من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثمان عشرة وثلاثمائة
هبت ريح من المغرب في آذار، وحملت رملا أحمر يشبه رمل الصاغة، فامتلأت منه أسواق بغداد في الجانبين وسطحها ومنازلها. قاله في «الشذور».
وفيها توفي القاضي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن بهلول بن حسّان التّنوخيّ الحنفيّ الأنباري الأديب أحد الفصحاء البلغاء، وله سبع وثمانون سنة. روى عن أبي كريب وطبقته، وولي قضاء مدينة المنصور عشرين سنة، وله مصنف في نحو الكوفيين.
وفيها أحمد بن محمد بن المغلّس البزّاز، أخو جعفر. كان ثقة نبيلا، روى عن لوين، وعدة.
وفيها إسماعيل بن داود بن وردان المصري. روى عن زكريّا كاتب العمري، ومحمد بن رمح، وتوفي في ربيع الآخر عن اثنتين وتسعين سنة.
وفيها أبو بكر الحسن بن علي بن بشّار بن العلّاف البغدادي
المقرئ صاحب الدّوري، وكان أديبا ظريفا نديما للمعتضد، ثم شاخ وعمي.
قال ابن خلّكان: كان من الشعراء المجيدين. وحدّث عن أبي عمرو الدّوري المقرئ، وحميد بن مسعدة البصري وغيرهما، وكان ينادم الإمام المعتضد بالله.
وحكى قال: بتّ ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندمائه، فأتانا خادمه ليلا وقال: يقول أمير المؤمنين: أرقت الليلة بعد انصرافكم، فقلت:
ولما انتبهنا للخيال الذي سرىإذا الدّار قفر والمزار بعيد
وقال: قد أرتج عليّ تمامه، فمن أجازه بما يوافق غرضي أمرت له بجائزة.
قال: فأرتج على الجماعة، وكلهم شاعر فاضل، فابتدرت وقلت:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعيلعلّ خيالا طارقا سيعود
فرجع الخادم [إليه] ثم عاد، فقال: أمير المؤمنين يقول: لقد أحسنت، و [قد] أمر لك بجائزة.
وكان لأبي بكر المذكور هرّ يأنس به، وكان يدخل أبراج الحمام التي لجيرانه ويأكل أفراخها وكثر ذلك منه، فأمسكه أربابها وذبحوه، فرثاه بهذه القصيدة.
وقد قيل: إنه رثى بها عبد الله بن المعتز، وخشي من الإمام المقتدر أن يتظاهر بها، لأنه هو الذي قتله، فنسبها إلى الهرّ وعرّض به في أبيات منها، وكانت بينهما صحبة أكيدة.
وذكر صاعد اللغوي في كتاب «الفصوص» قال: حدّثني أبو الحسن المرزباني قال: هويت جارية لعلي بن عيسى غلاما لأبي بكر بن العلّاف الضرير، ففطن بهما فقتلا جميعا وسلخا وحشيت جلودهما تبنا. فقال أبو بكر مولاه هذه القصيدة يرثيه [بها] وكنى عنه بالهرّ. وهي من أحسن الشعر وأبدعه، وعددها خمسة وستون بيتا، وطولها يمنع من الإتيان بجميعها فنأتي بمحاسنها، وفيها أبيات مشتملة على حكم فنأتي بها، وأولها:
يا هرّ فارقتنا ولم تعدوكنت عندي بمنزل الولد
فكيف ننفكّ عن هواك وقدصرت لنا عدّة من العدد
تطرد عنّا الأذى وتحرسنابالغيب من حيّة ومن جرد
وتخرج الفأر من مكامنهاما بين مفتوحها إلى السّدد
يلقاك في البيت منهم مددوأنت تلقاهم بلا مدد
لا عدد كان منك منفلتامنهم ولا واحد من العدد
وكان يجري ولا سداد لهمأمرك في بيتنا على السّدد
حتّى اعتقدت الأذى لجيرتناولم تكن للأذى بمعتقد
وحمت حول الرّدى بظلمهمومن يحم حول حوضه يرد
وكان قلبي عليك مرتعداوأنت تنساب غير مرتعد
تدخل برج الحمام متّئداوتبلع الفرخ غير متئد
أطعمك الغيّ لحمها فرأىقتلك أصحابها من الرّشد
حتّى إذا داوموك واجتهدواوساعد النصر كيد مجتهد
صادوك غيظا عليك وانتقموامنك وزادوا ومن يصد يصد
ثم شفوا بالحديد أنفسهممنك ولم يرعووا إلى أحد
فلم تزل للحمام مرتصداحتى سقيت الحمام بالرّصد
لم يرحموا صوتك الضعيف كمالم ترث منها لصوتها الغرد
وكنت بدّدت شملهم زمنافاجتمعوا بعد ذلك البدد
كأنّ حبلا حوى بجودتهجيدك للخنق كان من مسد
كأنّ عيني تراك مضطربافيه وفي فيك رغوة الزّبد
وقد طلبت الخلاص منه فلمتقدر على حيلة ولم تجد
فجدت بالنفس والبخيل بهاأنت ومن لم يجد بها تجد
فما سمعنا بمثل موتك إذمتّ ولا مثل عيشك النّكد
عشت حريصا يقوده طمعومتّ ذا قاتل بلا قود
فلم تخف وثبة الزّمان كماوثبت في البرج وثبة الأسد
عاقبة الظلم لا تنام وإنتأخّرت مدة من المدد
أردت أن تأكل الفراخ ولايأكلك الدّهر أكل مضطهد
هذا بعيد من القياس وماأعزّه في الدّنوّ والبعد
لا بارك الله في الطعام إذاكان هلاك النفوس في المعد
كم دخلت لقمة حشا شرهفأخرجت روحه من الجسد
ما كان أغناك عن تصعّدك البرج ولو كان جنّة الخلد
قد كنت في نعمة وفي دعةمن العزيز المهيمن الصّمد
تأكل من فأر بيتنا رغداوأين بالشّاكرين للرّغد
انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا.
ومات عن مائة سنة.
وفيها أبو عروبة الحسين بن أبي معشر محمد بن مودود السّلميّ الحرّاني الحافظ، محدّث حرّان، وهو في عشر المائة. روى عن إسماعيل بن موسى السّدّي وطبقته. وعنه أبو حاتم بن حبّان، وأبو أحمد الحاكم، وكان عارفا بالرّجال. رحل إلى الجزيرة، والشام، والعراق. ورحل إليه النّاس.
وفيها سعيد بن عبد العزيز أبو عثمان الحلبيّ الزاهد نزيل دمشق.
صحب سريّا السّقطي. وروى عن أبي نعيم عبيد بن هشام الحلبي، وأحمد بن أبي الحواري وطبقتهما.
قال أبو أحمد الحاكم: كان من عباد الله الصالحين.
وفيها أبو بكر عبد الله بن محمد بن مسلم الإسفراييني الحافظ المصنّف، وله ثمانون سنة. روى عن الحسن بن محمد الزعفراني [والذّهلي]، وطبقتهما ورحل الكثير، وكان ثبتا مجوّدا.
وفيها محمد بن إبراهيم الحافظ الأوحد العلّامة أبو بكر بن إبراهيم بن
المنذر النيسابوري شيخ الحرم. روى عن محمد بن ميمون، ومحمد بن إسماعيل الصائغ وخلق، وعنه ابن المقرئ، ومحمد بن يحيى الدمياطي، وغيرهما. وكان مجتهدا لا يقلد أحدا، وله تآليف حسان.
قال ابن ناصر الدّين: هو شيخ الحرم ومفتيه، ثقة مجتهد فقيه.
وفيها محمد بن إبراهيم بن نيروز، أبو بكر الأنماطي سمع أبا حفص [الفلّاس] وطبقته.
وفيها يحيى بن محمد بن صاعد الحافظ الثقة الحجّة أبو محمد البغدادي مولى بني هاشم، في ذي القعدة، وله تسعون سنة. عني بالأثر، وجمع وصنّف، وارتحل إلى الشام، والعراق، ومصر، والحجاز. وروى عن لوين وطبقته.
قال أبو علي النيسابوري: لم يكن بالعراق في أقران ابن صاعد أحد في فهمه، والفهم عندنا أجلّ من الحفظ، وهو فوق أبي بكر بن أبي داود في الفهم والحفظ. انتهى.
وممّن روى عنه: أبو القاسم البغوي، والدارقطني، وخلق.
وقال الدارقطني: هو ثقة ثبت حافظ.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع