تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة أربع وعشرين وثلاثمائة

فيها كما قال في «الشذور» اشتد الجوع وكثر الموت، فمات بأصبهان نحو مائتي ألف.

وفيها ثارت الغلمان الحجرية، وتحالفوا واتّفقوا، ثم قبضوا على الوزير ابن مقلة وأحرقوا داره، ثم سلّم إلى الوزير عبد الرحمن [بن عيسى] فضربه وأخذ خطه بألف ألف دينار، وجرى له عجائب من الضرب والتعليق، ثم عزل عبد الرحمن ووزر أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي.

وكان ياقوت والد محمد والمظفر بعسكر مكرم يحارب عليّ بن بويه لعصيانه، فتمت له أمور طويلة، ثم قتل وقد شاخ، وتغلب ابن رائق وابن بويه على الممالك، وقلّت الأموال على الكرخي، فعزل بسليمان بن الحسن، فدعت الضرورة الراضي بالله إلى أن كاتب محمد بن رائق ليقدم، فقدم في جيشه إلى بغداد، وبطل حينئذ أمر الوزارة والدواوين، فاستولى ابن رائق على الأمور، وتحكم في الأموال، وضعف أمر الخلافة، وبقي الراضي معه صورة. قاله في «العبر».

وفيها توفي أحمد بن بقيّ بن مخلد، أبو عمر الأندلسي قاضي الجماعة [في أيام] الناصر لدين الله. ولي عشرة أعوام، وروى الكتب عن أبيه.

وفيها أبو الحسن جحظة البرمكي النديم، وهو أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك الأديب الأخباري، صاحب الغناء والألحان والنوادر.

قال ابن خلّكان: كان فاضلا، صاحب فنون وأخبار، ونجوم ونوادر.

وكان من ظرفاء عصره، وهو من ذرية البرامكة، وله الأشعار الرائقة، فمن شعره:

أنا ابن أناس نوّل الناس جودهمفأضحوا حديثا للنّوال المشهّر
فلم يخل من إحسانهم لفظ مخبرولم يخل من تقريضهم بطن دفتر
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وله أيضا:

فقلت لها بخلت عليّ يقظىفجودي في المنام لمستهام
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فقالت لي وصرت تنام أيضاوتطمع أن أزورك في المنام
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «وميرائية تمشي اختيالا»

وله أيضا:

أصبحت بين معاشر هجروا النّدىوتقبّلوا الأخلاق من أسلافهم
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
قوم أحاول نيلهم فكأنّماحاولت نتف الشعر من آنافهم
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
هات اسقينيها بالكبير وغنّنيذهب الذين يعاش في أكنافهم

وله:

يا أيّها الركب الذين فراقهم إحدى البليّه
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
يوصيكم الصّبّ المقيم بقلبه خير الوصيّه
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

ومن أبياته السائرة قوله:

ورقّ الجو حتّى قيل هذاعتاب بين جحظة والزمان
للشاعر أبو بكر الشبلي، اقرأ القصيدة

ولابن الرّومي فيه، وكان مشوّه الخلق:

نبّئت جحظة يستعير جحوظهمن فيل شطرنج ومن سرطان
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «نبئت جحظة يستعير جحوظه»
وا رحمتا لمنادميه تحمّلواألم العيون للذّة الآذان

وتوفي بواسط، وقيل: حمل تابوته من واسط إلى بغداد.

وجحظة: بفتح الجيم، لقب عليه، لقبه به عبد الله بن المعتز. انتهى ملخصا.

وفيها ابن مجاهد مقرئ العراق، أبو بكر أحمد بن موسى بن العبّاس بن مجاهد. روى عن سعدان بن نصر، والرّمادي وخلق. وقرأ على قنبل، وأبي الزّعراء، وجماعة، وكان ثقة بصيرا بالقراءات وعللها، عديم النظير. توفي في شعبان عن ثمانين سنة.

وفيها ابن المغلّس الداودي، وهو العلّامة أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلّس البغدادي الفقيه، أحد علماء الظاهر. له مصنفات كثيرة، وخرج له عدة أصحاب. تفقه على محمد بن داود الظاهري.

وفيها ابن زياد النيسابوري، أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل الفقيه الشافعي الحافظ. صاحب التصانيف والرحلة الواسعة. سمع محمد بن يحيى الذّهلي، ويونس [بن عبد الأعلى] الصّدفي، وغيرهما.

ومنه: ابن عقدة، والدارقطني.

قال الدارقطني: ما رأيت أحفظ من ابن زياد، كان يعرف زيادات الألفاظ، وأثنى عليه الحاكم، وهو ثقة.

قال الإسنوي: ولد في أول سنة ثمان وثمانين ومائتين، ورحل في طلب العلم إلى العراق، والشام، ومصر. وقرأ على المزني، وبرع في العلم، وسكن بغداد، وصار إماما للشافعية بالعراق. وسمع من جماعة كثيرة، وروى عنه جماعة، منهم الدارقطني، وقال: إنه أفقه المشايخ، وإنه لم ير مثله.

أقام أربعين سنة لا ينام الليل ويصلي الصبح بوضوء العشاء. وصنّف كتبا، منها «كتاب الرّبا». انتهى ملخصا.

وفيها قاضي حمص، أبو القاسم عبد الصمد بن سعيد الكندي.

روى عن محمد بن عوف الحافظ، وعمران بن بكّار، وطائفة. وجمع «التاريخ».

وفيها الإمام العلّامة، البحر الفهّامة، أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل بن أبي بشر المتكلم البصري، صاحب المصنفات، وله بضع وستون سنة. أخذ [الحديث] عن زكريا السّاجي، وعلم الجدل والنظر عن أبي علي الجبّائي، ثم ردّ على المعتزلة.

ذكر ابن حزم، أن للأشعري خمسة وخمسين تصنيفا، وأنه توفي في هذا العام.

وقال غيره: توفي سنة ثلاثين، وقيل: بعد الثلاثين، وكان قانعا متعفّفا.

قاله في «العبر».

قلت: ومما بيّض به وجوه أهل السّنّة النبوية، وسوّد به رايات أهل الاعتزال والجهمية، فأبان به وجه الحق الأبلج ولصدور أهل الإيمان والعرفان أثلج، مناظرته مع شيخه الجبّائي، التي بها قصم ظهر كل مبتدع ومرائي، وهي كما قال ابن خلّكان: سأل أبو الحسن المذكور أستاذه أبا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة، كان أحدهم مؤمنا برّا تقيا، والثاني كان كافرا فاسقا شقيا، والثالث كان صغيرا فماتوا، فكيف حالهم؟ فقال الجبّائي: أما الزاهد ففي الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات، وأما الصغير فمن أهل السلامة. فقال الأشعري: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له؟ فقال:

الجبائي: لا، لأنه يقال له: أخوك إنما وصل إلى هذه الدرجات بسبب طاعاته الكثيرة، وليس لك تلك الطاعات، فقال الأشعري: فإن قال: ذلك التقصير ليس منّي، فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة، فقال الجبّائي: يقول الباري جلّ وعلا: كنت أعلم لو بقيت لعصيت وصرت مستحقا للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك. فقال الأشعري: فلو قال الأخ الأكبر: يا إله العالمين، كما علمت حاله فقد علمت حالي، فلم راعيت مصلحته دوني؟ فانقطع الجبائي. ولهذه المناظرة دلالة على أن الله تعالى خصّ من شاء برحمته، وخصّ آخر بعذابه. وإلى أبي الحسن انتهت رياسة

الدّنيا في الكلام، وكان في ذلك المقدّم المقتدى الإمام.

قال في كتابه «الإبانة في أصول الديانة» - وهو آخر كتاب صنّفه وعليه يعتمد أصحابه في الذّبّ عنه عند من يطعن عليه-: فصل في إبانة قول أهل الحق والسّنّة: فإن قال [لنا] قائل، قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافضة، والمرجئة، فعرّفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون.

قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكلام ربنا [﷿] وسنّة نبينا [ﷺ]، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول [به] أبو عبد الله أحمد بن حنبل- نضّر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق ودفع به الضلال، وأوضح المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشكّ الشاكّين، فرحمة الله عليه من إمام مقدّم، وجليل معظّم، وكبير مفخّم [وعلى جميع أئمة المسلمين].

وجملة قولنا: أنا نقرّ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبما جاء من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله، ﷺ، لا نرد من ذلك شيئا، وأن الله، ﷿، إله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق. وأن الجنّة حق، وأن النّار حق. وأن الساعة آتية لا ريب فيها. وأن الله يبعث من في القبور. وأن

الله مستو على عرشه كما قال: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى وأن له وجها [بلا كيف] كما قال: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ وأن له يدين بلا كيف كما قال: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ وكما قال: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ وأن له عينين بلا كيف كما قال: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا. وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالا.

وندين بأن الله يقلّب القلوب [وأن القلوب] بين أصبعين من أصابع الله، ﷿، [وأنه سبحانه]، يضع السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله، ﷺ [من غير تكييف].

وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلّم الروايات الصحيحة عن رسول الله، ﷺ، التي رواها الثقات عدلا عن عدل.

ونصدّق بجميع الروايات التي رواها وأثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدّنيا، وأن الرّبّ، ﷿، يقول: هل من سائل، هل من مستغفر، وسائر ما نقلوه وأثبتوه، خلافا لأهل الزيغ والتضليل.

ونقول: إن الله [﷿] يجيء يوم القيامة كما قال: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وأن الله يقرب من عباده كيف شاء كما قال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ وكما قال: ثُمَّ دَنا

فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى -. انتهى ملخصا.

وقد ذكر ابن عساكر في كتابه «الذبّ عن أبي الحسن الأشعري» ما يقرب من ذلك إن لم يكن بلفظه، ولعمري إن هذا الاعتقاد هو ما ينبغي أن يعتقد ولا يخرج عن شيء منه إلّا من في قلبه غش ونكد، وأنا أشهد الله على أنني أعتقده جميعه وأسأل الله الثبات عليه، وأستودعه عند من لا تضيع عنده وديعة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد معلّم الخيرات.

وفيها علي بن عبد الله بن مبشّر أبو الحسن الواسطي المحدّث.

سمع عبد الحميد بن بيان، وأحمد بن سنان [القطّان].

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.