من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة اثنتين وستين وثلاثمائة
فيها كما قال في «الشذور» قتل رجل من أصحاب المعونة في الكرخ، فبعث أبو الفضل الشيرازي، صاحب معز الدولة، من طرح النار في النحّاسين إلى السمّاكين، فاحترقت سبعة عشر ألف وثلاثمائة وعشرين دارا، أجرة ذلك في الشهر ثلاثة وأربعون ألف دينار، ودخل في الجملة ثلاثة وثلاثون مسجدا، وهلك خلق كثير من الناس في الدّور والحمامات. انتهى.
وفيها كما قال في «العبر» أخذت الرّوم نصيبين، واستباحوها، وتوصل من نجا إلى بغداد، وقام معهم المطوّعة، واستنفروا الناس، ومنعوا من الخطبة، وحاولوا الهجوم على المطيع، وصاحوا عليه بأنه عاجز مضيّع لأمر الإسلام، فسار العسكر من جهة الملك عز الدّولة بختيار، فالتقوا الرّوم، فنصروا عليهم، وأسروا جماعة من البطارقة، ففرح المسلمون.
وفي رمضان، قدم المعزّ أبو تميم العبيدي مصر، ومعه توابيت آبائه، ونزل بالقصر بداخل القاهرة المعزّية، التي بناها مولاه جوهر، لما افتتح الإقليم، وقويت شوكة الرّفض شرقا وغربا، وخفيت السّنن، وظهرت البدع، نسأل الله تعالى العافية.
وفيها عالم البصرة، أبو حامد المرورّوذي- بفتح الميم والواو الأولى، وضم الراء الثانية المشددة، آخره معجمة، نسبة إلى مرو الرّوذ، أشهر مدن خراسان- أحمد بن عامر بن بشر الشافعي، صاحب التصانيف، وصاحب أبي إسحاق المروزي، وكان إماما لا يشق غباره، تفقه به أهل البصرة.
قال الإسنوي: أحمد بن بشر بن عامر العامري، المروروذي [أخذ عن أبي إسحاق المروزي] ونزل البصرة، وأخذ عنه فقهاؤها، وكان إماما لا يشق غباره، وشرح «مختصر المزني» وصنّف «الجامع» في المذهب، وهو كتاب جليل، وصنّف في أصول الفقه، ومات سنة ثنتين وستين وثلاثمائة.
ذكره الشيخ في «طبقاته» والنووي في «تهذيبه» وكذلك ابن الصلاح، إلا أنه لم يؤرّخ وفاته، ونبّه على أن الشيخ أبا إسحاق جعل عامرا أباه، وبشرا جدّه، قال: والصواب العكس، أي أحمد بن بشر بن عامر. وكان له ولد يقال له: أبو محمد، ذكره الشيخ في «طبقاته» فقال: جمع بين الفقه والأدب، وله كتب كثيرة، وكان واحد عصره في صناعة القضاء، قال:
وأظنه أخذ الفقه عن أبيه. انتهى.
وفيها أحمد بن محمد بن عمارة أبو الحارث اللّيثي الدمشقي. روى عن زكريا خيّاط السّنّة، وطائفة، وعمّر دهرا.
وفيها أبو إسحاق المزكّي، إبراهيم بن محمد بن يحيى النيسابوري.
قال الحاكم: هو شيخ نيسابور في عصره، وكان من العبّاد المجتهدين الحجّاجين المنفقين على الفقراء والعلماء. سمع ابن خزيمة، وأبا العبّاس السرّاج، وخلقا كثيرا، وأملى عدة سنين.
وكان يحضر مجلسه أبو العبّاس الأصم، ومن دونه. وكان مثريا متموّلا، عاش سبعا وستين سنة، توفي بعد خروجه من بغداد، ونقل إلى نيسابور فدفن بها.
وفيها إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال الأمير، أبو العبّاس، الأديب الممدوح ب «مقصورة ابن دريد»، وتلميذ ابن دريد، وكان أبوه إذ ذاك متولى الأهواز للمقتدر، فأسمعه من عبدان الجواليقي.
وفيها أبو بحر البربهاري- نسبة إلى بيع البربهار، وهو ما يجلب من الهند- محمد بن الحسن بن كوثر في جمادى الأولى، وله ست وتسعون سنة، وهو ضعيف. روى عن الكديمي، ومحمد بن الفرج الأزرق، وطبقتهما.
قال الدارقطني: اقتصروا من حديثه على ما انتخبته فحسب.
وفيها سعيد بن القاسم بن العلاء أبو عمر البردعي - بفتح الباء وسكون الراء وفتح الدال المهملة، نسبة إلى بردعة، بلد بأذربيجان- وهو نزيل طراز من بلاد الأتراك، وهو من الحفاظ المعتبرين.
وفيها محمد بن عبد الله بن محمد أبو جعفر البلخيّ الهندوانيّ، الذي
كان من براعته في الفقه، يقال له: أبو حنيفة الصغير، توفي ببخارى، وكان شيخ تلك الديار في زمانه، وقد روى الحديث، عن محمد بن عقيل البلخي وغيره.
والهندواني: بكسر الهاء وضم الدال المهملة، نسبة إلى باب هندوان، محلة ببلخ.
وفيها أبو عمر محمد بن موسى بن فضالة، المحدّث الأموي، مولاهم الدمشقي، في ربيع الآخر. روى عن الحسن بن الفرج الغزّي، وأبي قصي العذري.
قال عبد العزيز الكتاني: تكلموا فيه.
وفيها أبو الحسن، وأبو القاسم، محمد بن هانئ، حامل لواء الشعراء بالأندلس، قيل: إنه ولد يزيد بن حاتم، وكان أبوه هانئ من قرية من قرى المهدية بإفريقية، وكان شاعرا أديبا، وانتقل إلى الأندلس، فولد له محمد المذكور بها، بمدينة إشبيلية ونشأ بها، واشتغل، وحصل له حظ وافر من الأدب، وعمل الشعر فبهر فيه، وكان حافظا لأشعار العرب وأخبارهم، واتصل بصاحب إشبيلية، وحظي عنده، وكان كثير الانهماك في الملاذ، متهما بمذهب الفلاسفة، ولما اشتهر عنه ذلك نقم عليه أهل إشبيلية، وساءت المقالة في حق الملك بسببه، واتهم بمذهبه أيضا، فأشار الملك عليه بالغيبة عن البلد مدة ينسى فيها خبره، فانفصل عنها وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة، فخرج إلى عدوة المغرب ولقي جوهر القائد، ثم رحل إلى جعفر ويحيى ابني علي وكانا بالمسيلة وهي مدينة الزاب، وكانا والييها، فبالغا في إكرامه والإحسان إليه، ونمى خبره إلى معز أبي تميم معدّ بن المنصور العبيدي وطلبه منهما، فلما انتهى إليه بالغ في الإنعام عليه.
ثم توجه المعزّ إلى الديار المصرية، فشيعه ابن هانئ، ورجع إلى المغرب لأخذ عياله والالتحاق به، فتجهز وتبعه، فلما وصل إلى برقة أضافه شخص من أهلها، فأقام عنده أياما في مجلس الأنس، فيقال: إنهم عربدوا عليه، فقتلوه، وقيل: خرج من تلك الدار وهو سكران، فنام على الطريق، فأصبح ميتا، ولم يعلم سبب موته، وقيل: وجد في سانية من سواني برقة، مخنوقا بتكة سراويله، وكان ذلك في بكرة نهار الأربعاء ثالث عشري رجب من هذه السنة، وعمره ست وثلاثون سنة، وقيل: اثنتان وأربعون.
ولما بلغ المعز وفاته، تأسف عليه كثيرا، وقال: كنّا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق، فلم يقدّر لنا ذلك.
وقال ابن خلكان: وديوانه كبير، ولولا ما فيه من الغلو [في المدح] والإفراط المفضي إلى الكفر لكان من أحسن الدواوين، وليس في المغاربة من هو في طبقته، لا من متقدميهم، ولا متأخريهم، بل هو أشعرهم على الإطلاق، وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة، وكانا متعاصرين، وإن كان في المتنبي وأبي تمام من الاختلاف ما فيه. انتهى.
وقال ابن الأهدل: وكنية ابن هانئ أبو نواس بكنية الحسن بن هانئ الحكمي العراقي، وكان معاصرا للمتنبي، ويقال: إنهما اجتمعا حين أراد المتنبي دخول المغرب فردّه أبو الحسن بن هانئ بنوع حيلة. انتهى.
والحيلة التي ذكرها، قال بعضهم: هي أن المتنبي أراد مدح فاتح قابس، فضجر لذلك، وقال: شاعر لم يرضه عطاء كافور، كيف يرضه عطائي؟
فتكفل له ابن هانئ بردّه، فيقال: إنه خرج في زيّ أعرابي فقير على راحلة هزيلة، وأمامه شاة هزيلة، فمرّ بهذا الزيّ على المتنبي، وكان على مرحلة من قابس، فلما رآه المتنبي أراد العبث به، فقال له: من أين أتيت؟ قال: من عند الملك، قال: فيما كنت عنده؟ قال: امتدحته بأبيات فأجازني هذه الشاة، فأضمر في نفسه أن الملك من لطفه كونه أجازه بها يظن شعره على قدرها، فقال له: ما قلت فيه؟ قال: قلت:
ضحك الزمان وكان قدما عابسالمّا فتحت بعزم سيفك قابسا
أنكحتها بكرا وما أمهرتهاإلّا قنا وصوارما وفوارسا
من كان بالسمر العوالي خاطبافتحت له البيض الحصون عرائسا
فتحير المتنبيّ وأمر بتقويض خيامه، وآلى أن لا يمتدحه، إذ جائزته على مثل هذا بمثل هذه.
ومن غرر المدائح ونخب الشعر قوله في مدح المعز العبيدي المذكور:
هل من أعقّة عالج يبرينأم منهما بقر الحدوج العين
ولمن ليال ما ذممنا عهدهامذ كنّ إلّا ما لهن شجون
المشرقات كأنهنّ كواكبوالناعمات كأنهنّ غصون
بيض وما ضحك الصباح وإنهابالمسك من طرر الحسان لجون
أدمى لها المرجان صفحة خدّهوبكى عليه اللؤلؤ المكنون
أعدى الحمام تأوّهى من بعدهافكأنّه فيما سجعن رنين
بانوا سراعا للهوادج زفرةمما رأين وللمطيّ حنين
فكأنما صبغوا الضّحى بقبابهمأو عصفرت فيه الخدود عيون
ماذا على حلل الشقيق لو أنهاعن لابسيها في الخدود تبين
ولأعطشنّ الروض بعدهم فلايرويه لي دمع عليه هتون
أأعير لحظ العين بهجة منظروأخونهم؟ إني إذا لخؤون
لا الجوّ جوّ مشرق ولو اكتسىزهرا ولا الماء المعين معين
لا يبعدنّ إذ العبير له ثرىوالتاج دوح والشموس قطين
أيام فيه العبقريّ مفوّفوالسّابريّ مضاعف موضون
والزاغبيّة شرّع والمشرفة لمّع والمقربات صفون
والعهد من لمياء إذ لا قومهاخزر ولا الحرب الهؤون زبون
حزنى لذاك الجوّ وهو أسنةوكذا لذاك الخشف وهو عرين
هل يدنينّي منه أجرد سابحمرح وجائلة السريح أمون
ومهنّد فيه الفرند كأنهدله له خلف الغرار أنين
عضب المضارب مقفر من أعينلكنّه من أنفس مسكون
قد كان رشح حديده أجلا وماصاغت مضاربه الرقاق قيون
وكأنما يلقى الضريبة دونهبابن المعزّ واسمه المخزون
وهي طويلة.
قال في «العبر»: كان منغمسا في اللذات والمحرمات، متهما بدين الفلاسفة، شرب ليلة عند ناس، فأصبح مخنوقا، وهو في عشر الخمسين.
انتهى.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع