من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة
فيها كما قال في «الشذور» انقضّ كوكب قبل مغيب الشمس بأربع ساعات، من ناحية الجنوب إلى الشمال، فأضاءت منه الدّنيا، وكان له صوت كصوت الرعد.
وفيها سار [الرّكب العراقي، ومعهم ألف فارس، فاعترضهم القرمطيّ بزبالة، وناوشهم، فردّ الناس ولم يحجّوا] ونزل القرمطيّ على الكوفة، فقاتلوه، فغلب على البلد، ونهبه، فندب المقتدر مؤنسا، وأنفق في الجيش ألف ألف دينار. فسار القرمطيّ عن الكوفة، وتسلّم الأنبار، وعاث في البلاد وعظم ضرره ولم يقدر عليه.
وفيها توفي أحمد بن عبد الله بن سابور الدّقّاق الثقة ببغداد. كان واسع الرحلة.
روى عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي نعيم الحلبي، وعدّة.
وفيها أبو العبّاس أحمد بن محمد بن الحسين الماسرجسي.
سمع من جدّه لأمه، الحسن بن عيسى بن ماسرجس، وإسحاق، وشيبان بن فرّوخ.
وفيها جماهر بن محمد بن أحمد أبو الأزهر الأزدي الزّملكاني.
روى عن هشام بن عمّار وطبقته.
وفيها ثابت بن حزم السّرقسطي اللغوي العلّامة.
قال ابن الفرضي: كان مفتيا بصيرا بالحديث، والنحو، واللغة، والغريب، والشعر، وعاش خمسا وتسعين سنة. روى عن محمد بن وضّاح وطائفة.
وفيها عبد الله بن زيدان بن بريد أبو محمد البجلي الكوفي عن إحدى وتسعين سنة. روى عن أبي كريب وطبقته.
قال محمد بن أحمد بن حمّاد الحافظ: لم تر عيني مثله. كان ثقة حجة. كان أكثر كلامه في مجلسه: يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبي على طاعتك.
[أخبرت أنه] مكث نحو ستين سنة لم يضع جنبه على مضرّبة، وكان صاحب ليل.
وعلي بن عبد الحميد الغضائري - نسبة إلى الغضار بالغين المعجمة وهو الإناء الذي يؤكل فيه- أبو الحسن بحلب في شوال. روى عن بشر بن الوليد، والقواريري، وعدّة.
وقال: حججت من حلب ماشيا أربعين حجّة.
وعلي بن محمد بن بشّار، أبو الحسن، وأبو صالح، البغدادي الزاهد، شيخ الحنابلة. أخذ عن صالح بن أحمد بن حنبل، والمرّوذي.
وجاء عنه أنه قال: أعرف رجلا منذ ثلاثين سنة يشتهي أن يشتهي ليترك لله ما يشتهي فلا يجد شيئا يشتهي. قاله في «العبر».
وقيل له: كيف الطريق إلى الله؟ فقال: كما عصيت الله سرّا تطيعه سرّا، حتّى يدخل إلى قلبك لطائف البر.
وكان له كرامات ظاهرة وانتشار ذكر في الناس، يتبرك الناس بزيارته.
قاله السخاوي.
وقال ابن أبي يعلى في «الطبقات»: حدّثنا إسماعيل الصابوني، ثنا إسحاق بن إبراهيم العدل، ثنا محمد بن أحمد بن حمّاد الورّاق، ثنا أبو
الحسن القتّات الصوفي، ثنا أبو صالح الحسن بن بشار العبد الصالح، حدّثني عبد الله بن أحمد قال: مرّت بنا جنازة ونحن قعود على مسجد أبي، فقال أبي: ما كان صنعة صاحب الجنازة؟ قالوا: كان يبيع على الطريق.
قال: في فنائه أو فناء غيره؟ قالوا: في فناء غيره. قال: عزّ عليّ، عزّ عليّ، إن كان في فناء يتيم أو غيره، فقد ذهبت أيامه عطلا. ثم قال: قم نصلّي عليه، عسى الله أن يكفّر عنه سيئاته. قال: فكبّر عليه أربع تكبيرات، ثم حملناه إلى قبره ودفناه، ونام أبي في تلك الليلة وهو مغتم به، فإذا نحن بامرأة قالت:
نمت البارحة، فرأيت صاحب الجنازة الذي مررت معه وهو يجري في الجنّة جريا وعليه حلّتان خضراوان، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غضبان عليّ وقت خروج روحي، فصلى عليّ أحمد بن حنبل، فغفر لي ذنوبي ومتّعني بالجنة.
وأنبأنا علي المحدّث، عن أبي عبد الله الفقيه، أنه قال: إذا رأيت البغدادي يحب أبا الحسن بن بشار، وأبا محمد البربهاري، فاعلم أنه صاحب سنّة.
وكان ابن بشّار يقول: من زعم أن الكفّار يحاسبون، ما يستحيي من الله، ثم قال: من صلّى خلف من يقول هذه المقالة يعيد. انتهى ملخصا.
أي خلافا للسالمية، فإنهم يقولون بحساب الكفّار كالمسلمين، والحق أنهم تحصى أعمالهم ويطّلعون عليها ويقرّعون بها تقريعا من غير وزن وحساب، لقوله تعالى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً والله أعلم.
وفيها محمد بن إبراهيم [بن زياد] الرّازي الطّيالسي روى عن إبراهيم بن موسى الفرّاء، وابن معين، وخلق.
قال الدارقطني: متروك.
قال في «المغني»: محمد بن إبراهيم بن زياد الطيالسي، عن ابن معين. قال الدارقطني: متروك، وضعّفه أبو أحمد الحاكم. انتهى.
[وأبو لبيد محمد بن إدريس السّامي السّرخسي]. روى عن سويد، وأبي مصعب، وطبقتهما.
وفيها أبو العبّاس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران السرّاج الحافظ، صاحب التصانيف. روى عن قتيبة، وإسحاق وخلق. وعنه الشيخان خارج «صحيحيهما»، وكان إمام هذا الشأن.
قال أبو إسحاق المزكّي: سمعته يقول: ختمت عن رسول الله ﷺ، اثني عشر ألف ختمة، وضحّيت عنه اثني عشر ألف أضحية.
قال محمد بن أحمد الدّقّاق: رأيت السرّاج يضحي كل أسبوع أو
أسبوعين أضحية، ثم يجمع أصحاب الحديث عليها. وقد ألّف السرّاج مستخرجا على «صحيح مسلم» وكان أمّارا بالمعروف نهّاء عن المنكر. عاش سبعا وتسعين سنة.
وفيها أبو قريش محمد بن جمعة بن خلف القهستاني الأصم الحافظ المتقن الثقة الرحّال، صاحب المسندين على الرّجال وعلى الأبواب. أكثر التّطواف، وروى عن أحمد بن منيع وطبقته.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع