من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة إحدى وثلاثمائة
فيها أدخل الحلّاج بغداد مشهورا على جمل، وعلّق مصلوبا، ونودي عليه: هذا أحد دعاة القرامطة فاعرفوه، ثم حبس وظهر أنه ادّعى الإلهية، وصرّح بحلول اللّاهوت في الأشراف وكانت مكاتباته تنبئ بذلك، فاستمال أهل الحبس بإظهار السّنّة، فصاروا يتبركون به. قاله في «العبر».
وفيها كما قال العلّامة ابن ناصر الدّين في «بديعته»:
وبكر بن أحمد بن مقبلأفاد شأن الأثر المبجّل
وتسعة مثاله ذا أحمد البرديجي البردعي والمسند
محمد بن مندة فسلمكذا فتى العبّاس نجل الأخرم
مثل فتى ناجية ذا البربريكالفريابي الدّينوريّ جعفر
شبه الحسين ذا فتى إدريسمثل الهسنجاني الرضى الرئيس
والهروي محمد ذا السّاميكالفرهياني العارف الإمام
فأما الأول، فهو: بكر بن أحمد بن مقبل، البصريّ الحافظ الثبت
المجود. روى عن عبد الله بن معاوية الجمحيّ وطبقته.
وأما الثاني فهو: أحمد بن هارون بن روح أبو بكر البردعيّ، نزيل بغداد. كان من الثقات الأخيار ومشاهير علماء الأمصار.
وأما الثالث فهو: محمد بن يحيى بن إبراهيم مندة بن الوليد بن سندة بن بطة بن استندار، واسمه فيرازان بن جهاربخت العبديّ، مولاهم، الأصبهانيّ، أبو عبد الله، جدّ الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق. روى عن لوين، وأبي كريب، وخلق. وحدّث عنه الطبرانيّ وغيره، وكان من الثقات.
قال أبو الشيخ: كان أستاذ شيوخنا وإمامهم.
وقيل: إنه كان يجاري أحمد بن الفرات وينازعه.
وأما الرابع، فهو محمد بن العبّاس بن أيوب بن الأخرم، أبو جعفر الأصبهانيّ، كان حافظا، نبيها، محدّثا، فقيها.
وأما الخامس، فهو عبد الله بن محمد بن ناجية بن نجية، أبو محمد البربريّ البغداديّ، كان حافظا مسندا. صنف مسندا في مائة واثنين وثلاثين جزءا.
وأما السادس، فهو جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض التركيّ، أبو بكر الفريابيّ، قاضي الدّينور. كان إماما حافظا علامة من النقادين، وهو صاحب التصانيف. رحل من بلاد التّرك إلى مصر، وعاش أربعا وتسعين سنة، وكان من أوعية العلم. روى عن علي بن المديني، وأبي جعفر النّفيلي وطبقتهما، وأول سماعه سنة أربع وعشرين ومائتين.
قال ابن عدي: كنّا نحضر مجلسه وفيه عشرة آلاف أو أكثر.
وأما السابع، فهو الحسين بن إدريس بن المبارك بن الهيثم الأنصاريّ الهرويّ، أبو علي بن حزم. وثقه الدارقطنيّ، وجزم ابن ناصر الدّين بتوثيقه، وكان حافظا من المكثرين. رحل وطوّف وصنف، وروى عن سعيد بن منصور، وسويد بن سعيد، وخلق.
وأما الثامن، فهو إبراهيم بن يوسف بن خالد بن إسحاق الرّازيّ الهسنجانيّ- بكسر الهاء والمهملة، وسكون النون الأولى، وجيم، نسبة إلى هسنجان قرية بالرّيّ - كان إماما، عالما، محدّثا، ثقة.
وأما التاسع، فهو محمد بن عبد الرّحمن الهرويّ السّاميّ الحافظ، في ذي القعدة. طوّف، ورحل، وروى عن أحمد بن حنبل، وأحمد بن يونس، والكبار، ويكنى أبا أحمد، ويقال: أبا عبد الله.
وأما العاشر، فهو عبد الله بن محمد بن سيّار الفرهيانيّ، ويقال:
الفرهاذانيّ، كان عالما خيّرا من الأثبات.
وفيها، وجزم صاحب «العبر» وغيره، أنه في التي قبلها أحمد بن يحيى بن الرّاونديّ الملحد، لعنه الله، ببغداد، وكان يلازم الرافضة والزنادقة.
قال ابن الجوزي: كنت أسمع عنه بالعظائم حتّى رأيت في كتبه ما لم يخطر على قلب أنه يقوله عاقل، فمن كتبه كتاب «نعت الحكمة» وكتاب «قضيب الذهب» وكتاب «الزمردة».
وقال ابن عقيل: عجبي كيف لم يقتل وقد صنّف «الدامغ» يدمغ به
القرآن، و «الزمردة» يزري بها على النبوات. قاله في «العبر».
وقال ابن الأهدل ما ملخصه: له مقالات في علم الكلام، وينسب إليه الإلحاد، وله مائة وبضعة عشر كتابا، وله كتاب «نصيحة المعتزلة» ردّ فيه عليهم، وأصحابنا ينسبونه إلى ما هو أصل من مذهبهم، عاش نحوا من أربعين سنة- وراوند قرية من قرى قاسان بالمهملة من نواحي أصبهان - قيل: وهو الذي لقّن اليهود القول بعدم نسخ شريعتهم، وقال لهم: قولوا: إن موسى أمرنا أن نتمسك بالسبت ما دامت السماوات والأرض، ولا تأمر الأنبياء إلا بما هو حق. انتهى.
والعجب من ابن خلّكان كيف يترجمه ترجمة العلماء ساكتا عن عواره مع سعة اطلاع ابن خلّكان ووقوفه على إلحاده، وقد اعترض جماعات كثيرة على ابن خلّكان من أجل ذلك، حتّى قال العماد بن كثير: هذا على عادته، من تساهله وغضّه عن عيوب مثل هذا الشقي، والله أعلم.
وفيها، أو في التي قبلها، كما جزم به في «العبر» حيث قال:
محمد بن أحمد بن جعفر الكوفيّ أبو العلاء الذّهلي الوكيعيّ بمصر، عن ست وتسعين سنة، روى عن علي بن المديني وجماعة.
وفيها محمد بن الحسن بن [موسى بن] سماعة الحضرميّ الكوفيّ في جمادى الأولى.
ومحمد بن جعفر القتّات الكوفي أبو عمر في جمادى الأولى أيضا.
رويا كلاهما على ضعف فيهما عن أبي نعيم.
وفيها محمد بن جعفر الرّبعيّ البغداديّ، أبو بكر، المعروف بابن الإمام، في آخر السنة بدمياط، وهو في عشر المائة. روى عن إسماعيل بن أبي أويس، وأحمد بن يونس.
وفيها أبو الحسن مسدّد بن قطن النيسابوري. روى عن جدّه لأمه بشر بن الحكم وطبقته بخراسان والعراق.
قال الحاكم: كان مزنيّ عصره، والمقدّم في الزّهد والورع. انتهى.
فعدّ هؤلاء في الثلاثمائة.
وفيها- أي سنة إحدى وثلاثمائة- الحسن بن بهرام أبو سعيد الجنّابيّ القرمطيّ صاحب هجر، قتله خادم له صقلبيّ راوده في الحمام، ثم خرج فاستدعى رئيسا من خواص الجنابي، وقال: السيد يطلبك، فلما دخل قتله،
ثم دعا آخر كذلك، حتّى قتل أربعة، ثم صاح النساء وتكاثروا على الخادم فقتلوه، وكان هذا الملحد قد تمكن وهزم الجيوش، ثم هادنه الخليفة.
وفيها سار عبيد الله المهدي المتغلّب على المغرب في أربعين ألفا ليأخذ مصر، حتّى بقي بينه وبين مصر أيام، ففجرت كبراء الخاصة النيل، فحال الماء بينهم وبين مصر، ثم جرت بينهم وبين جيش المقتدر حروب، فرجع المهديّ إلى برقة، بعد أن ملك الإسكندرية، والفيّوم.
وفيها توفي أبو نصر أحمد بن الأمير إسماعيل بن أحمد السّامانيّ، صاحب ما وراء النهر، قتله غلمانه، وتملك بعده ابنه نصر.
وفيها أبو بكر أحمد بن [محمد بن] عبد العزيز بن الجعد البغداديّ الوشّاء، الذي روى «الموطأ» عن سويد.
وفيها المحدّث المعمّر [محمد] بن حبّان بن الأزهر أبو بكر الباهليّ البصريّ القطّان، نزيل بغداد. روى عن أبي عاصم النبيل، وعمرو بن مرزوق، وهو ضعيف.
وفيها الأمير علي بن أحمد الرّاسبيّ، أمير جنديسابور، والسوس، وخلّف ألف فرس، وألف ألف دينار، ونحو ذلك.
وفيها- على ما قال ابن الأهدل- الوزير ابن الفرات، وكان عالما محبّا للعلماء، وبسببه سار الإمام الدارقطنيّ من العراق إلى مصر، ولم يزل
عنده حتّى فرغ من تأليف «مسنده» وكان كثير الإحسان إلى أهل الحرمين، واشترى بالمدينة دارا ليس بينها وبين الضريح النبويّ إلّا جدار واحد ليدفن فيها، ولما مات حمل تابوته إلى مكة، ووقف به في مواقف الحج، ثم إلى المدينة، وخرجت الأشراف إلى لقائه لسالف إحسانه، ودفن حيث أمر، وقيل: دفن بالقرافة، رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع