تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة أربع وخمسين وثلاثمائة

فيها بنى الدّمستق نقفور مدينة بالرّوم، وسمّاها قيساريّة، وقيل:

قيصريّة، وسكنها [ليغير كل وقت]، وجعل أباه بالقسطنطينيّة، فبعث إليه أهل طرسوس، والمصّيصة يخضعون له، ويسألونه أن يقبل منهم القطيعة كل سنة، وينفذ إليهم نائبا له عليهم، فأجابهم، ثم علم ضعفهم وشدّة القحط عليهم، وأن أحدا لا ينجدهم، وأن كلّ يوم يخرج من طرسوس ثلاثمائة جنازة، فرجع عن الإجابة، وخاف إن تركهم حتّى تستقيم أحوالهم أن يمتنعوا عليه، فأحرق الكتاب على رأس الرسول، فاحترقت لحيته، وقال: امض، ما عندي إلّا السيف، ثم نازل المصّيصة، فأخذها بالسيف واستباحها، ثم فتح طرسوس بالأمان، وجعل جامعها اصطبلا لخيله، وحصّن البلدين وشحنهما بالرجال.

وفيها توفي أبو بكر بن الحدّاد، وهو أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن عطية البغدادي المصري. مات بديار مصر. روى عن أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، وبكر بن سهل الدمياطي وطبقتهما.

وفيها المتنّبيّ، شاعر العصر، أبو الطيب، أحمد بن الحسين بن الحسن الجعفيّ الكوفيّ، في رمضان، بين شيراز والعراق، وله إحدى وخمسون سنة.

قال في «العبر»: وليس في العالم [أحد] أشعر منه أبدا، وأمّا مثله فقليل.

وقال ابن الأهدل: قدم الشام في صباه، واشتغل بفنون الأدب، ومهر فيها، وتضلع من علم اللغة. قال له أبو علي الفارسي، صاحب «الإيضاح» و «التكملة»: كم لنا من الجموع على وزن فعلى؟ فقال له: المتنّبيّ سريعا:

حجلى وظربى، قال الفارسي: ففتشت كتب اللغة ثلاث ليال، فلم أجد لهما ثالثا. حجلى جمع حجل، وهو الطائر المسمى بالقبج، وظربى جمع ظربان، كقطران، وهي دابة منتنة الرائحة.

ومن الناس كثير يرجحون المتنبي على أبي تمام. ومن بعده. ورزق سعادة في شعره، واعتنى العلماء بديوانه فشرحوه أكثر من أربعين شرحا.

مدح جماعة من الملوك، ووصله ابن العميد بثلاثين ألفا، وأتاه من عضد الدولة صاحب شيراز مثلها.

وسمي المتنّبيّ لأنه ادّعى النبوّة في بادية السماوة، وتبعه خلق كثير من كلب وأخرج [إليه] لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيذية فأسره واستتابه، وتفرّق أصحابه، وكان كافور الإخشيذي يقول لما هجاه: من ادّعى النبوّة، أما يدعي الملك.

وكان العلماء يحضرون مجلس سيف الدولة، ويتناظرون كل ليلة، فوقع بين المتنبي وابن خالويه ليلة كلام، فوثب ابن خالويه على المتنبي، فضرب وجهه بمفتاح فشجّه، فخرج ودمه يسيل على وجهه، فغضب وخرج إلى كافور، فلما صدر منه قصد بلاد فارس بالمشرق، ومدح عضد الدولة الديلمي، فأجزل جائزته، فلما رجع من عنده عرض له فاتك بن أبي جهل، فقتل المتنبيّ، وابنه محسّد، وغلامه مفلح بالقرب من النّعمانية على ميلين من دير العاقول.

ثم رأى المتنبيّ الغلبة ففرّ، فقال له الغلام: لا يتحدث عنك بفرار وأنت القائل:

الخيل واللّيل والبيداء تعرفنيوالطّعن والضّرب والقرطاس والقلم

فكرّ راجعا فقتل.

ويحكى أن المعتضد صاحب قرطبة أنشد يوما بيت المتنبي:

إذا ظفرت منك العيون بنظرةأثاب بها معيي المطيّ ورازمه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وجعل يردده فأنشده ابن وهبون الأندلسي بديها:

لئن جاد شعر ابن الحسين فإنماتجيد العطايا واللها تفتح اللها
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة
تنبّأ عجبا بالقريض ولو درىبأنك تروى شعره لتألّها

أي لادّعى الألوهية. انتهى ما أورده ابن الأهدل.

وروى له الشيخ تاج الدّين الكندي بالسند الصحيح بيتين لا يوجدان في «ديوانه» وهما:

أبعين مفتقر إليك نظرتنيفأهنتني وقذفتني من حالق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعين مفتقر إليك نظرتني»
لست الملوم أنا الملوم لأننيأنزلت آمالي بغير الخالق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعين مفتقر إليك نظرتني»

ولما كان بمصر مرض، وكان له صديق يغشاه في علّته، فلما شفي، انقطع عنه، فكتب إليه: وصلتني وصلك الله معتّلا وقطعتني مبلّا فإن رأيت أن لا تحبّب العلة إليّ، ولا تكدر الصحة عليّ فعلت، إن شاء الله تعالى.

وقال الناميّ الشاعر: كان قد بقي من الشعر زاوية دخلها المتنبي، وكنت أشتهي أن أكون قد سبقته إلى معنيين قالهما، ما سبق إليهما، أحدهما قوله:

رماني الدّهر بالأرزاء حتّىفؤادي في غشاء من نبال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»
فصرت إذا أصابتني سهامتكسّرت النّصال على النّصال
للشاعر جرمانوس فرحات، من قصيدة «أخفت بمنظري كلا فأجرى»

والآخر قوله:

في جحفل ستر العيون غبارهفكأنما يبصرن بالآذان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

وقال أبو الفتح بن جني النحوي: قرأت ديوان أبي الطيب عليه، فلما بلغت قوله في كافور القصيدة التي أولها:

أغالب فيك الشوق والشوق أغلبوأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

حتّى بلغت إلى قوله:

ألا ليت شعري هل أقول قصيدةولا أشتكي فيها ولا أتعتّب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وبي ما يذود الشعر عني أقلّهولكنّ قلبي يا ابنة القوم قلّب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

فقلت: يعزّ عليّ، أن يكون هذا الشعر في مدح غير سيف الدولة؟

فقال: حذرناه وأندرناه، فما نفع. ألست القائل فيه؟:

أخا الجود أعط النّاس ما أنت مالكولا تعطينّ الناس ما أنا قائل

فهو الذي أعطاني كافورا بسوء تدبيره وقلة تمييزه.

مولد المتنبي بالكوفة في سنة ثلاث وثلاثمائة في محلة تسمى كندة، فنسب إليها، وليس هو من كندة التي هي قبيلة، بل هو جعفي القبيلة من مذحج، وقتل يوم الأربعاء لست بقين، أو ليلتين بقيتا، وقيل يوم الاثنين، لثمان بقين من شهر رمضان.

وفيها العالم الحبر والعلّامة البحر، أبو حاتم محمد بن حبّان بن أحمد بن حبّان بن معاذ التّميمي البستي الشافعي، صاحب «الصحيح» كان حافظا ثبتا إماما حجة، أحد أوعية العلم، صاحب التصانيف. سمع أبا خليفة الجمحي، والنسائي وطبقتهما، ومنه الحاكم وطبقته، واشتغل بخراسان، والشام، والعراق، ومصر، والجزيرة. وكان من أوعية العلم في الحديث، والفقه، واللغة، والوعظ، وغير ذلك. حتّى الطب، والنجوم، والكلام. ولي قضاء سمرقند، ثم قضاء نساء، وغاب دهرا عن وطنه، ثم ردّ إلى بست، وتوفي بها في شوال، وهو في عشر الثمانين.

قال الخطيب: كان ثقة نبيلا.

وقال ابن ناصر الدّين: له أوهام أنكرت، فطعن عليه بهفوة منه بدرت ولها محمل لو قبلت.

وقال الإسنوي: أبو حاتم محمد بن حبّان- بكسر الحاء المهملة،

بعدها باء موحدة، البستي، بباء موحدة مضمومة وسين مهملة ساكنة، وبالتاء بنقطتين من فوق- الإمام الحافظ، مصنّف «الصحيح» وغيره.

رحل إلى الآفاق. كان من أوعية العلم، لغة، وحديثا، وفقها، ووعظا، ومن عقلاء الرجال. قاله الحاكم.

وقال ابن السمعاني: كان إمام عصره، تولى قضاء سمرقند مدة، وتفقه به الناس، ثم عاد إلى نيسابور، وبنى بها خانقاه، ثم رجع إلى وطنه، وانتصب بها لسماع مصنفاته، إلى أن توفي ليلة الجمعة لثمان بقين من شوال. انتهى ما أورده الإسنويّ.

قلت: وأكثر نقّاد الحديث على أن «صحيحه» أصحّ من «سنن ابن ماجة» والله أعلم.

وفيها أبو بكر بن مقسم المقرئ، محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم البغدادي العطّار، وله تسع وثمانون سنة. قرأ على إدريس الحداد، وسمع من أبي مسلم الكجّي وطائفة، وتصدّر للإقراء دهرا. وكان علّامة في نحو الكوفيين. سمع من ثعلب «أماليه» وصنّف عدة تصانيف، وله قراءة معروفة منكرة، خالف فيها الإجماع، وقد وثّقه الخطيب.

وفيها أبو بكر الشافعي، محمد بن عبد الله بن إبراهيم البغدادي البزّاز، صاحب «الغيلانيات» في ذي الحجة، وله خمس وتسعون سنة، وهو صاحب «الغيلانيات». وابن غيلان آخر من روى عنه تلك الأجزاء، التي هي في السماء علوّا. روى عن موسى بن سهل الوشاء، ومحمد بن شدّاد المسمعي، وابن أبي الدّنيا، وأكثر. وعنه: الدارقطني، وعمر بن شاهين، وأبو طالب بن غيلان، وخلق.

قال الخطيب: كان ثقة ثبتا [كثير الحديث] حسن التصنيف.

وقال الدارقطني: هو الثّقة المأمون، الذي لم يغمز بحال.

وقال الخطيب أيضا: لما منعت الدّيلم الناس من ذكر فضائل الصحابة، وكتبوا السبّ على أبواب المساجد، كان يتعمد إملاء أحاديث الفضائل في الجامع، والله أعلم.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.