تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثلاثين وثلاثمائة

فيها كان الغلاء المفرط، والوباء ببغداد، وبلغ الكرّ مائتين وعشرة دنانير، وأكلوا الجيف.

وفيها وصلت الرّوم، فأغارت على أعمال حلب، وبدّعوا، وسبوا عشرة آلاف نسمة.

وفيها أقبل أبو الحسين علي بن محمد البريدي في الجيوش، فالتقاه المتّقي، وابن رائق فكسرهما، ودخلت طائفة من الدّيلم دار الخلافة، فقتلوا جماعة، وهرب المتقي وابنه وابن رائق إلى الموصل، واختفى وزيره أبو إسحاق القراريطي، ووجدوا في الحبس كورتكين، وكان قد عثر عليه ابن رائق فسجنه، فأهلكه البريدي، ووقع النهب في بغداد، واشتد القحط، حتّى بلغ الكرّ ثلاثمائة وستة عشر دينارا، وهذا شيء لم يعهد في العراق، ثم عمّ البلاء بزيادة دجلة، فبلغت عشرين ذراعا، وغرق الخلق، ثم خامر توزون، وذهب إلى الموصل.

وأما ناصر الدولة بن حمدان، فإنه جاءه محمد بن رائق إلى خيمته، فوضع رجله في الرّكاب، فشبّ به الفرس، فوقع، فصاح ابن حمدان:

لا يفوتنّكم، فقتلوه، ثم دفن وعفا قبره، وجاء ابن حمدان إلى المتّقي، فقلّده مكان ابن رائق، ولقّبه ناصر الدولة، ولقّب أخاه عليّا سيف الدولة، وعاد وهما معه، فهرب البريدي من بغداد، وكانت مدة استيلائه عليها ثلاثة أشهر وعشرين يوما، ثم تأهّب البريدي، فالتقاه سيف الدولة بقرب المدائن، ودام القتال يومين، فكانت الهزيمة أولا على بني حمدان والأتراك، ثم كانت على البريدي، وقتل جماعة من أمراء الدّيلم، وأسر آخرون، وردّ إلى واسط بأسوأ حال، وساق وراءه سيف الدّولة، ففرّ إلى البصرة.

وفيها توفي في رجب بمصر أبو بكر محمد بن عبد الله الصّيرفي الشافعي، له مصنّفات في المذهب، وهو صاحب وجه. روى عن أحمد ابن منصور الرّمادي.

قال الإسنوي: كان إماما في الفقه والأصول. تفقه على ابن سريج، وله تصانيف موجودة، منها «شرح الرسالة»، وكتاب في الشروط أحسن فيه كل الإحسان.

قال القفّال الشاشي: كان الصيرفيّ أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي. انتهى.

وفيها أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال النيسابوري.

روى عن الذّهلي، والحسن الزعفراني، وطبقتهما، بخراسان، والعراق، ومصر.

وفيها أبو يعقوب النّهرجوري، شيخ الصوفية، إسحاق بن محمد.

صحب الجنيد وغيره، وجاور مدة، وكان من كبار العارفين.

قال السخاوي في «طبقاته»: صحب الجنيد، وعمرو [بن عثمان] المكّي، وأبا يعقوب السّوسي، وغيرهم من المشايخ.

أقام بالحرم سنين كثيرة مجاورا. ومات بها. كان أبو عثمان المغربي يقول: ما رأيت في مشايخنا أنور من النّهرجوري.

قال: الفناء هو فناء رؤية قيام العبد لله، والبقاء رؤية قيام الله في الأحكام.

وقال: الصدق موافقة الحقّ في السّرّ والعلانية، وحقيقة الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة.

وقال: العابد يعبد الله تحذيرا، والعارف يعبد الله تشويقا.

وقال في قوله، ﷺ، «احترسوا من النّاس بسوء الظّنّ» أو كما قال، ﷺ، فقال: بسوء الظن في أنفسكم بأنفسكم، لا بالناس.

وقال: مفاوز الدّنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب.

وقال: من كان شبعه بالطعام لم يزل جائعا، ومن كان غناه بالمال، لم يزل فقيرا، ومن قصد بحاجته الخلق، لم يزل محروما، ومن استعان في أمره بغير الله، لم يزل مخذولا.

وقال: الدّنيا بحر، والآخرة ساحل، والمركب التقوى، والناس سفر.

وقال: لا زوال لنعمة إذا شكرت، ولا بقاء لها إذا كفرت.

وقال: اليقين مشاهدة الإيمان بالغيب.

وقال: من عرف الله لم يغتر بالله.

انتهى ملخصا.

وفيها تبوك بن أحمد بن تبوك السّلمي بدمشق. روى عن هشام بن عمّار.

وفيها المحاملي، القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل الضّبّي البغدادي، في ربيع الآخر، وله خمس وتسعون سنة. وهو ثقة مأمون، وأول سماعه في سنة أربع وأربعين من أبي هشام الرفاعي، وأقدم شيخ له أحمد بن إسماعيل السّهمي صاحب مالك.

قال أبو بكر الدّاودي: كان يحضر مجلس المحاملي عشرة آلاف رجل يكتبون عنه.

وقال ابن بردس: روى عن الفلّاس، والدّورقي، وغيرهما. وعنه:

دعلج، والدارقطني، وابن جميع.

أثنى عليه الخطيب. انتهى.

وفيها قاضي دمشق، أبو يحيى، زكريا بن أحمد بن يحيى بن موسى ختّ البلخي الشافعي، وهو صاحب وجه. روى عن أبي حاتم الرّازي

وطائفة، ومن غرائب وجوهه: إذا شرط في القراض، أن يعمل ربّ المال مع العامل جاز. قاله في «العبر».

وقال الإسنوي: فارق وطنه لأجل الدّين، ومسح عرض الأرض، وسافر إلى أقاصي الدّنيا في طلب الفقه، وكان حسن البيان في النظر، عذب اللسان في الجدل.

وذكره ابن عساكر في «تاريخ الشام» فقال: كان أبوه وجدّه عالمين، وولّاه المقتدر بالله قضاء الشام، وتوفي بدمشق في ربيع الأول، وقيل في ربيع الآخر.

ونقل عنه الرافعي: أنه كان يرى أن القاضي يزوج نفسه بامرأة هو وليّها.

قال: وحكي عنه أنه فعله لما كان قاضيا بدمشق.

قال العبّادي في «الطبقات»: قال أبو سهل الصعلوكي: رأيت ابنه من هذه المرأة يكدي بالشام. انتهى ملخصا.

وفيها عبد الغافر بن سلامة أبو هاشم الحمصي بالبصرة، وله بضع وتسعون سنة. روى عن كثير بن عبيد وطائفة.

وفيها عبد الله بن يونس القبري الأندلسي صاحب بقي بن مخلد، وكان كثير الحديث مقبولا.

وفيها عبد الملك بن أحمد بن أبي حمزة البغدادي الزّيّات روى عن الحسن بن عرفة وجماعة، وهو من كبار شيوخ ابن جميع.

وفيها الحافظ أبو الحسن علي بن محمد بن عبيد البغدادي البزّار.

روى عن عبّاس الدّوري، ويحيى بن أبي طالب. وعنه: الدارقطني، وابن جميع. وثّقه الخطيب وغيره، ووصفوه بالحفظ.

وفيها محمد بن عبد الملك بن أيمن القرطبيّ أبو عبد الله الحافظ، وله ثمان وسبعون سنة. رحل إلى العراق سنة أربع وتسعين، وصنّف كتابا على «سنن أبي داود» وسمع من محمد بن إسماعيل الصائغ، ومحمد بن الجهم السّمّري وطبقتهما. وعنه: ابنه أحمد.

قال ابن بردس: هو مسند الأندلس، وهو ثقة ثقة.

وفيها عمر بن سهل بن إسماعيل الحافظ المجوّد أبو حفص الدّينوري. رحّال. روى عن إبراهيم بن أبي العنبس، وأبي قلابة الرّقاشي.

وعنه: أبو القاسم بن ثابت الحافظ، وصالح بن أحمد الهمداني. ذكره أبو يعلى في «الإرشاد» فقال: ثقة، إمام، عالم.

وفيها محمد بن عمر بن حفص الجورجيري بأصبهان. سمع إسحاق بن الفيض، ومسعود بن يزيد القطّان، وطبقتهما.

وفيها محمد بن يوسف بن بشر، أبو عبد الله الهروي الحافظ، غندر من أعيان الشافعية، والرحّالين في الحديث. سمع الرّبيع بن سليمان، والعبّاس بن الوليد البيروتي، وطبقتهما. ومنه: الطبراني، والزّبير بن عبد الواحد، وهو ثقة ثبت.

وفيها الزاهد العابد، أبو صالح صاحب المسجد المشهور بظاهر باب شرقي، يقال: اسمه مفلح، وكان من الصوفية العارفين.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.