من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة تسع وسبعين وثلاثمائة
فيها توفي أبو حامد، أحمد بن محمد بن أحمد بن باكويه النيسابوري. سمع محمد بن شاذل، والسرّاج، وجماعة، وهو صدوق.
وفيها علي بن أحمد بن عمر أبو الحسن السرخسي، الثقة الضابط، كان حافظا، كتب الكثير، ولم يحدّث إلا بشيء يسير. قاله ابن ناصر الدّين.
وفيها شرف الدولة، سلطان بغداد، ابن السلطان عضد الدولة الديلمي. كان فيه خير وقلّة ظلم، مرض بالاستسقاء، ومات في جمادى الآخرة، وله تسع وعشرون سنة، وتملّك بغداد سنتين وثمانية أشهر، وولي بعده أخوه أبو نصر.
وفيها محمد بن أحمد بن العبّاس، أبو جعفر، الجوهري البغدادي، نقاش الفضّة، كان من كبار المتكلّمين، وهو عالم الأشعرية في وقته، وعنه أخذ أبو علي بن شاذان علم الكلام، توفي في المحرم، وله سبع وثمانون سنة. روى عن محمد بن محمد الباغندي وجماعة.
وفيها أبو بكر الزّبيدي- بضم الزاي وفتح الموحدة، وبدال مهملة بعد الياء، نسبة إلى زبيد، واسمه منبّه بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج- محمد بن الحسن بن عبيد الله بن مذحج- بضم الميم وسكون الذال
المعجمة وكسر الحاء المهملة وبعدها جيم، اسم أكمة حمراء باليمن، ولد عليها [مالك بن أدد] فسمي باسمها.
كان صاحب الترجمة شيخ الأندلس بل وغيرها في العربية.
قال ابن خلّكان: هو نزيل قرطبة، كان واحد عصره في علم النحو وحفظ اللغة، وكان أخبر أهل زمانه بالإعراب والمعاني والنوادر، أي علم السير والأخبار، ولم يكن بالأندلس في فنه مثله في زمانه، وله كتب تدل على وفور علمه منها «مختصر كتاب العين» وكتاب «طبقات النحويين واللغويين بالمشرق والأندلس» من زمن أبي الأسود الدؤلي إلى زمن شيخه أبي عبد الله النحوي الرياحي، وله كتاب «هتك ستور الملحدين» وكتاب «لحن العامة» وكتاب «الواضح في العربية» وهو مفيد جدا، وكتاب «الأبنية في النحو» ليس لأحد مثله.
واختاره الحكم المستنصر بالله صاحب الأندلس لتأديب ولده، وليّ عهده هشام المؤيد بالله، فكان الذي علمه الحساب والعربية ونفعه نفعا كثيرا، ونال أبو بكر الزّبيدي به دنيا عريضة، وتولى قضاء إشبيلية وخطة الشرطة، وحصل له نعمة ضخمة لبسها بنوه من بعده زمانا. وكان الزّبيديّ شاعرا كثير الشعر، فمن ذلك قوله في أبي مسلم بن فهر:
أبا مسلم إن الفتى بجنانهومقوله لا بالمراكب واللّبس
وليس ثياب المرء تغني قلامةإذا كان مقصورا على قصر النفس
وليس يفيد العلم والحلم والحجاأبا مسلم طول القعود على الكرسي
وكان في صحبة الحكم المستنصر، وترك جاريته بإشبيلية فاشتاق إليها
واستأذنه في العود إليها، فلم يأذن له، فكتب إليها:
ويحك يا سلم لا تراعيلا بدّ للبين من زماع
لا تحسبيني صبرت إلّاكصبر ميت على النّزاع
ما خلق الله من عذابأشدّ من وقفة الوداع
ما بينها والحمام فرقلولا المناحات والنّواعي
إن يفترق شملنا وشيكامن بعد ما كان ذا اجتماع
فكلّ شمل إلى افتراقوكلّ شعب إلى انصداع
وكلّ قرب إلى بعادوكلّ وصل إلى انقطاع
وكان كثيرا ما ينشد:
الفقر في أوطاننا غربةوالمال في الغربة أوطان
والأرض شيء كلّها واحدوالنّاس إخوان وجيران
وفيها أبو سليمان بن زبر، المحدّث الحافظ، الثقة الجليل، محمد بن القاضي عبد الله بن أحمد بن ربيعة الرّبعي الدمشقي، مات في جمادى الأولى. روى عن أبي القاسم البغوي، وجماهر الزّملكاني، ومحمد بن الرّبيع الجيزي، وخلق، وصنّف التصانيف المفيدة، وممّن أخذ عنه تمّام الرّازي، وعبد الغني بن سعيد [الأزدي]، ومحمد بن عوف المزني.
وفيها محمد بن المظفّر بن موسى بن عيسى أبو الحسين البغدادي، وله ثلاث وتسعون سنة. توفي في جمادى الأولى، وكان من أعيان الحفّاظ. سمع من أحمد بن الحسن الصوفي، وعبد الله بن زيدان، ومحمد بن خريم، وطبقتهم بالعراق، والجزيرة، والشام، ومصر، وكان يقول: عندي من الباغندي مائة ألف حديث.
قال ابن ناصر الدّين: كان محدّث العراق، حافظا، ثقة، نبيلا، مكثرا، متقنا، يميل إلى التشيّع قليلا. انتهى.
وفيها غندر النّجار، أبو بكر، محمد بن جعفر بن العبّاس. روى عن ابن المجدّر، وابن صاعد. وعنه: الحسن بن محمد الخلّال، وكان يحفظ.
قاله ابن بردس.
وفيها محمد بن النّضر، أبو الحسين الموصلي النحّاس، الذي روى ببغداد «معجم أبي يعلى» عنه.
قال البرقاني: واه لم يكن ثقة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع