من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثلاث وثلاثمائة
فيها عسكر الحسين بن حمدان، والتقى هو ورائق، فهزم رائقا، فسار لحربه مؤنس الخادم، فحاربه، وتمّت لهما خطوب، ثم أخذ مؤنس يستميل أمراء الحسين، فتسرعوا إليه، ثم قاتل الحسين فأسره واستباح أمواله، وأدخل بغداد على جمل [هو] وأعوانه، ثم قبض على أخيه أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان وأقاربه.
وفيها توفي الإمام، أحد الأعلام، صاحب المصنفات، التي منها «السنن» أبو عبد الرّحمن أحمد بن شعيب بن علي النّسائي- نسبة إلى نسا مدينة بخراسان- توفي في ثالث عشر صفر، وله ثمان وثمانون سنة. سمع قتيبة، وإسحاق وطبقتهما، بخراسان، والحجاز، والشام، والعراق، ومصر، والجزيرة، وكان رئيسا، نبيلا، حسن البزّة، كبير القدر، له أربع زوجات يقسم لهنّ، ولا يخلو من سرّيّة لنهمته في التّمتّع، ومع ذلك كان يصوم صوم داود، ويتهجد.
قال ابن المظفّر الحافظ: سمعتهم بمصر يصفون اجتهاد النّسائي في العبادة بالليل والنهار، وأنه خرج إلى الغزو مع أمير مصر، فوصف من شهامته
وإقامته السّنن في فداء المسلمين، واحترازه عن مجالس الأمير.
وقال الدارقطنيّ: خرج حاجّا، فامتحن بدمشق، وأدرك الشهادة، فقال: احملوني إلى مكّة، فحمل، وتوفي بها في شعبان.
قال: وكان أفقه مشايخ مصر في عصره وأعلمهم بالحديث. قاله في «العبر».
وقال السيوطيّ في «حسن المحاضرة»: الحافظ [الإمام] شيخ الإسلام، أحد الأئمة المبرّزين والحفاظ المتقنين والأعلام المشهورين، جال البلاد، واستوطن مصر، فأقام بزقاق القناديل.
قال أبو علي النيسابوري: رأيت من أئمة الحديث أربعة في وطني وأسفاري: النسائي بمصر، وعبدان بالأهواز، ومحمد بن إسحاق، وإبراهيم بن أبي طالب بنيسابور.
وقال الحاكم: النسائيّ أفقه مشايخ أهل مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح والسّقيم من الآثار، وأعرفهم بالرّجال.
وقال الذهبيّ: هو أحفظ من مسلم، له من المصنفات «السّنن الكبرى» و «الصّغرى» وهي إحدى الكتب الستة، و «خصائص علي» و «مسند علي»
و «مسند مالك». ولد سنة خمس وعشرين ومائتين.
قال ابن يونس: كان خروجه من مصر في سنة اثنتين وثلاثمائة، ومات بمكّة، وقيل: بالرملة. انتهى ما قاله السيوطي.
وقال ابن خلّكان: قال محمد بن إسحاق الأصبهاني: سمعت مشايخنا بمصر يقولون: إن أبا عبد الرّحمن فارق مصر في آخر عمره، وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسا برأس، حتى يفضّل؟
وفي رواية [أخرى] ما أعرف له فضيلة إلا «لا أشبع الله بطنك».
وكان يتشيّع، فما زالوا يدافعونه في خصيتيه، وداسوه، ثم حمل إلى مكّة فتوفي بها وهو مدفون بين الصّفا والمروة.
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: لما داسوه بدمشق مات بسبب ذلك الدّوس، فهو مقتول وكان صنّف كتاب «الخصائص» في فضل علي بن أبي طالب، ﵁ وأهل البيت، وأكثر روايته فيه عن الإمام أحمد بن حنبل، ﵁، فقيل له: ألا صنّفت في فضل الصحابة، ﵃، كتابا، فقال: دخلت دمشق والمنحرف عن علي رضي الله
عنه كثير، فأردت أن يهديهم الله بهذا الكتاب، وكان إماما في الحديث، ثقة، ثبتا، حافظا. انتهى ملخصا.
وفيها الحافظ الكبير أبو العبّاس الحسن بن سفيان الشّيبانيّ النّسويّ نسبة إلى نسا مدينة بخراسان- صاحب «المسند» و «الأربعين». تفقه على أبي ثور، وكان يفتي بمذهبه، وسمع من أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والكبار، وكان ثقة، حجة، واسع الرحلة.
قال الحاكم: كان محدّث خراسان في عصره، مقدّما في التثبت، والكثرة، والفهم، والأدب، والفقه، توفي في رمضان.
وقال ابن ناصر الدين: الحسن بن سفيان بن عامر، أبو العبّاس، الشيباني النسائي، ويقال: النسوي، صاحب «المسند» الكبير، و «كتاب الأربعين» وكان شيخ خراسان في وقته، مقدّما في حفظه، وفقهه، وأدبه، وثقته، وثبته. قلبت عليه أحاديث وعرضت، فردّها كما كانت ورويت. انتهى.
وفيها أبو علي الجبّائي- بالضم والتشديد، نسبة إلى جبّى بالقصر قرية بالبصرة - وهو محمد بن عبد الوهاب البصري، شيخ المعتزلة، وأبو شيخ المعتزلة أبي هاشم، وعن أبي علي أخذ شيخ زمانه أبو الحسن الأشعري، ثم رجع عن مذهبه، وله معه مناظرات في الثلاثة الأخوة وغيرها، دوّنها النّاس، وسيأتي شيء منها في ترجمة الأشعري إن شاء الله تعالى.
وفيها أحمد بن الحسين بن إسحاق، أبو الحسين البغداديّ، المعروف بالصّوفيّ الصغير. روى عن إبراهيم التّرجماني، وجماعة.
قال في «المغني»: وثقه الحاكم وغيره، ولّينه بعضهم. انتهى.
وفيها أبو جعفر أحمد بن فرح البغداديّ المقرئ الضرير، صاحب أبي عمرو الدّوري، تصدّر للإقراء مدة طويلة. وروى الحديث عن ابن المديني.
وفيها إسحاق بن إبراهيم النيسابوري البشتي روى عن قتيبة وخلق.
وقال ابن ناصر الدّين: هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر النيسابوري البشتي، أبو يعقوب، كان إماما حافظا. صنّف «المسند» في ثلاث مجلدات كبار وهو غير أبي محمد بن إسحاق بن إبراهيم البستي- بسين مهملة على الصحيح- وهذا أي الثاني يروي عن هشام بن عمّار. توفي سنة سبع وثلاثمائة، وقد بينت ذلك في كتابي «التوضيح». انتهى.
قلت: والبشتي: بضم الباء وسكون المعجمة، نسبة إلى بشت قرية بهراة، وبلدة بنيسابور منها صاحب الترجمة.
وفيها إبراهيم بن إسحاق النيسابوري، أبو إسحاق الأنماطي هو حافظ، ثبت، رحّال، وهو صاحب «التفسير» روى عن إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وكان الإمام أحمد ينبسط في منزله، ويفطر عنده.
وفيها جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ، أبو محمد النيسابوري، المعروف بالحصيري. سمع إسحاق بن راهويه، وكان حافظا عابدا.
وعبد الله بن محمد بن يونس السّمناني أبو الحسين، أحد الثقات الرّحالة. سمع إسحاق، وعيسى زغبة وطبقتهما.
وفيها عمر بن أيوب السّقطي، ببغداد. روى عن بشر بن الوليد وطبقته.
وفيها محمد بن العبّاس الدّرفس الغسّاني، أبو عبد الرحمن الدمشقي، الرجل الصالح. روى عن هشام بن عمّار، وعدة.
ومحمد بن المنذر، أبو عبد الرّحمن الهروي الحافظ، المعروف بشكّر. طوّف وجمع، وروى عن محمد بن رافع وطبقته.
قال ابن ناصر الدين: وشكّر، هو محمد بن المنذر بن سعيد بن عثمان ابن رجاء بن عبد الله بن العبّاس بن مرداس السّلمي الهروي القهندي، أبو جعفر، ويقال: أبو عبد الرحمن، ثقة. انتهى.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع