تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة خمسين وثلاثمائة

فيها كما قال في «الشذور» وقع برد كل بردة أوقيتان وأكثر، فقتل البهائم والطيور. انتهى.

وفيها بنى معزّ الدولة ببغداد دار السلطنة في غاية الحسن والكبر، غرم عليها ثلاثة عشر ألف ألف درهم وقد درست آثارها في حدود الستمائة، وبقي مكانها دحلة يأوي إليها الوحش، وبعض أساسها موجود، فإنه حفر لها في الأساسات نيّفا وثلاثين ذراعا.

وفيها توفي أبو حامد، أحمد بن علي بن الحسن بن حسنويه النيسابوري التاجر. سمع أبا عيسى الترمذي، وأبا حاتم الرّازي وطبقتهما.

قال الحاكم: كان من المجتهدين في العبادة، ولو اقتصر على سماعه الصحيح لكان أولى به، لكنه حدّث عن جماعة أشهد بالله أنه لم يسمع منهم.

وفيها أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة، القاضي، أبو بكر، البغدادي، تلميذ محمد بن جرير، وصاحب التصانيف في الفنون، ولي قضاء

الكوفة، وحدّث عن محمد بن سعد العوفي وطائفة، وعاش تسعين سنة.

توفي في المحرم.

قال الدارقطني: ربما حدّث من حفظه بما ليس في كتابه، أهلكه العجب، وكان يختار لنفسه، ولم يقلّد أحدا.

وقال ابن رزقويه: لم تر عيناي مثله.

وقال في «المغني»: أحمد بن كامل القاضي، بغدادي حافظ. قال الدارقطني: كان متساهلا. انتهى.

وفيها أبو سهل القطّان، أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد البغدادي، المحدّث الأخباري الأديب، مسند وقته. روى عن العطاردي، ومحمد بن عبيد الله المنادي، وخلق، وفيه تشيّع قليل. وكان يديم التهجّد والتلاوة والتعبّد، وكان كثير الدّعابة.

قال البرقاني: كرهوه لمزاح فيه، وهو صدوق. توفي في شعبان، وله إحدى وتسعون سنة.

وفيها أبو محمد الخطبيّ، إسماعيل بن علي بن إسماعيل البغدادي، الأديب الأخباري، صاحب التصانيف. روى عن الحارث بن أبي أسامة وطائفة، وكان يرتجل الخطب ولا يتقدّمه فيها أحد، فلذا نسب إليها.

وفيها أبو علي الطبري، الحسن بن القاسم، شيخ الشافعية ببغداد، درّس الفقه بعد شيخه أبي علي بن أبي هريرة، وصنّف التصانيف، ك «المحرّر» و «الإفصاح» و «العدة» وهو صاحب وجه.

قال الإسنوي: وصنّف في الأصول، والجدل والخلاف، وهو أول من صنّف في الخلاف المجرّد، وكتابه فيه يسمى «المحرّر». سكن بغداد ومات بها.

والطبريّ: نسبة إلى طبرستان، بفتح الباء الموحدة، وهو إقليم متّسع، مجاور لخراسان، ومدينته آمل، بهمزة ممدودة وميم مضمومة، بعدها لام.

وأما الطبرانيّ: فنسبة إلى طبرية الشام. انتهى ملخصا.

وفيها أبو جعفر بن بريه الهاشمي، خطيب جامع المنصور، عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن المنصور، أبي جعفر، في صفر، وله سبع وثمانون سنة، وهو في طبقة الواثق في النسب. روى عن العطاردي، وابن أبي الدّنيا.

وفيها توفي خليفة الأندلس، وأول من تلقب بأمير المؤمنين من أمراء الأندلس، الناصر لدين الله، أبو المطرّف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله [الأموي] المرواني، وكانت دولته خمسين سنة، وقام بعده ولده المستنصر بالله، وكان كبير القدر كثير المحاسن، أنشأ مدينته الزهراء، وهي عديمة النظير في الحسن، غرم عليها من الأموال ما لا يحصى. قاله في «العبر».

وقال الشيخ أحمد المقّري المتأخّر في كتابه «أزهار الرياض في أخبار عياض»: وكانت سبتة مطمح همم ملوك العدوتين، وقد كان للناصر

المرواني صاحب الأندلس عناية واهتمام بدخولها في إيالته، حتّى حصل له ذلك.

ومنها ملك المغرب، وكان تملكه إيّاها سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وبها اشتد سلطانه وملك البحر بعدوية، وصار المجاز في يده، ومن غريب ما يحكى أنه أراد الفصد، فقعد في المجلس الكبير المشرف بأعلى مدينته بالزهراء، واستدعى الطبيب لذلك، وأخذ الطبيب المبضع وجسّ يد الناصر، فبينما هو كذلك، إذ طل زر زور، فصعد على إناء من ذهب بالمجلس، وأنشد:

أيّها الفاصد مهلابأمير المؤمنينا
إنما تفصد عرقافيه محيا العالمينا

وجعل يكرر ذلك المرة بعد المرة، فاستظرف أمير المؤمنين الناصر ذلك غاية الاستظراف، وسرّ به غاية السرور، وسأل من أين اهتدى إلى ذلك؟

ومن علّم الزر زور، فذكر له، أن السيدة الكبيرة مرجانة، أمّ ولي عهده الحاكم المستنصر بالله صنعت ذلك، وأعدّته لذلك الأمر، فوهب لها ما ينوف على ثلاثين ألف دينار.

والناصر المذكور هو الباني لمدينة الزهراء العظيمة المقدار، ولما بنى قصر الزهراء المتناهي في الجلالة، أطبق الناس على أنه لم يبن مثله في الإسلام البتّة، وكل من رآه قطع أنه لم ير مثله ولم يبصر له شبها، بل لم يسمع بمثله، بل لم يتوهم كون مثله.

وذكر المؤرخ أبو مروان بن حيّان، صاحب الشرطة، أن مباني قصر الزهراء اشتملت على أربعة آلاف سارية، ما بين كبيرة وصغيرة، حاملة ومحمولة، ونيّف على ثلاثمائة سارية زائدة، وأن مصارع أبوابها صغارها وكبارها كانت تنيف على خمسة عشر ألف باب، وكان عدد الفتيان بالزهراء ثلاثة عشر ألف فتى وسبعمائة وخمسون فتى، وعدة النساء بقصر الزهراء

الصغار والكبار وخدم الخدمة ثلاثة آلاف وثلاثمائة امرأة وأربع عشرة.

وذكر بعض أهل الخدمة في الزهراء أنه قدر النفقة فيها في كل يوم بثلاثمائة ألف دينار، مدة خمسة وعشرين عاما.

قال القاضي أبو الحسن: ومن أخبار منذر بن سعيد البلوطي المحفوظة له مع الخليفة الناصر في إنكاره عليه الإسراف في البناء، أن الناصر كان اتخذ لسطح القبة التي كانت على الصرح الممرد المشهور شأنه بقصر الزهراء قراميد مغشاة ذهبا وفضة، أنفق عليها مالا جسيما، وقد مدّ سقفها به، تستلب الأبصار بأشعة أنوارها، وجلس فيها أثر تمامها يوما لأهل مملكته، فقال لقرابته من الوزراء وأهل الخدمة، مفتخرا بما صنعه من ذلك: هل رأيتم أو سمعتم ملكا كان قبلي فعل مثل فعلي هذا وقدر عليه؟ فقالوا: لا يا أمير المؤمنين، وإنك لأوحد في شأنك كله، وما سبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه، ولا انتهى إلينا خبره، فأبهجه قولهم وسرّه، وبينما هو كذلك إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد واجما ناكس الرأس، فلما أخذ مجلسه، قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السقف المذهب، واقتداره عليه، وعلى إبداعه، فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته، وقال له: والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الشيطان- لعنه الله تعالى- يبلغ منك هذا المبلغ، ولا أن تمكنه من قلبك هذا التمكين، مع ما آتاك الله من فضله ونعمته، وفضّلك به على العالمين، حتّى ينزلك منازل الكافرين. قال: فانفعل عبد الرحمن لقوله وقال له: انظر ما تقول، وكيف أنزلتني منزلتهم؟ فقال له: نعم، أليس الله تعالى يقول: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً من فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. فوجم الخليفة، واطّردت عيناه، وأطرق مليا ودموعه تتساقط خشية وخشوعا لله تعالى، ثم أقبل على منذر، فقال له: جزاك الله يا قاضي عنّا وعن نفسك خيرا، وعن الدّين والمسلمين أجمل جزائه، وكثّر في الناس أمثالك، فالذي قلت هو الحق، وقام من

مجلسه ذلك، وأمر بنقض سقف القبة، وأعاد قرمدها ترابا على صفة غيرها.

وحكى غير واحد أنه وجد بخط الناصر رحمه الله تعالى أيام السرور التي صفت له دون تكدير، يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، ويوم كذا من كذا، وعدّت تلك الأيام، فكان فيها أربعة عشر يوما، فاعجب أيّها العاقل لهذه الدّنيا وعدم صفائها، وبخلها بكمال الأحوال لأوليائها، هذا الخليفة الناصر حلف السعود، المضروب به المثل في الارتقاء في الدّنيا، ملكها خمسين سنة وستة أو سبعة أشهر، وثلاثة أيام، ولم يصف له إلا أربعة عشر يوما، فسبحان ذي العزّة العالية القائمة، والمملكة الباقية الدائمة، تبارك اسمه وتعالى جدّه، لا إله إلّا هو. انتهى ما أورده المقّري مختصرا.

وفيها القاضي أبو السائب، عتبة بن عبيد الله الهمذانيّ الشافعيّ الصوفيّ تزهد أولا، وصحب الكبار، ولقي الجنيد، ثم كتب الفقه، والحديث، والتفسير، وولي قضاء أذربيجان، ثم قضاء همذان، ثم سكن بغداد ونوّه باسمه، إلى أن ولي قضاء القضاة، وكان أول من ولي قضاء القضاة من الشافعية.

وفيها فاتك المجنون، أبو شجاع الرّومي الإخشيذي.

قال ابن خلّكان: كان روميا، أخذ صغيرا، هو وأخوه، وأخت لهما من بلد الرّوم، من موضع قرب حصن يعرف بذي الكلاع، فتعلّم الخطّ بفلسطين، وهو ممّن أخذه الإخشيذ من سيده كرها بالرّملة بلا ثمن، فأعتقه صاحبه، وكان معهم حرّا في عدة المماليك، وكان كريم النفس بعيد الهمّة شجاعا كثير الإقدام، ولذلك قيل له «المجنون» وكان رفيق الأستاذ كافور في خدمة الإخشيذ، فلما مات مخدومهما، وتقرر كافور في خدمة ابن الإخشيذ أنف فاتك من الإقامة بمصر كيلا يكون كافور أعلى رتبة منه، ويحتاج أن

يركب في خدمته، وكانت الفيوم وأعمالها إقطاعا له، فانتقل إليها واتخذها سكنا له، وهي بلاد وبيئة كثيرة الوخم، فلم يصح له بها جسم، وكان كافور يخافه ويكرمه [فزعا منه] وفي نفسه منه ما فيها، فاستحكمت العلة في جسم فاتك، وأحوجته إلى دخول مصر للمعالجة، فدخلها وبها أبو الطيب المتنبي ضيفا للأستاذ كافور، وكان يسمع بكرم فاتك وكثرة سخائه، غير أنه لا يقدر على قصد خدمته خوفا من كافور، وفاتك يسأل عنه ويراسله بالسلام، ثم التقيا بالصحراء مصادفة من غير ميعاد، وجرى بينهما مفاوضات، فلما رجع فاتك إلى داره حمل لأبي الطيب في ساعته هدية قيمتها ألف دينار، ثم أتبعها بهدايا بعدها، فاستأذن المتنبي الأستاذ كافور في مدحه، فأذن له، فمدحه بقصيدته المشهورة وهي من غرر القصائد التي أولها:

لا خيل عندك تهديها ولا مالفليسعد النّطق إن لم تسعد الحال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

وما أحسن قوله فيها:

كفاتك ودخول الكاف منقصةكالشمس ولّت وما للشّمس أمثال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

ثم توفي فاتك المذكور عشية الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمسين وثلاثمائة بمصر، فرثاه المتنبي، وكان قد خرج من مصر بقصيدته التي أولها:

الحزن يقلق والتجمّل يردعوالدّمع بينهما عصيّ طيّع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

وما أرق قوله فيها:

إني لأجبن من فراق أحبّتيوتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»
ويزيدني غضب الأعادي قسوةويلمّ بي عتب الصّديق فأجزع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»
تصفو الحياة لجاهل أو غافلعمّا مضى منها وما يتوقّع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»
ولمن يغالط في الحقيقة نفسهويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانهما قومه ما يومه ما المصرع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»
تتخلّف الآثار عن أصحابهاحينا ويدركها الفناء فتتبع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

وهي من المراثي الفائقة، وله فيه غيرها. انتهى ملخصا.

وفيها مسند بخارى، أبو بكر، محمد بن أحمد بن خنب البغدادي الدّهقان الفقيه المحدّث، في رجب، وله أربع وثمانون سنة. روى عن يحيى بن أبي طالب، وابن أبي الدّنيا، والكبار، واستوطن بخارى، وصار شيخ تلك الناحية.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.