من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة تسع عشرة وثلاثمائة
فيها على ما قاله في «الشذور» قدم مؤتمن الخادم، وكان قد خاف من الهجري، فضلّ بالقافلة عن الجادة، فحدّث أصحابه أنهم رأوا في البرية آثارا عجيبة وصورا لناس من حجارة، ورأوا امرأة قائمة على تنّور، وهي من حجر والخبز من حجر. انتهى.
وفيها استولى مرداويج الدّيلمي على همذان، وبلاد الجبل، إلى حلوان، وهزم عسكر الخليفة.
وفيها استوحش مؤنس الخادم من الوزير والمقتدر، فأخذ يتعنت على المقتدر ويحتكم عليه في إبعاد ناس وتقديم غيرهم، ثم خرج مغاضبا بأصحابه إلى الموصل، فاستولى الوزير على حواصله، وفرح المقتدر بالوزير، وكتب اسمه على السّكّة، وكان مؤنس في ثمانمائة، فحارب جيش الموصل، وكانوا ثلاثين ألفا، فهزمهم وملك الموصل في سنة عشرين، ولم يحجّ أحد من بغداد، وأخذ الدّيلمي الدّينور، وفتك بأهلها ووصل إلى بغداد من انهزم، ورفعوا المصاحف على القصب، واستغاثوا وسبّوا المقتدر، وغلّقت الأسواق، وخافوا من هجوم القرامطة.
وفيها توفي أبو الجهم أحمد بن الحسين بن أحمد بن طلّاب الدمشقي المشغراني خطيب مشغرى. وقع من على الدابة فمات لوقته. روى عن هشام بن عمّار وطائفة.
وفيها الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن مروان القرشي الدمشقي محدّث دمشق في رجب. روى عن موسى بن عامر المرّيّ، ويونس بن عبد الأعلى، وطبقتهما.
وفيها قاضي الجماعة، أبو الجعد، أسلم بن عبد العزيز الأموي الأندلسي المالكي، في رجب، وهو من أبناء التسعين، وكان نبيلا رئيسا كبير الشأن. رحل فسمع من يونس بن عبد الأعلى، والمزني، وصحب بقيّ بن مخلد مدّة، وأضرّ بآخر عمره وضعف من الكبر.
وفيها أبو سعيد، الحسن بن علي بن زكريا البصري العدوي الكذّاب ببغداد. روى بوقاحة عن عمرو بن مرزوق، ومسدّد، والكبار.
قال ابن عدي: كان يضع الحديث. قاله في «العبر».
وفيها الكعبي، شيخ المعتزلة، أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي.
قال ابن خلّكان: أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي، العالم المشهور. كان رأس طائفة من المعتزلة يقال لهم: «الكعبية» وهو صاحب مقالات، ومن مقالاته أن الله ﷾ ليست له إرادة، وأن جميع أفعاله واقعة منه بغير إرادة ولا مشيئة منه لها.
وكان من كبار المتكلمين، وله اختيارات في علم الكلام. انتهى.
وفيها القاضي أبو عبيد بن حربويه البغدادي علي بن الحسين بن حرب، الفقيه الشافعي، قاضي مصر، وهو من أصحاب الوجوه. روى عن أحمد بن المقدام، والزّعفراني، وطبقتهما.
قال أبو سعيد بن يونس: كان شيئا عجبا ما رأينا مثله، لا قبله ولا بعده، وكان تفقه على مذهب أبي ثور.
وفيها محمد بن الفضل البلخيّ الزاهد، أبو عبد الله، نزيل سمرقند، وكان إليه المنتهى في الوعظ والتذكير.
يقال: إنه مات في مجلسه أربعة أنفس.
صحب أحمد بن خضرويه البلخي، وهو آخر من روى عن قتيبة، وقد أجاز لأبي بكر بن المقرئ.
وقال السخاوي: هو محمد بن الفضل بن العباس بن حفص، أبو عبد الله، أصله من بلخ، خرج منها لسبب المذهب، فدخل سمرقند ومات بها، وهو من جلّة مشايخ خراسان، ولم يكن أبو عثمان يميل إلى أحد من المشايخ ميله إليه.
وقال أبو عثمان: لو وجدت في نفسي قوّة، لرحلت إلى أخي محمد بن الفضل، فأستروح سرّي برؤيته.
قال ابن الفضل: الدّنيا بطنك فبقدر زهدك في بطنك زهدك في الدنيا.
وقال: العجب ممّن يقطع الأودية والقفار والمفاوز، حتّى يصل إلى بيته وحرمه وكعبته لأن فيه آثار أنبيائه. كيف لا ينقطع عن نفسه وهواه، حتى يصل إلى قلبه، فإنّ فيه آثار مولاه، وتوحيده ومعرفته.
وقال: أنزل نفسك منزلة من لا حاجة له فيها، ولا بدّ له منها، فإن من ملك نفسه عزّ ومن ملكته نفسه ذلّ.
وقال: ستّ خصال يعرف بها الجاهل: الغضب من غير شيء، والكلام في غير نفع، والعطيّة في غير موضعها، وإفشاء السّرّ، والثقة بكل أحد، وألّا يعرف صديقه من عدوه.
وقال: خطأ العالم أضرّ من عمد الجاهل.
وقال: من ذاق حلاوة العلم لا يصبر عنه. ومن ذاق حلاوة المعاملة أنس بها.
وقال: العلوم ثلاثة: علم بالله، وعلم من الله، وعلم مع الله.
فالعلم بالله، معرفة صفاته ونعوته.
والعلم من الله، علم الظاهر والباطن، والحلال والحرام، والأمر والنهي، والأحكام.
والعلم مع الله، هو علم الخوف والرجاء والمحبة والشوق.
وقال: ثمرة الشّكر الحبّ لله والخوف من الله.
وقال: ذكر اللسان كفّارات ودرجات، وذكر القلب زلف وقربات، وذكر السّرّ مشاهدة ومناجاة. انتهى ملخصا.
وفيها محدّث الأندلس، أبو عبد الله محمد بن فطيس بن واصل الغافقي الإلبيري الفقيه الحافظ. روى عن محمد بن أحمد العتبي، وأبان بن عيسى، ورحل وسمع من أحمد ابن أخي ابن وهب، ويونس بن عبد الأعلى، وطبقتهم. وصنّف، وجمع، وسمع بأطرابلس المغرب، من أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي الحافظ.
قال [ابن] الفرضي: كان ضابطا، نبيلا، صدوقا، وكانت الرحلة إليه [بإلبيرة] حدّثنا عنه غير واحد. وتوفي في شوال عن تسعين سنة.
وفيها المؤمّل بن الحسن بن عيسى بن ما سرجس، الرئيس أبو الوفاء النيسابوري، لم يدرك الأخذ عن أبيه، وأخذ عن إسحاق الكوسج، والحسين الزعفراني، وطبقتهما. وكان صدر نيسابور. وروي أن أمير خراسان ابن طاهر اقترض منه ألف ألف درهم.
وقال أبو علي النيسابوري: خرّجت لأبي الوفاء عشرة أجزاء، وما رأيت أحسن من أصوله، فأرسل إليّ مائة دينار وأثوابا.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع