من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ستين وثلاثمائة
فيها لحق المطيع لله فالج، بطل نصفه، وثقل لسانه، وأقامت الشيعة عاشوراء باللّطم والعويل، وعيد الغدير بالفرح والكوسات.
وفيها أخذت الرّوم من أنطاكية أكثر من عشرين ألف أسير.
وفيها توفي جعفر بن فلاح، الذي ولي إمرة دمشق للباطنية، وهو أول نائب وليها لبني عبيد، وكان قد سار إلى الشام، فأخذ الرّملة، ثم دمشق، بعد أن حاصر أهلها أياما، ثم قدم لحربه الحسن بن أحمد القرمطي، الذي تغلّب قبله على دمشق، وكان جعفر مريضا على نهر يزيد فأسره القرمطي وقتله.
قال ابن خلّكان: أبو علي جعفر بن فلاح الكتاميّ. كان أحد قوّاد المعز أبي تميم معد بن منصور العبيدي، صاحب إفريقية، وجهزه مع القائد جوهر لما توجه لفتح الدّيار المصرية، فلما أخذ مصر بعثه جوهر إلى الشام، فغلب على الرّملة في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، ثم تغلب على دمشق فملكها في المحرّم سنة تسع وخمسين بعد أن قاتل أهلها، ثم أقام بها إلى سنة ستين، ونزل إلى الدكة فوق نهر يزيد بظاهر دمشق، فقصده
الحسن بن أحمد القرمطي، المعروف بالأعصم، فخرج إليه جعفر المذكور وهو عليل، فظفر به القرمطي فقتله، وقتل من أصحابه خلقا كثيرا، وذلك في يوم الخميس سادس ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة.
قال بعضهم: قرأت على باب قصر القائد جعفر بن فلاح المذكور بعد قتله مكتوبا:
يا منزلا لعب الزمان بأهلهفأبادهم بتفرّق لا يجمع
أين الذين عهدتهم بك مرّةكان الزمان بهم يضرّ وينفع
ذهب الذين يعاش في أكنافهموبقي الذين حياتهم لا تنفع
وكان جعفر المذكور رئيسا جليل القدر ممدحا، وفيه يقول أبو القاسم محمد بن هانئ الأندلسي الشاعر المشهور:
كانت مساءلة الرّكبان تخبرنيعن جعفر بن فلاح أطيب الخبر
حتّى التقينا فلا والله ما سمعتأذني بأحسن مما قد رأى بصري
والناس يروون هذين البيتين لأبي تمام في القاضي أحمد بن [أبي] دواد وهو غلط. انتهى.
وفيها الأمير زيري بن مناد الحميري الصّنهاجي، جدّ المعزّ بن باديس، وزيريّ أول من ملك من طائفته، وهو الذي بنى مدينة أشير في إفريقية وحصّنها في أيام خروج مخلد الخارجي، وكان زيريّ حسن السيرة شجاعا صارما، وكانت بينه وبين جعفر الأندلسي ضغائن وأحقاد أفضت إلى
الحرب، فلما تصافا انجلى المصاف عن قتل زيري المذكور، وذلك في شهر رمضان. ذكروا أنه كبا به فرسه، فسقط إلى الأرض فقتل، وكانت مدة ملكه ستا وعشرين سنة، وهو صاحب مدينة تاهرت.
وفيها الحافظ العلم، مسند العصر الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللّخمي، في ذي القعدة بأصبهان، وله مائة سنة وعشرة أشهر، وكان ثقة صدوقا، واسع الحفظ، بصيرا بالعلل والرّجال والأبواب، كثير التصانيف، وأوّل سماعه في سنة ثلاث وسبعين ومائتين بطبرّية المنسوب إليها. ورحل أولا إلى القدس، سنة أربع وسبعين، ثم رحل إلى قيسارية سنة خمس وسبعين، فسمع من أصحاب محمد بن يوسف الفريابي، ثم رحل إلى حمص، وجبلة، ومدائن الشام، وحجّ، ودخل اليمن، ورد إلى مصر، ثم رحل إلى العراق، وأصبهان، وفارس. روى عن أبي زرعة الدمشقي، وإسحاق الدّبري وطبقتهما، كالنسائي. وعنه: من شيوخه، أبو خليفة الجمحي، وابن عقدة، وأبو نعيم الحافظ، وأبو الحسين بن فاذشاه وغيرهم.
قال ابن خلّكان: وعدد شيوخه ألف شيخ، وله المصنفات الممتعة النافعة الغريبة، منها: المعاجم الثلاثة «الكبير» و «الأوسط» و «الصغير» وهي أشهر كتبه. وروى عنه الحافظ أبو نعيم والخلق الكثير.
ومولده سنة ستين ومائتين بطبريّة الشام، وسكن أصبهان إلى أن توفي بها نهار السبت ثامن عشري [ذي] القعدة سنة ستين وثلاثمائة. انتهى.
وقال ابن ناصر الدّين: هو مسند الآفاق، ثقة. له «المعاجم» الثلاثة المنسوبة إليه، وكان يقول عن «الأوسط»: هو روحي، لأنه تعب عليه.
انتهى.
وفيها أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلّاد الفارسي الرّامهرمزي، الحافظ الكبير البارع. روى عن أبيه، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، وأبي خليفة الجمحي. وعنه: ابن جميع، وابن مردويه، وغيرهما، وهو من الثقات.
وفيها الطّوماري- نسبة إلى طومار، جدّ- وهو أبو علي عيسى بن محمد البغدادي في صفر، وله ثمان وتسعون سنة، وهو ليس بالقوي، يروي عن الحارث بن أبي أسامة، وابن أبي الدّنيا، والكديمي، وطبقتهم.
وفيها أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد الهيثم الأنباري البندار. روى عن أحمد بن الخليل البرجلاني، ومحمد بن أحمد بن أبي العوّام، وتفرّد بالرّواية عن جماعة، وتوفي يوم عاشوراء، وله ثلاث وتسعون سنة، وأصوله حسنة، بخط أبيه.
وفيها أبو عمرو بن مطر النيسابوري الزاهد، شيخ السّنّة، محمد بن جعفر بن محمد بن مطر المعدّل. روى عن أبي عمر أحمد بن المبارك المستملي، ومحمد بن أيوب الرّازي، وطبقتهما، وكان متعففا قانعا باليسير، يحيي الليل، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويجتهد في متابعة السّنّة.
توفي في جمادى الآخرة، وله خمس وتسعون سنة.
وفيها محمد بن جعفر بن محمد بن كنانة، أبو بكر البغدادي المؤدب. روى عن الكديمي، وأبي مسلم الكجّي.
قال ابن أبي الفوارس: فيه تساهل، وتوفي عن أربع وتسعين سنة.
ومن غرائب الاتفاق موت هؤلاء الثلاثة في سنة واحدة، وهم في عشر المائة، وأسماؤهم، وآباؤهم واحدة، وهم شيء واحد. قاله في «العبر».
وفيها ابن العميد الوزير العلّامة، أبو الفضل محمد بن الحسين بن محمد الكاتب، وزير ركن الدولة الحسن بن بويه، صاحب الرّيّ، كان آية في التّرسّل والإنشاء، فيلسوفا، متهما برأي الحكماء، حتّى كان ينظّر بالجاحظ، وكان يقال: بدئت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد. وكان الصاحب إسماعيل بن عبّاد تلميذه وخصيصه وصاحبه، ولذلك قالوا: الصاحب، ثم صار لقبا عليه، وكان الصاحب ابن عبّاد قد سافر إلى بغداد، فلما رجع إليه قال: كيف وجدتها؟ قال: بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد، وكان ابن العميد سايسا مدبرا للملك، قائما بضبطه، وقصده جماعة من مشاهير الشعراء من البلاد الشاسعة ومدحوه بأحسن المدائح، فمنهم: أبو الطيب، وردّ عليه وهو بأرّجان ومدحه بقصائد، أحدها التي أولها:
باد هواك صبرت أم لم تصبراوبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى
أرجان أيتها الجياد فإنهعزمي الذي يذر الوشيج مكسّرا
لو كنت أفعل ما اشتهيت فعالهما شقّ كوكبك العجاج الأكدرا
أمّي أبا الفضل المبرّ أليّتيلأيمّمنّ أجلّ بحر جوهرا
أفتى برؤيته الأنام وحاش ليمن أن أكون مقصّرا أو مقصرا
من مبلغ الأعراب أني بعدهاشاهدت رسطاليس والإسكندرا
ومللت نحر عشارها فأضافنيمن ينحر البدر النّضار لمن قرى
وسمعت بطليموس دارس كتبهمتملّكا متبدّيا متحضرا
ولقيت كل الفاضلين كأنماردّ الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدّماوأتى بذلك إذ أتيت مؤخّرا
وهي من القصائد المختارة.
قال ابن الهمذاني في كتاب «عيون السير»: فأعطاه ثلاثة آلاف دينار.
وكان المتنبي نظمها بمصر في أبي الفضل جعفر بن الفرات، فلما لم يرضه، لم ينشده إيّاها، فلما توجه إلى بلاد فارس صرفها إلى ابن العميد.
وكان أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي قد ورد عليه وهو بالرّيّ وامتدحه بقصيدته التي أولها:
برح اشتياق وادّكارولهيب أنفاس حرار
ومدامع عبراتهاترفضّ عن نوم مطار
لله قلبي ما يجنّمن الهموم وما يواري
لقد انقضى سكر الشباب وما انقضى وصب الخمار
وكبرت عن وصل الصغار وما سلوت عن الصغار
سقيا لتغليسي إلىباب الرّصافة وابتكاري
أيام أخطر في الصبانشوان مسحوب الإزار
حجي إلى حجر الصّراة وفي حدائقها اعتماري
ومواطن اللّذات أوطاني ودار اللهو داري
لم يبق لي عيش يلذسوى معاقرة العقار
حتّى بألحان قمرت بهن ألحان القماري
وإذا استهل ابن العميدتضاءلت ديم القطار
خلق صفت أخلاقهصفو السبيك من النضار
فكأنما رفدت مواهبه بأمواج البحار
وكأن نشر حديثهنشر الخزامى والعرار
وكأننا مما تفرق راحتاه في نثار
إن الكبار من الأمور تنال بالهمم الكبار
فتأخرت صلته [عنه] فشفع هذه القصيدة بأخرى، وأتبعها برقعة، فلم يزده ابن العميد على الإهمال مع رقة حاله التي ورد عليها إلى بابه، فتوسّل إلى أن دخل عليه يوم المجلس وهو حفل بأعيان الدولة، ومقدمي أرباب الديوان، فوقف بين يديه، وأشار بيده إليه، وقال: أيها الرئيس، إني لزمتك لزوم الظل، وذللت لك ذل النعل، وأكلت النوى المحرق انتظارا لصلتك، والله ما بي من الحرمان، ولكن شماتة الأعداء، قوم نصحوني
فاغتششتهم، وصدقوني فاتهمتهم، فبأي وجه ألقاهم؟ وبأي حجة أقاومهم؟
ولم أحصل من مديح بعد مديح، ومن نثر بعد نظم إلا على ندم مؤلم ويأس مسقم، فإن كان للنجاح علامة فأين هي وما هي؟ إن الذين نحسدهم على ما مدحوا [به] كانوا من طينتك، وإن الذين هجوا كانوا مثلك، فزاحم بمنكبك أعظمهم سناما وأنورهم شعاعا، وأشرفهم بقاعا. ثم رفع رأسه ابن العميد وقال: هذا وقت يضيق عن الإطالة منك في الاستزادة، وعن الإطالة مني في المعذرة، وإذا تواهبنا ما دفعنا [إليه] استأنفنا ما نتحامل عليه. فقال ابن نباتة: أيها الرئيس، هذه نفثة صدر قد ذوى منذ زمان، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر، والغني إذا مطل لئيم، فاستشاط ابن العميد، وقال: والله ما استوجبت هذا العتب من أحد من خلق الله تعالى، ولقد نافرت العميد من دون ذا حتّى دفعنا إلى فريّ عاتم ولجاج قائم، ولست وليّ نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضي عنك، وإن بعض ما أقررته في مسامعي ينغص مرّة الحليم ويبدد شمل الصريم هذا وما استقدمتك بكتاب، ولا استدعيتك برسول، ولا سألتك مدحي، ولا كلفتك تقريضي. فقال ابن نباتة: صدقت أيها الرئيس ما استقدمتني بكتاب، ولا استدعيتني برسول، ولا سألتني مدحك، ولا كلفتني تقريضك، ولكن جلست في صدر إيوانك
بأبّهتك، وقلت: لا يخاطبني أحد إلا بالرئاسة، ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة، فإني كاتب ركن الدولة، وزعيم الأولياء والحضرة، والقيّم بمصالح المملكة، فكأنك دعوتني بلسان الحال ولم تدعني بلسان القال، فثار ابن العميد مغضبا، وأسرع في صحن داره إلى أن دخل حجرته، وتقوض المجلس، وماج الناس، وسمع ابن نباتة وهو في صحن الدار مارّا يقول:
والله إن سفّ التراب والمشي على الجمر، أهون من هذا، فلعن الله الأدب إذا كان بائعه مهينا، ومشتريه مماكسا فيه. فلما سكن غيظ ابن العميد، وثاب إليه حلمه التمسه من الغد ليعتذر إليه ويزيل آثار ما كان منه، فكأنما غاص في سمع الأرض وبصرها، فكانت حسرة في قلب ابن العميد إلى أن مات.
وللصاحب ابن عبّاد فيه مدائح كثيرة، وكان ابن العميد قد قدم مرّة إلى أصبهان، والصاحب بها، فكتب إليه يقول:
قالوا ربيعك قد قدمقلت البشارة إن سلم
أهو الرّبيع أخو الشتاء أم الرّبيع أخو الكرم
قالوا الذي بنوالهأمن المقلّ من العدم
قلت الرئيس ابن العميد إذا، فقالوا لي نعم
ولابن العميد شعر متوسط منه قوله:
رأيت في الوجه طاقة بقيتسوداء عيني تحبّ رؤيتها
فقلت للبيض إذ تروعهابالله إلا رحمت وحدتها
فقلن ليس السواد في بلدتكون فيه البيضاء ضرّتها
وفيها الآجرّي الإمام، أبو بكر محمد بن الحسين البغدادي المحدّث
الثقة الضابط، صاحب التصانيف والسّنّة. كان حنبليا وقيل: شافعيا- وبه جزم الإسنوي وابن الأهدل- سمع أبا مسلم الكجّي، وأبا شعيب الحرّاني، وطائفة. ومنه أبو الحسن الحمامي وأبو الحسين بن بشران، وأبو نعيم الحافظ، وصنّف كثيرا. جاور بمكة وتوفي بها. قيل: إنه لما دخلها فأعجبته قال: اللهمّ ارزقني الإقامة بها سنة، فهتف به هاتف بل ثلاثين سنة، فعاش بها ثلاثين سنة، ثم مات بها في أول المحرم.
والآجري: بضم الجيم، نسبة إلى قرية من قرى بغداد.
وفيها أبو طاهر بن ذكوان البعلبكّيّ المؤدّب محمد بن سليمان، نزيل صيدا ومحدّثها. قرأ القرآن على هارون الأخفش، وسمع أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، وزكريا خيّاط السّنّة، وطبقتهما، وعاش بضعا وتسعين سنة.
روى عن السّكن بن جميع، وصالح بن أحمد المسامحي، وقرأ عليه عبد الباقي بن الحسين، شيخ أبي الفتح [بن] فارس.
وفيها أبو القاسم محمد بن أبي يعلى الهاشمي الشريف. لما أخذت العبيديون دمشق، قام هذا الشريف بدمشق، وقام معه أهل الغوطة والشباب، واستفحل أمره في ذي الحجة سنة تسع وخمسين، وطرد عن دمشق متولّيها، ولبس السواد، وأعاد الخطبة لبني العبّاس، فلم يلبث إلّا أيّاما، حتّى جاء عسكر المغاربة، وحاربوا أهل دمشق، وقتل بين الفريقين جماعة، ثم هرب الشريف في الليل، وصالح أهل البلد العسكر، ثم أسر الشريف عند تدمر، فشهره جعفر بن فلاح على جمل، في المحرم، سنة ستين، وبعث به إلى مصر.
وقد توفي في عشر الستين وثلاثمائة، خلق، منهم:
أحمد بن القاسم بن الريّان، أبو الحسن المصري اللّكّيّ، نزيل البصرة. روى عن الكديمي، وإسحاق الدّبري وطبقتهما.
قال ابن ماكولا: فيه ضعف.
وقال الحافظ أبو محمد الحسن بن علي البصري: سمعت منه، وليس بالمرضي.
وأحمد بن طاهر النجم الحافظ أبو عبد الله محدث أذربيجان الميانجي بالفتح والتحتية وفتح النون وجيم، نسبة إلى ميانة، بلد بأذربيجان -.
قال أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي: ما رأيت مثله، ولا رأى مثل نفسه.
وقال الخليل: توفي بعد الخمسين.
سمع أبا مسلم الكجّي، وعبد الله بن أحمد.
وأبو الحسن بن سالم الزاهد، أحمد بن محمد بن سالم الزاهد البصري، شيخ السالميّة، كان له أحوال ومجاهدات، وعنه أخذ الأستاذ أبو طالب صاحب القوت، وهو آخر أصحاب سهل التّستري وفاة، وقد خالف أصول السّنّة في مواضع، وبالغ في الإثبات في مواضع، وعمّر دهرا، وبقي إلى سنة بضع وخمسين. قاله في «العبر».
وأبو حامد أحمد بن محمد بن شارك، الفقيه الشافعي، مفتي هراة ومحدّثها ومفسرها وأديبها. رحل الكثير، وعني بالحديث، وروى عن محمد بن عبد الرّحمن السّامي، والحسن بن سفيان، وطبقتهما، وتوفي سنة خمس وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين.
وإبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أبي العزائم، أبو إسحاق الكوفي، صاحب أبي عمرو أحمد بن أبي غرزة الغفاري.
وأبو علي النّجّاد الصغير، وهو الحسين بن عبد الله البغدادي الحنبلي، المسند، صنّف في الأصول والفروع.
قال ابن أبي يعلى في «طبقاته»: كان فقيها معظما إماما في أصول الدّين وفروعه.
صحب من شيوخ المذهب: لأبي الحسن بن بشار، وأبي محمد البربهاري، ومن في طبقتهما.
وصحبه جماعة، منهم: أبو حفص البرمكي، وأبو جعفر العكبري وأبو الحسن الجزري.
قال النّجّاد: جاءني رجل- وقد كنت حذّرت منه أنه رافضي- فأخذ
يتقرب إليّ، ثم قال: لا نسب أبا بكر وعمر، بل معاوية وعمرو بن العاص، فقلت له: وما لمعاوية؟ قال: لأنه قاتل عليا. قلت له: إن قوما يقولون: إنه لم يقاتل عليا، وإنما قاتل قتلة عثمان. قال: فقول النّبيّ، ﷺ، لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» ؟ [قلت: إن أنا قلت: [إن هذا] لم يصح، وقعت منازعة، ولكن قوله عليه [الصلاة] السلام: «تقتلك الفئة الباغية»] يعني به الطالبة، لا الظالمة، لأن أهل اللغة تسمي الطالب: باغيا، ومنه: بغيت الشيء، أي طلبته، ومنه قوله تعالى: قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي وقوله ﷿: وَابْتَغُوا من فَضْلِ الله ومثل ذلك كثير، فإنما يعني به: الطالبة لقتلة عثمان رضوان الله عليه.
وقال أبو حفص العكبري: سمعت أبا علي النجّاد يقول: سمعت أبا الحسن بن بشار يقول: ما أعتب على رجل يحفظ لأحمد بن حنبل خمس مسائل أن يستند إلى بعض سواري المسجد ويفتي الناس بها.
وجزم ابن بردس، أن النّجّاد هذا توفي سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.
وفيها الرّامهرمزي، الحسن بن عبد الرحمن بن خلّاد، الحافظ القاضي. روى عن أبيه، ومطيّن، ومحمد بن [حيّان] المازني وغيرهم.
وعنه ابن جميع وابن مردويه وغيرهما، وهو ثقة.
قال أبو القاسم بن مندة: عاش إلى قريب الستين وثلاثمائة.
وجزم ابن بردس أنه توفي في سنة ستين.
والجابري عبد الله [بن جعفر] بن إسحاق الموصلي، صاحب الجزء المشهور به، وشيخ أبي نعيم الحافظ. روى عن محمد بن أحمد بن أبي المثنّى وغيره.
وأبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن أحمد بن علّك، المروزي الجوهري المحدّث، محدّث مرو ومسندها. روى عن الفضل الشّعراني، ومحمد بن أيوب [بن] الضّريس.
قال ابن ناصر الدّين: هو ثبت مشهور، وجزم أنه توفي بعد الستين.
وكشاجم، أحد فحول الشعراء، واسمه محمود بن حسين. كان من الشعراء المجيدين والفضلاء المبرزين، حتّى قيل: إن لقبه هذا منحوت من عدّة علوم كان يتقنها، فالكاف للكتابة، والشين من الشعر، والألف من الإنشاء، والجيم من الجدل، والميم من المنطق، وكان يضرب بملحه المثل، فيقال: ملح كشاجم.
ومن شعره قوله في أسود له تعد:
يا مشبها في لونه فعلهلم تعد ما أوجبت القسمة
فعلك من لونك مستنبطوالظّلم مشتق من الظّلمه
وقال بعضهم في ترجمته: هو أبو الحسين، وأبو الفتح، بن السندي الكاتب، المعروف بكشاجم، هو من أهل الرّملة من نواحي فلسطين، وكان
رئيسا في الكتابة، ومقدما في الفصاحة والخطابة، له تحقيق يتميز به عن نظرائه، وتدقيق يربي به على أكفائه، وتحديق في علوم التعليم أضرم في شعلة ذكائه، فهو الشاعر المفلق، والنجم المتألق. لقب نفسه بكشاجم، فسئل عن ذلك، فقال: الكاف من كاتب، والشين من شاعر، والألف من أديب، والجيم من جواد، والميم من منجم، وكان من شعراء أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان، والد سيف الدولة، قيل: إنه كان طباخ سيف الدولة، شعره أنيق، وأرج مدوناته فتيق، منها كتاب «المصائد والمطارد».
قال في «تثقيف اللسان»: كشاجم لقب له، جمعت أحرفه من صناعته، ثم طلب علم الطب، حتّى مهر فيه وصار أكبر علمه، فزيد في اسمه طاء من طبيب، وقدمت، فقيل: طكشاجم، ولكنه لم يشتهر.
وأبو حفص العتكي الأنطاكي، عمر بن علي. روى عن ابن جوصا، والحسن بن أحمد بن فيل، وطبقتهما.
وأبو العبّاس محمد بن أحمد بن حمدان الزاهد، أخو أبي عمرو بن حمدان. نزل خوارزم، وحدّث بها عن محمد بن أيوب بن الضّريس، ومحمد بن عمرو قشمرد، وطبقتهما، وأكثر عنه البرقاني.
ومحمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب الأصبهاني القمّاط. روى عن أبي بكر بن أبي عاصم، وغيره.
وأبو جعفر الرّوذراوري، نسبة إلى روذراور، بلد بهمذان، واسمه محمد بن عبد الله بن برزة. حدّث بهمذان، سنة سبع وخمسين، عن تمتام، وإسماعيل القاضي، وطبقتهما، وقال صالح بن أحمد الحافظ: هو شيخ.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع