من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة
في شوالها مات عضد الدولة، فناخسرو بن الملك ركن الدولة الحسن بن بويه، ولي سلطنة [بلاد] فارس بعد عمّه عماد الدولة علي، ثم حارب ابن عمه عز الدولة كما تقدم، واستولى على العراق، والجزيرة، ودانت له الأمم، وهو أول من خوطب بشاهنشاه في الإسلام، وأول من خطب له على المنابر ببغداد بعد الخليفة، وكان من جملة ألقابه تاج الملّة، وهو الذي أظهر قبر الإمام علي كرّم الله وجهه، بالكوفة، وبنى عليه المشهد الذي هناك، وعمّر النواحي، وحفر الأنهار، وأصلح طريق مكة، وهو الذي بنى على مدينة النّبيّ ﷺ سورا، وبنى المارستان العضدي ببغداد، وأنفق عليه أموالا لا تحصى، وكان أديبا مشاركا في فنون من العلم، حازما لبيبا، إلا أنه كان غاليا في التشيّع، وله صنّف أبو علي «الإيضاح» و «التكملة» وقصده الشعراء من البلاد، كالمتنبي، وأبي الحسن السّلامي، وكان شهما مطاعا، حازما زكيا، متيقظا مهيبا، سفّاكا للدماء، له عيون كثيرة تأتيه بأخبار البلاد القاصية، وليس في بني بويه مثله، وكان قد طلب حساب ما يدخله في العام فإذا هو ثلاثمائة ألف ألف وعشرون ألف ألف درهم، وجدّد مكوسا
ومظالم، قيل: إنه أنشد أبياتا فلازمه الصرع بعدها إلى أن مات وهي:
ليس شرب الكأس إلا في المطروغناء من جوار في السّحر
غانيات سالبات للنّهىناغمات في تضاعيف الوتر
[مبرزات الكأس من مطلعهاساقيات الراح من فاق البشر]
عضد الدولة وابن ركنهاملك الأملاك غلّاب القدر
سهّل الله له بغيتهفي ملوك الأرض ما دار القمر
وأراه الخير في أولادهليساس الملك منهم بالغرر
ومات بعلّة الصرع في شوال، ولما نزل به الموت كان يقول: ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ - ويردّدها إلى أن مات.
وأنشد في احتضاره قبل ترديده لهذه الآية قول القاسم بن عبيد الله:
قتلت صناديد الرجال فلم أدععدوّا ولم أمهل على ظنّة خلقا
[وأخليت دور الملك من كلّ نازلوبددتهم غربا وشرّدتهم شرقا]
فلما بلغت النّجم عزا ورفعةوصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا
رماني الرّدى سهما فأخمد جمرتيفها أنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى
فأذهبت دنياي وديني سفاهةفمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى
الزاهرة». ومات عن سبع وأربعين سنة واحد عشر شهرا، ودفن في دار المملكة، وكتم ذلك، ثم حمل بعد ذلك إلى مشهد علي بن أبي طالب ﵁.
وفيها النضروي، أبو منصور العبّاس بن الفضل بن زكريا بن نضرويه- بضاد معجمة- مسند هراة. روى عن أحمد بن نجدة، ومحمد بن عبد الرحمن الشامي وطائفة، ووثقه الخطيب، ومات في شعبان.
وفيها الغزّي، أبو بكر محمد بن العبّاس بن وصيف، الذي يروي «الموطأ» عن الحسن بن الفرج الغزي، صاحب يحيى بن بكير. ورّخه أبو القاسم بن مندة.
وفيها ابن بخيت، أبو بكر محمد بن عبد الله بن خلف بن بخيت العكبري الدّقّاق، ببغداد، في ذي القعدة. روى عن خلف العكبري، والفريابي.
وفيها ابن خميرويه العدل، أبو الفضل محمد بن عبد الله بن محمد بن خميرويه بن سيّار الهروي، محدّث هراة. روى عن علي الجكّاني، وأحمد بن نجدة وجماعة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع