تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة

فيها يوم عاشوراء، ألزم معز الدولة أهل بغداد بالنّوح والمآتم، على الحسين، ﵁، وأمر بغلق الأسواق، وعلّقت عليها المسوح، ومنع الطباخين من عمل الأطعمة، وخرجت نساء الرافضة منشّرات الشعور، مضمّخات الوجوه، يلطمن، ويفتنّ الناس، وهذا أول ما نيح عليه، اللهمّ ثبت علينا عقولنا. قاله في «العبر».

وفيها في ثامن عشر ذي الحجة، عملت الرافضة عيد الغدير، [غدير] خمّ، ودقّت الكوسات، وصلّوا بالصحراء صلاة العيد. قاله في «العبر» أيضا.

وفيها بعث صاحب إرمينية إلى ناصر الدولة رجلين ملتصقين خلفة من جانب واحد، فويق الحقو إلى دوين الإبط، ولدا كذلك ولهما بطنان، وسرّتان، ومعدتان، ولم يمكن فصلهما، وكان ربما يقع بينهما تشاجر،

فيختصمان، ويحلف أحدهما لا يكلّم الآخر أياما، ثم يصطلحان، فمات أحدهما قبل الآخر، فلحق الحيّ الغمّ من نتن الرائحة، فمات. قاله في «الشذور».

وفيها توفي الوزير المهلّبي، أبو محمد الحسن بن محمد الأزدي، من ذرية المهلّب بن أبي صفرة، وزير معز الدولة بن بويه. كان من رجال الدّهر حزما، وعزما، وسؤددا، وعقلا، وشهامة، ورأيا. توفي في شعبان، وقد نيّف على الستين، وكان فاضلا، شاعرا، فصيحا، حليما، جوادا، صادر معز الدولة أولاده من بعده، ثم استوزر أبا الفضل بن الحسين الشيرازي واسمه العباس.

قال ابن خلّكان: وكان الوزير المهلّبي قبل اتصاله بمعز الدولة في شدة عظيمة من الضرورة والضائقة، وكان قد سافر مرّة، ولقي في سفره مشقة صعبة، واشتهى اللّحم فلم يقدر عليه، فقال ارتجالا:

ألا موت يباع فأشتريهفهذا العيش ما لا خير فيه
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
ألا موت لذيذ الطّعم يأتييخلّصني من العيش الكريه
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
إذا أبصرت قبرا من بعيدوددت بأنّني مما يليه
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
ألا رحم المهيمن نفس حرّتصدّق بالوفاة على أخيه
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

وكان معه رفيق يقال له: أبو عبد الله الصوفي، وقيل: أبو الحسن العسقلاني، فلما سمع الأبيات اشترى له بدرهم لحما وطبخه وأطعمه، وتفارقا. وتنقلت بالمهلّبي الأحوال، وتولى الوزارة ببغداد لمعز الدولة، وضاقت الأحوال برفيقه في السفر الذي اشترى له اللحم، وبلغه وزارة

المهلّبي، فقصده وكتب إليه:

ألا قل للوزير فدته نفسيمقالة مذكّر ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لضنك عيشألا موت يباع فأشتريه

فلما وقف عليها تذكر وهزّته أريحيّة الكرم، فأمر له في الحال بسبعمائة درهم، ووقّع في رقعته: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ في سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَالله يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، ثم دعا به، فخلع عليه، وقلّده عملا يرتفق به.

ولما ولي المهلّبي الوزارة بعد تلك الإضافة عمل:

رقّ الزمان لفاقتيورثى لطول تحرّقي
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
فأنالني ما أرتجيهـ وحاد عمّا أتّقي
فلأصفحن عمّا أتاهـ من الذنوب السّبّق
حتّى جنايته بمافعل المشيب بمفرقي
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

وكان لمعز الدولة مملوك تركي في غاية الجمال، يدعى تكين الجامدار، وكان شديد المحبة له، فبعث سريّة لمحاربة بعض بني حمدان، وجعل المملوك المذكور مقدّم الجيش، وكان الوزير المهلّبي يستحسنه ويرى أنه من أهل الهوى لا من أهل مدد الوغى، فعمل فيه:

طفل يرقّ الماء فيوجناته ويرفّ عوده
ويكاد من شبه العذارى فيه أن تبدو نهوده
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
ناطوا بمعقد خصرهسيفا ومنطقة تؤوده
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
جعلوه قائد عسكرضاع الرعيل ومن يقوده
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

وكان كذلك، فإنه ما أنجح [في تلك الحركة] وكانت الكرة عليهم.

ومن شعره النادر في الرّقة قوله:

تصارمت الأجفان لمّا صرمتنيفما تلتقي إلّا على عبرة تجري
للشاعر أبو الفرج الأصبهاني، من قصيدة «تصارمت الأجفان لما صرمتني»

انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.

وفيها أبو القاسم خالد بن سعد الأندلسي القرطبي الحافظ، كان ينظّر بيحيى بن معين، وكان أحد أركان الحديث بالأندلس. سمع بعد سنة ثلاثمائة من جماعة، منهم: محمد بن فطيس، وسعيد بن عثمان الأعناقي. ومنه:

قاسم بن محمد وغيره، وكان إماما حجّة مقدّما على حفّاظ زمانه، عجبا في معرفة الرجال والعلل، وقيل: كان يحفظ الشيء من مرّة، ورد أن المنتصر بالله الحكم قال: إذا فاخرنا أهل المشرق بيحيى بن معين، فاخرناهم بخالد بن سعد.

وفيها أبو بكر الإسكافي، محمد بن محمد بن أحمد بن مالك، ببغداد، في ذي القعدة. روى عن موسى بن سهل الوشّاء وجماعة، وله جزء مشهور.

وفيها أحمد بن محمد بن السّري بن يحيى بن السّري التميمي الكوفي، أبو بكر بن أبي دارم.

قال ابن ناصر الدّين في «بديعته»:

ابن أبي دارم الضعيفشيعهم برفضه نحيف

أي كان رافضا، فضعّف بسبب رفضه.

روى عن إبراهيم بن عبد الله القصّار، وأحمد بن موسى الحمار، ومطين، وعنه الحاكم، وابن مردويه وآخرون، وكان محدّث الكوفة وحافظها، وجمع في الحطّ على الصحابة، وقد اتّهم في الحديث.

وفيها أحمد بن عبيد بن إسماعيل الحافظ الثقة أبو الحسن البصري الصّفّار. روى عن الكديمي، ومحمد بن غالب تمتام. وروى عنه الدارقطني، وابن جميع.

قال الدارقطني: ثقة ثبت ذكره ابن بردس.

وفيها علي بن أحمد بن أبي قيس الرفاعي البغدادي، أبو الحسن روى عن زوج أمّه أبي بكر بن أبي الدّنيا، وهو ضعيف جدا.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.