من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثمان وثلاثمائة
فيها ظهر اختلال الدولة العباسية، وجيّشت الغوغاء ببغداد، فركب الجند، وسبب ذلك كثرة الظلم من الوزير حامد بن العبّاس، فقصدت العامة داره، فحاربتهم غلمانه، وكان له مماليك كثيرة، فدام القتال أياما، وقتل عدد كثير، ثم استفحل البلاء، ووقع النهب في بغداد.
وجرت فيها فتن وحروب بمصر، وملك العبيديون جيزة الفسطاط، فجزعت الخلق وشرعوا في الهرب.
وفيها توفي الحافظ أبو الحسن علي بن سراج بن أبي الأزهر المصري، وكان من الضعفاء لفسقه بشرب المسكر.
قال الحافظ ابن ناصر الدّين في «بديعة البيان»:
ثمّ علي بن سراج المصريحوّله شرابه ففرّ
أي: حوّله عن العدالة إلى الفسق وعدم قبول الرّواية.
شربه المسكر ففرّ، أي: انفر منه وهو أمر من الفرار.
وفيها إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه أبو إسحاق النيسابوري الرجل الصالح، راوي «صحيح مسلم». روى عن محمد بن رافع، ورحل وسمع ببغداد، والكوفة، والحجاز، وقيل: كان مجاب الدعوة. قاله في «العبر».
وفيها أبو محمد إسحاق بن أحمد الخزاعي مقرئ أهل مكّة وصاحب البزّي. روى «مسند العدني» عن المصنّف وتوفي في رمضان وهو في عشر التسعين.
وعبد الله بن [محمد بن] وهب الحافظ الكبير، أبو محمد الدّينوري، سمع الكثير، وطوّف الأقاليم، وروى عن أبي سعيد الأشجّ وطبقته.
قال ابن عدي: سمعت عمر بن سهل يرميه بالكذب.
وقال الدار قطنّي: متروك.
وقال أبو علي النيسابوري: بلغني أن أبا زرعة كان يعجز عن مذاكرته.
وقال ابن ناصر الدّين: كان حافظا رحّالا لكنه عند الدارقطني وغيره من المتروكين، وقد قبله قوم وصدقوه فيما ذكره ابن عدي وعنه نقلوه. انتهى.
وفيها أبو الطيب محمد بن المفضّل بن سلمة بن عاصم الضّبيّ، الفقيه الشافعيّ، صاحب ابن سريج. أحد الأذكياء. صنّف الكتب، وهو صاحب وجه، وكان يرى تكفير تارك الصلاة، ومات شابا، وأبوه وجدّه من أئمة العربية.
وفيها المفضّل بن محمد أبو سعيد الجندي، محدّث مكّة. روى عن إبراهيم بن محمد الشافعي، والعدني، وجماعة، ووثّقه أبو علي النيسابوري.
وفيها أبو الفرج يعقوب بن يوسف وزير العزيز بن المعتز العبيدي، صاحب مصر، وكان يعقوب أولا يهوديا يزعم أنه من ولد السّموأل بن عادياء صاحب حصن الأبلق باليمن، وكان في خدمة كافور الإخشيدي، وبعد وفاة كافور ولي الوزارة للعزيز، وكان يحب العلم والعلماء.
وقال له العزيز في مرضه: لو كنت تشترى لاشتريتك بملكي وولدي، ولما مات صلى عليه ودخل قبره. قاله ابن الأهدل، وهي من غلطاته، فإنه في هذا التاريخ لم يكن وجد، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع