وفاة إبراهيم بالقولنج، وله مصنفات كثيرة في الفقه، وغريب الحديث، والنّوادر، والشعر، وغير ذلك، والله تعالى أعلم.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع