من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة أربع وثلاثمائة
قال في «الشذور»: فيها استوزر أبو الحسن بن الفرات، فركب إلى داره، فسقى النّاس يومئذ في داره أربعين ألف رطل من الثلج. انتهى.
وفيها غزا مؤنس الخادم بلاد الرّوم من ناحية ملطية، وافتتح حصونا وأثر أثرة [حسنة].
وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله المخرّمي. روى عن عبيد الله القواريري وجماعة، ضعفه الدارقطني.
وقال في «المغني»: قال الدارقطني: ليس بثقة، حدّث ببواطيل.
انتهى.
وإسحاق بن إبراهيم أبو يعقوب المنجنيقي. روى عن داود بن رشيد وطبقته، وهو بغدادي نزل مصر، وكان يحدّث عن منجنيق بجامع مصر، فقيل له: المنجنيقي.
قال ابن ناصر الدّين: حدّث عنه النّسائيّ فيما قيل، وله كتاب «رواية الكبار عن الصغار والآباء عن الأبناء». انتهى.
وفيها مات الأمير زيادة الله بن عبد الله الأغلبي من أمراء القيروان.
حارب المهديّ الذي خرج بالقيروان، ثمّ عجز عنه، وهرب إلى الشام، ومات بالرّقّة، وقيل: بالرّملة.
وفيها الحافظ عبد الله بن مظاهر الأصبهاني شابا، وكان قد حفظ جميع «المسند» وشرع في حفظ أقوال الصحابة والتابعين. روى عن مطيّن يسيرا.
وفيها القاسم بن اللّيث بن مسرور الرّسعنيّ العتّابيّ، أبو صالح، نزيل تنّيس. روى عن المعافي الرّسعني، وهشام بن عمّار.
وفيها يموت بن المزرّع، أبو بكر العبدي البصري الأخباري العلّامة، وهو في عشر الثمانين. روى عن خاله الجاحظ، وأبي حفص الفلّاس وطبقتهما.
وقال ابن الأهدل: هو ابن أخت أبي عمرو الجاحظ. كان أديبا أخباريا، صاحب ملح ونوادر، وكان لا يعود مريضا خشية أن يتطيروا باسمه، ومدحه منصور الضرير فقال:
أنت تحيا والذي يكره أن تحيا يموت
أنت صنو النّفس بل أنت لروح النّفس قوت
انتهى.
وزاد ابن خلّكان بيتا وهو:
أنت للحكمة بيتلا خلت منك البيوت
وقال ابن خلّكان: وكان يقول: بليت بالاسم الذي سمّاني به أبي فإني إذا عدت مريضا فاستأذنت عليه، فقيل: من هذا؟ قلت: ابن المزرع، وأسقطت اسمي.
وقال ابن المزرع: رؤي قبر بالشام عليه مكتوب: لا يغترنّ أحد بالدّنيا فإني ابن من كان يطلق الرّيح إذا شاء ويحبسها إذا شاء، وبحذائه قبر مكتوب عليه: كذب الماصّ بظر أمه، لا يظن أحد أنه ابن سليمان بن داود، ﵉، إنما هو ابن حدّاد يجمع الريح في الزّق ثم ينفخ بها النّار.
قال: فما رأيت قبلهما قبرين يتشاتمان.
وكان له ولد يدعى أبا نضلة مهلهل بن يموت بن المزرع، وكان شاعرا مجيدا ذكره المسعودي في «مروج الذهب ومعادن الجوهر» فقال:
هو من شعراء زمانه.
وفيه يقول أبوه مخاطبا له:
مهلهل قد حلبت شطور دهريوكافحني بها الزّمن العنوت
وحاربت الرّجال بكلّ ربعفأذعن لي الحثالة والرّتوت
فأوجع ما أجنّ إليه قلبيكريم غشّه زمن عنوت
كفي حزنا بضيعة ذي قديموأبناء العبيد لها التّخوت
وقد أسهرت عيني بعد غمضمخافة أن تضيع إذا فنيت
وفي لطف المهيمن لي عزاءبمثلك إن فنيت وإن بقيت
وفي لطف المهيمن لي عزاءبمثلك إن فنيت وإن بقيت
فجب في الأرض وابغ بها علوماولا تقطعك جائحة شتوت
وإن بخل العليم عليك يومافذلّ له وديدنك السّكوت
وقل بالعلم كان أبي جوادايقولوا من أبوك فقل يموت
يقرّ لك الأباعد والأدانيبعلم ليس يجحده البهوت
ومن شعر مهلهل:
جلّت محاسنه عن كلّ تشبيهوجلّ عن واصف في النّاس يحكيه
انظر إلى حسنه واستغن عن صفتيسبحان خالقه، سبحان باريه
النّرجس الغضّ والورد الجنيّ لهوالأقحوان النّضير النّضر في فيه
دعا بألحاظه قلبي إلى عطبيفجاءه مسرعا طوعا يلبّيه
مثل الفراشة تأتي إذ ترى لهباإلى السّراج فتلقي نفسها فيه
وفيها توفي الشيخ الكبير، شيخ الرّيّ والجبال في التصوف، أبو يعقوب، يوسف بن الحسين الرّازي، كان نسيج وحده في إسقاط التصنّع.
صحب ذا النّون [المصري] وأبا تراب [النّخشبي].
ومن كلامه: لأن ألقى الله تعالى بجميع المعاصي، أحبّ إليّ من أن ألقاه بذرّة من التصنّع، وإذا رأيت المريد يشتغل بالرخص، فاعلم أنه لا يجيء منه شيء.
وكتب إلى الجنيد: لا أذاقك الله طعم نفسك، فإنك إن ذقتها لا تذوق بعدها خيرا أبدا.
وقال: علم القوم بأنّ الله يراهم، فاستحيوا من نظره أن يراعوا شيئا سواه.
وكان يقول: اللهم إنك تعلم أني نصحت النّاس قولا، وخنت نفسي فعلا، فهب لي خيانة نفسي بنصيحتي للنّاس.
وروى عن أحمد بن حنبل، ودحيم، وطائفة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع