من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة سبع وخمسين وثلاثمائة
لم يحجّ فيها الركب لفساد الوقت، وموت السلاطين في الشهور الماضية.
وفيها توفي أبو العبّاس أحمد بن الحسين بن إسحاق بن عتبة الرّازي، ثم المصري المحدّث، في جمادى الآخرة، وله تسع وثمانون سنة. سمع مقدام بن داود الرّعيني وطبقته.
وفيها أحمد بن محمد بن رميح أبو سعيد النّخعي النّسوي- نسبة إلى نسا مدينة بخراسان- الحافظ صاحب التصانيف. طوّف الكثير، وروى عن أبي خليفة الجمحي وطبقته. وعنه الدارقطني، والحاكم، والصحيح أنه ثقة.
سكن اليمن مدة.
وفيها المتّقي لله أبو إسحاق [إبراهيم بن] المقتدر بالله جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن الموفق العباسي المخلوع، الذي ذكرنا في سنة ثلاث وثلاثين أنهم خلعوه وسملوا عينيه، وبقي في السجن إلى هذا العام كالميّت، ومات في شعبان، وله ستّون سنة، وكانت خلافته أربع سنين، وكان
أبيض مليحا مشربا حمرة، أشهل أشقر، كثّ اللحية، وكان فيه صلاح وكثرة صيام وصلاة، ولم يكن يشرب، وفي خلافته انهدمت القبة الخضراء المنصورية، التي كانت فخر بني العبّاس. قاله في «العبر».
وقال السيوطي في «تاريخ الخلفاء»: بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الراضي، وهو ابن أربع وثلاثين سنة، وأمه أمة اسمها خلوب، وقيل: زهرة، ولم يغير شيئا قطّ، ولا تسرّى على جاريته التي كانت له، وكان كثير الصوم والتعبد، لم يشرب نبيذا قطّ، وكان يقول: لا أريد نديما غير المصحف، ولم يكن له إلّا الاسم، والتّدبير لأبي عبد الله أحمد بن علي الكوفي كاتب بجكم.
وفي هذه السنة من ولايته سقطت القبة الخضراء بمدينة المنصور، وكانت تاج بغداد، ومأثرة بني العبّاس، وهي من بناء المنصور، ارتفاعها ثمانون ذراعا، وتحتها إيوان طوله عشرون ذراعا في عشرين ذراعا، وعليها تمثال فارس بيده رمح، فإذا استقبل بوجهه [جهة] علم أن خارجيا يظهر من تلك الجهة، فسقط رأس هذه القبة في ليلة ذات مطر ورعد.
ولما كحل المتقي لله وعمي قال القاهر:
صرت وإبراهيم شيخي عمىلا بدّ للشيخين من مصدر
ما دام توزون له إمرةمطاعة فالميل في المجمر
ولم يحل الحول على توزون حتّى مات، وأما المتقي فإنه أخرج إلى جزيرة مقابلة للسندية فحبس بها، فأقام في السجن خمسا وعشرين سنة، إلى أن مات.
وفي أيام المتقي كان [ابن] حمدي اللص ضمنه [ابن] شيرزاد لما تغلّب على بغداد اللصوصية بخمسة وعشرين ألف دينار في الشهر، فكان يكبس بيوت الناس بالمشعل والشمع ويأخذ الأموال، وكان اسكورج الديلمي قد ولي شرطة بغداد، فأخذه ووسّطه وذلك سنة اثنتين وثلاثين.
ولما بلغ القاهر أن المتقي سمل قال: صرنا اثنين، ونحتاج إلى ثالث، فكان كذلك، فإنه سمل المستكفي بالله. انتهى ما أورده السيوطي ملخصا.
وفيها حمزة بن محمد بن علي بن العبّاس أبو القاسم الكناني المصري الحافظ، أحد أئمة هذا الشأن. روى عن النسائي وطبقته، وعنه ابن مندة، والدارقطني وغيرهما، وهو ثقة ثبت. أكثر التطواف بعد الثلاثمائة، وجمع، وصنّف، وكان صالحا ديّنا، بصيرا بالحديث وعلله، مقدّما فيه، وهو صاحب مجلس البطاقة. توفي في ذي الحجة ولم يكن للمصريين في زمانه أحفظ منه.
قال الحاكم: متفق على تقدمه في معرفة الحديث.
وفيها القاضي أبو العبّاس عبد الله بن الحسين بن الحسن بن أحمد بن النّضر النّضري المروزي، محدّث مرو، في شعبان، وله سبع وتسعون سنة. رحّله أبوه، وسمع من الحارث بن أبي أسامة، وأبي إسماعيل [محمد بن إسماعيل] الترمذي وطائفة. وانتهى إليه علو الإسناد بخراسان.
وفيها أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون الحمداني، ابن عم ناصر الدولة، وسيف الدولة ابني حمدان.
قال الثعالبي في وصفه: كان فرد دهره، وشمس عصره، أدبا وفضلا، وكرما ومجدا، وبلاغة وبراعة، وفروسية وشجاعة، وشعره مشهور سائر بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة، والعذوبة والفخامة والحلاوة [والمتانة] ومعه رواء الطبع، وسمة الظرف، وعزّة الملك. ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلّا في شعر عبد الله بن المعتز. وأبو فراس يعدّ أشعر منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام، وكان الصاحب بن عبّاد يقول: بدئ الشعر بملك، وختم بملك، يعني امرأ القيس وأبا فراس، وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز، ويتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته، ولا يجترئ على مجاراته، وإنما لم يمدحه ومدح من هو دونه من آل حمدان تهيبا له وإجلالا، لا إغفالا وإخلالا. وكان سيف الدولة يعجب جدا بمحاسن أبي فراس، ويميّزه بالإكرام على سائر قومه، [ويصطنعه لنفسه] ويستصحبه في غزواته، ويستخلفه في أعماله.
وكانت الرّوم قد أسرته في بعض وقائعها وهو جريح قد أصابه سهم بقي نصله في فخذه ونقلته إلى خرشنة ثم منها إلى القسطنطينية، وذلك في سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، وفداه سيف الدولة، ومن شعره:
قد كنت عدّتي التي أسطو بهاويدي إذا اشتدّ الزمان وساعدي
فرميت منك بضدّ ما أمّلتهوالمرء يشرق بالزّلال البارد
وله أيضا:
أساء فزادته الإساءة حظوةحبيب على ما كان منه حبيب
يعدّ عليّ الواشيان ذنوبهومن أين للوجه الجميل ذنوب؟
وله أيضا:
سكرت من لحظه لا من مدامتهومال بالنّوم عن عيني تمايله
فما السّلاف دهتني بل سوالفهولا الشّمول ازدهتني بل شمائله
ألوى بعزمي اصداغ لوين لهوغال قلبي بما تحوى غلائله
وكان ينشد ابنته لما حضرته الوفاة:
نوحي عليّ بحسرةمن خلف سترك والحجاب
قولي إذا كلمتنيفعييت عن ردّ الجواب
زين الشباب أبو فراس لم يمتّع بالشباب
وهذا يدل على أنه لم يقتل، أو يكون جرح وتأخر موته، ثم مات من الجراحة.
وذكر ثابت بن سنان الصابئ في «تاريخه» قال: في يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الأولى جرت حرب بين أبي فراس، وكان مقيما بحمص، وبين أبي المعالي بن سيف الدولة، واستظهر عليه أبو المعالي وقتله في الحرب، وأخذ رأسه وبقيت جثته مطروحة في البرية، إلى أن جاء بعض الأعراب فكفّنه ودفنه. انتهى.
أي لأنه كما قال ابن خالويه: لما مات سيف الدولة عزم أبو فراس على التغلب على حمص، فاتصل خبره بأبي المعالي بن سيف الدولة، وغلام أبيه فرغويه فقاتلاه، وكان أبو فراس خال أبي المعالي، وقلعت أمه عينها لما بلغها وفاته، وقيل: إنها لطمت وجهها فقلعت عينها، وقيل: لما قتله فرغويه ولم
يعلم به أبو المعالي، فلما بلغه الخبر شقّ عليه. ويقال: إن مولده كان في سنة عشرين وثلاثمائة، والله أعلم.
وفيها عبد الرحمن بن العبّاس، أبو القاسم البغدادي، والد أبي طاهر المخلّص. سمع الكديمي، وإبراهيم الحربي، وجماعة، ووثقه ابن أبي الفوارس، وكان أطروشا.
وفيها الحافظ عمر بن جعفر البصري المحدّث، أبو حفص. خرّج لخلق كثير، ولم يكن بالمتقن، وقد روى عن أبي خليفة الجمحي، وعبدان، وطبقتهما. وعنه أبو الحسن رزقويه، وعلي بن أحمد الرّزاز. وكان الدارقطنيّ يتتبع خطأ عمر البصري فيما انتقاه عن أبي بكر الشافعي، وعاش عمر هذا سبعا وسبعين سنة.
وقال عنه ابن ناصر الدّين: متهم.
وقال في «المغني»: صدوق، وقال أبو محمد السبيعي: كذاب، وقال غيره: يخطئ كثيرا. انتهى كلام «المغني».
وفيها أبو إسحاق القراريطي الوزير، وهو محمد بن أحمد بن إبراهيم الإسكافي الكاتب. وزر لمحمد بن رائق ثم وزر للمتقي لله مرتين، فصودر، فصار إلى الشام، وكتب لسيف الدولة، وكان ظلوما غشوما. عاش ستا وسبعين سنة. قاله في «العبر».
وفيها ابن مخرم، وهو الرئيس أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن مخلد البغدادي الجوهري، الفقيه المحتسب، تلميذ محمد بن جرير الطبري. روى عن الحارث بن أبي أسامة وطبقته، وعاش ثلاثا وتسعين سنة.
قال البرقاني: لا بأس به، وتوفي في ربيع الآخر.
وفيها أبو سليمان الحرّاني محمد بن الحسين البغدادي، في رمضان. روى عن أبي خليفة، وعبدان، وأبي يعلى، وكان ثقة، صاحب حديث ومعرفة وإتقان.
وفيها أبو علي بن آدم الفزاري، محمد بن محمد بن عبد الحميد، القاضي العدل بدمشق، في جمادى الآخرة. روى عن أحمد بن علي القاضي المروزي وطبقته.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع