تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ست وستين وثلاثمائة

فيها كما قال في «الشذور» حجّت جميلة بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان، فاستصحبت أربعمائة جمل عليها محامل عدّة، فلم يعلم في أيّها كانت، فلما شاهدت الكعبة، نثرت عليها عشرة آلاف دينار، وأنفقت الأموال الجزيلة. انتهى.

وفيها مات ملك القرامطة، الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنّابي القرمطي.

والجنّابي: بفتح الجيم، وقيل: بضمها، وتشديد النون، آخره موحدة، نسبة إلى جنّابة، بلد بالبحرين.

وكان الحسن هذا قد استولى على أكثر الشام وهزم جيش المعزّ، وقتل قائدهم جعفر بن فلاح، وذهب إلى مصر وحاصرها شهورا، قبل مجيء المعزّ، وكان يظهر طاعة الطائع لله، وله شعر وفضيلة. ولد بالأحساء، ومات بالرملة. قاله في «العبر».

والقرمطي: بكسر القاف وسكون الراء، وكسر الميم، وبعدها طاء مهملة.

والقرمطة في اللغة تقارب الشيء بعضه من بعض، ويقال: خط مقرمط ومشي مقرمط، إذا كان كذلك، لأن أبا سعيد، والد هذا المذكور، كان قصيرا مجتمع الخلق، أسمر كريه المنظر، فلذلك قيل له: قرمطي، ونسبت إليه القرامطة.

وفيها ركن الدولة، الحسين بن بويه، أبو علي، والد عضد الدولة، ومؤيد الدولة، وأخو معز الدولة، وعماد الدولة.

كان الحسين هذا صاحب أصبهان، والرّي، وعراق العجم وكان ملكا، جليلا، عاقلا، نبيلا، بقي في الملك خمسا وأربعين سنة، ووزر له ابن العميد، ووزر لولده الصاحب بن عبّاد، ومات الحسين هذا بالقولنج، وقسم الممالك على أولاده، فكلهم أقام بنوبته أحسن قيام.

وفيها المستنصر بالله أبو مروان الحكم، صاحب الأندلس، وابن صاحبها الناصر لدّين الله، عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني، ولي ستة عشر سنة، وعاش ثلاثا وستين سنة، وكان حسن السيرة، محبّا للعلم، مشغوفا بجمع الكتب والنظر فيها، بحيث إنه جمع منها ما لم يجمعه أحد قبله ولا جمعه أحد بعده، حتّى ضاقت خزائنه عنها، وسمع من قاسم بن أصبغ وجماعة، وكان بصيرا بالأدب والشعر، وأيام الناس، وأنساب العرب، متسع الدائرة، كثير المحفوظ، ثقة فيما ينقله، توفي في صفر بالفالج.

وفيها أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن زياد النيسابوري

المعدّل. سمع من مسدّد بن قطن، وابن شيرويه، وفي الرحلة من الهيثم بن خلف، وهذه الطبقة. وحدّث بمسند إسحاق بن راهويه، وعاش ثلاثا وثمانين سنة.

وفيها أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي بن المرزبان، صاحب أبي الحسين بن القطّان، أحد أئمة المذهب الشافعي وأصحاب الوجوه.

قال الخطيب البغدادي: كان أحد الشيوخ الأفاضل. قال: ودرس عليه الشيخ أبو حامد [الإسفراييني] أول قدومه بغداد.

وقال الشيخ أبو إسحاق: وكان فقيها ورعا، حكي عنه أنه قال:

ما أعلم أنّ لأحد عليّ مظلمة، وقد كان فقيها يعرف أن الغيبة من المظالم، ودرّس ببغداد، وعليه درس الشيخ أبو حامد [الإسفراييني]. توفي في رجب بعد شيخه ابن القطّان بسبع سنين.

والمرزبان: معناه كبير الفلاحين.

نقل عنه الرافعي في مواضع محصورة، منها: أن الآجرّ المعجون بالروث يطهر ظاهره بالغسل. قاله ابن قاضي شهبة.

وفيها أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن الحسن الجرجاني القاضي بجرجان، ثم بالرّيّ.

ذكره الشيخ أبو إسحاق في «طبقاته» فقال: كان فقيها، أديبا، شاعرا.

وذكره الثعالبي في «اليتيمة» فقال: حسنة جرجان، وفرد الزمان،

ونادرة الملك، وإنسان حدقة العلم، ودرّة تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، جمع خط ابن مقلة، ونثر الجاحظ، ونظم البحتري، وفيه يقول الصاحب بن عبّاد:

إذا نحن سلّمنا لك العلم كلّهفدع هذه الألفاظ ننظم شذورها

ومن شعره:

يقولون لي فيك انقباض وإنّمارأوا رجلا عن موقف الذّلّ أحجما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
أرى النّاس من داناهم هان عندهمومن أكرمته عزّة النّفس أكرما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
وما كلّ برق لاح لي يستفزّنيولا كلّ من لاقيت أرضاه منعما
وإني إذا ما فاتني الأمر لم أبتأقلب كفي إثره متندما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
ولم أقض حقّ العلم إن كان كلّمابدا طمع صيّرته لي سلّما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
إذا قيل هذا منهل قلت قد أرىولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظّما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتيلأخدم من لاقيت لكن لأخدما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
أأشقى به غرسا وأجنيه ذلّةإذا فاتباع الجهل قد كان أحزما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهمولو عظّموه في النّفوس تعظّما
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
ولكن أذلوه فهان ودنّسوامحياه بالأطماع حتّى تجهّما

وطاف المذكور في صباه الأقاليم، ولقي العلماء، وصنّف كتاب «الوساطة بين المتنبي وخصومه» أبان فيه عن فضل كبير، وعلم غزير.

ذكر الحاكم في «تاريخ نيسابور» أنه مات بها في سلخ صفر سنة ست وستين وثلاثمائة، وحمل تابوته إلى جرجان. ودفن بها. قاله الإسنوي في «طبقاته».

ومن شعره أيضا:

ما تطعّمت لذّة العيش حتّىصرت للبيت والكتاب جليسا
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
ليس شيء أعزّ عندي من العلم فلا تبتغي سواه أنيسا
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
إنّما الذّلّ في مخالطة النّاس فدعهم وعش عزيزا رئيسا
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة

وفيها أبو الحسن محمد بن الحسن بن أحمد بن إسماعيل النيسابوري السرّاج المقرئ، الرجل الصالح. رحل وكتب عن مطيّن، وأبي شعيب الحرّاني، وطبقتهما.

قال الحاكم: قلّ من رأيت أكثر اجتهادا وعبادة منه، وكان يقرئ القرآن، توفي يوم عاشوراء.

وفيها أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيّويه النيسابوري ثم المصري، القاضي. سمع بكر بن سهل الدمياطي، والنسائي، وطائفة. توفي في رجب وهو في عشر التسعين أو جاوزها.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.