من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ست وثلاثمائة
فيها وقبلها، أمرت أم المقتدر في أمور الأمة ونهت لركاكة ابنها، فإنه لم يركب للنّاس ظاهرا منذ استخلف إلى سنة إحدى وثلاثمائة، ثم ولّى ابنه عليا إمرة مصر وغيرها، وهو ابن أربع سنين، وهذا من الوهن الذي دخل على الأمة.
ولما كان في هذا العام أمرت أمّ المقتدر ثمل القهرمانة أن تجلس للمظالم وتنظر في القصص كل جمعة بحضرة القضاة، وكانت تبرز التواقيع وعليها خطها.
وفيها أقبل القائم محمد بن المهدي صاحب المغرب في جيوشه، فأخذ الإسكندرية وأكثر الصعيد ثم رجع.
وفيها توفي أحمد بن الحسن بن عبد الجبّار، أبو عبد الله الصوفي ببغداد. روى عن علي بن الجعد، ويحيى بن معين، وجماعة. وكان ثقة صاحب حديث، مات عن نيّف وتسعين سنة.
وفيها القاضي أبو العبّاس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي شيخ
الشافعية وصاحب التصانيف، في جمادى الأولى، وله سبع وخمسون سنة وستة أشهر، وكان يقال له: الباز الأشهب، ولي قضاء شيراز، وله من المصنفات أربعمائة مصنف. روى الحديث عن الحسن بن محمد الزّعفراني وجماعة.
قال الإسنوي: قال الشيخ أبو إسحاق: كان ابن سريج يفضّل على جميع أصحاب الشافعيّ حتّى على المزني. انتهى.
وقال ابن خلّكان: وأخذ الفقه عن أبي القاسم الأنماطي، وعنه أخذ فقهاء الإسلام، ومنه انتشر مذهب الإمام الشافعي في أكثر الآفاق.
وكان يناظر أبا بكر محمد بن داود الظاهري، وحكي أنه قال له أبو بكر يوما: أبلعني ريقي، فقال له: أبلعتك دجلة.
وقال له يوما: أمهلني ساعة، قال: أمهلتك من الساعة إلى قيام الساعة.
وقال له يوما: أكلمك من الرّجل فتجيبني من الرأس، فقال له: هكذا البقر، إذا جفّت أظلافها دهنت قرونها.
وكان يقال له في عصره: إن الله تعالى بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المائة من الهجرة فأظهر كل سنّة وأمات كل بدعة، ومن الله تعالى على رأس المائتين بالإمام الشّافعيّ حتّى أظهر السّنّة وأخفى البدعة، ومن الله تعالى على رأس الثلاثمائة بك حتّى قويت كل سنّة وأضعفت كل بدعة.
وكان له مع فضائله نظم حسن. انتهى كلام ابن خلّكان.
قلت: وإليه تنسب المسألة السريجية، وهي أن يقول الرجل لزوجته:
كلما، أو إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم يقول: أنت طالق.
قال ابن سريج: لا يقع شيء للدور.
قال البلقيني بجواز تقليد مصحح الدور في السريجية ومقلده لا يأثم، وإن كنت لا أفتي بصحته لأن الفروع الاجتهادية لا يعاقب عليها، وإن ذلك ينفع عند الله تعالى، ذكره عنه ابن حجر الهيتمي، والله أعلم.
وقال ابن الأهدل: ومن غرائب ابن سريج أنه كان يقول بلزوم الحكم بالحكاية. انتهى.
وفيها أبو عبد الله بن الجلّاء الزاهد المشهور، شيخ الصوفية، واسمه أحمد بن يحيى. صحب ذا النّون المصري والكبار، وكان قدوة أهل الشام. توفي في رجب. وقد سئل عن المحبة فقال: ما لي وللمحبة، أنا أريد أن أتعلم التوبة.
قال السخاوي في «طبقاته»: أحمد بن يحيى بن الجلّاء بغدادي الأصل، أقام بالرّملة ودمشق، وكان من جلّة مشايخ الشام. صحب أباه يحيى بن الجلّاء، وأبا تراب النّخشبي، وذا النّون المصري، وأبا عبيد البسري، وكان أستاذ محمد بن داود الدّقّي.
وكان عالما ورعا. كان يقال: إن في الدّنيا ثلاثة من أئمة الصوفية، لا رابع لهم: الجنيد ببغداد، وأبو عثمان الحيري بنيسابور، وأبو عبد الله أحمد بن الجلّاء بالشام.
قال ابن الجلّاء: من بلغ بنفسه إلى رتبة سقط عنها، ومن بلغ بالله ثبت عليها.
وسئل: على أيّ شيء تصحب الخلق ؟ فقال: إن لم تبرّهم فلا تؤذهم، وإن لم تسرّهم فلا تسؤهم.
وقال: لا تضيّعنّ حقّ أخيك اتّكالا على ما بينك وبينه من المودّة والصداقة، فإن الله تعالى فرض لكل مؤمن حقوقا لا يضيّعها إلا من لم يراع حقوق الله عليه.
وقال: من استوى عنده المدح والذمّ فهو زاهد، ومن حافظ على الفرائض في أول مواقيتها فهو عابد، ومن رأى الأفعال كلّها من الله [﷿] فهو موحّد.
وسئل: ما تقول في الرجل يدخل البادية بلا زاد؟ قال: هذا من فعل رجال الله [﷿].
قيل: فإن مات؟ قال: الدّيّة على القاتل.
وقال: اهتمامك بالرزق يزيلك عن الحق، ويفقرك إلى الخلق.
وسئل مرة عن علم الصفات: فقال:
كيفية المرء ليس المرء يدركهافكيف كيفيّة الجبّار في القدم
هو الذي أحدث الأشياء مبتدعافكيف يدركه مستحدث النسم
انتهى.
وفيها حاجب [بن مالك] بن أركين الفرغاني الضّرير المحدّث.
روى عن أحمد بن إبراهيم الدّورقي وجماعة، وله جزء مشهور.
والحسين بن حمدان التّغلبي ذبح في حبس المقتدر بأمره.
وفيها الإمام أبو محمد، عبدان بن أحمد بن موسى الأهوازي الجواليقي، الحافظ الثقة، صاحب التصانيف. سمع سهل بن عثمان، وأبا بكر بن أبي شيبة، وطبقتهما، وكان يحفظ مائة ألف حديث، ورحل إلى البصرة ثماني عشرة مرّة. توفي في آخر السنة، وله تسعون سنة وأشهر.
وفيها محمد بن خلف بن [حيّان بن صدقة]، وكيع القاضي أبو بكر الأخباري، صاحب التصانيف. روى عن الزّبير بن بكّار وطبقته، وولي قضاء الأهواز.
قال في «المغني»: مشهور، له تآليف.
قال ابن المنادي: فيه لين. انتهى.
وفيها الفقيه الإمام أبو الحسن منصور بن إسماعيل بن عمر التميمي [المصري] الضّرير. أصله من رأس عين، بلدة بالجزيرة له مصنفات في مذهب الشافعي حسان، وشعر جيد، أصابته فاقة في سنة قحط، فنادى بأعلى صوته فوق داره:
الغياث الغياث يا أحرارنحن فقراء وأنتم تجار
إنما تحسن المواساة في الشدة لا حين ترخص الأسعار
فسمعه جيرانه، فأصبح على بابه مائة حمل برّ.
قال الإسنويّ: كان فقيها متصرفا في علوم كثيرة، لم يكن في زمانه في مصر مثله.
قال الشيخ أبو إسحاق: قرأ على أصحاب الشافعي، وأصحاب أصحابه، وله مصنفات في الفقه مليحة، منها «الهداية» و «المسافر» و «الواجب» و «المستعمل» وغيرها. وله شعر مليح، وكان شاعرا خبيث اللسان في الهجو، وكان جنديا، ومن شعره:
لي حيلة فيمن ينمّوليس في الكذّاب حيله
من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليله
وله أيضا:
الكلب أحسن عشرةوهو النهاية في الخساسة
ممّن ينازع في الرّياسة قبل أوقات الرّياسه
نقل عنه الرافعي في الجنايات أن مستحق القصاص يجوز له استيفاؤه بغير إذن الإمام. انتهى ملخصا.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع