تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة سبعين وثلاثمائة

فيها رجع عضد الدولة من همذان، فلما وصل إلى بغداد، بعث إلى الطائع لله ليتلقاه، فما وسعه التخلّف، ولم تجر عادة بذلك أبدا، وأمر قبل دخوله، أن من تكلم أو دعا له قتل، فما نطق مخلوق، فأعجبه ذلك. وكان عظيم الهيبة، شديد العقوبة على الذنب الصغير.

وفيها توفي الرّازي، أبو بكر أحمد بن علي الفقيه، شيخ الحنفية ببغداد، وصاحب أبي الحسن الكرخي، في ذي الحجة، وله خمس وستون سنة. انتهت إليه رئاسة المذهب، وكان مشهورا بالزهد والدّين، عرض عليه قضاء القضاة فامتنع، وله عدة مصنفات. روى فيها عن الأصم وغيره.

وفيها اليشكري، أحمد بن منصور الدّينوري الأخباري، مؤدّب الأمير حسن بن عيسى بن المقتدر. روى عن ابن دريد وطائفة، وله أجزاء منسوبة إليه رواها الأمير حسن.

وفيها أبو سهل بشر بن أحمد الإسفراييني الدهقان المحدّث الجوّال.

روى عن إبراهيم بن علي الذّهلي، وقرأ على الحسن بن سفيان مسنده، ورحل إلى بغداد، والموصل، وأملى زمانا، وتوفي في شوال، عن نيّف وتسعين سنة.

وفيها أبو محمد السّبيعي- بفتح السين المهملة، نسبة إلى سبيع بطن

من همدان- وهو الحافظ الحسن [بن أحمد] بن صالح الحلبي. روى عن عبد الله بن ناجية وطبقته، ومات في آخر السنة في الحمام، وكان شرس الأخلاق.

قال ابن ناصر الدّين: كان على تشيّع فيه ثقة.

وفيها الحسن بن رشيق العسكري، أبو محمد المصري الحافظ، في جمادى الآخرة، وله ثمان وثمانون سنة.

قال يحيى بن الطحّان: روى عن النّسائي، وأحمد بن حمّاد زغبة، وخلق لا أستطيع ذكرهم، ما رأيت عالما أكثر حديثا منه.

وفيها ابن خالويه، الأستاذ أبو عبد الله الحسين بن أحمد الهمذاني النحوي اللغوي صاحب التصانيف وشيخ أهل حلب. أخذ عن ابن مجاهد، وأبي بكر بن الأنباري، وأبي عمر الزاهد.

قال ابن الأهدل: انتقل عن بغداد إلى حلب فاستوطنها، ومات بها، وكان بنو حمدان يعظّمونه، دخل على سيف الدولة، فقال له: اقعد، ولم يقل: اجلس، فاتخذت فضيلة لسيف الدولة، وذلك لأن القائم يقال له:

اقعد، والنائم والساجد: اجلس، وله مواقف مع المتنبي في مجلس سيف الدولة، ومن شعره:

إذا لم يكن صدر المجالس سيّدافلا خير فيمن صدّرته المجالس
للشاعر الحسين بن أحمد بن خالويه، من قصيدة «إذا لم يكن صدر المجالس سيداً»
وكم قائل: ما لي رأيتك راجلا؟فقلت له: من أجل أنك فارس

انتهى.

وفيها القبّاب وهو الذي يعمل المحابر أبو بكر، عبد الله بن محمد بن محمد بن فورك بن عطاء الأصبهاني المقرئ، وله بضع وتسعون سنة. قرأ على ابن شنبوذ، وروى عن محمد بن إبراهيم الجيراني، وعبد الله بن محمد بن النّعمان، والكبار، وصار شيخ ناحيته، توفي في ذي القعدة.

وفيها الإمام الإسماعيلي، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العبّاس، أبو بكر، الجرجاني، أحد الحفاظ الأعيان. كان شيخ المحدّثين والفقهاء، وأجلّهم في المروءة والسخاء. قاله ابن ناصر الدّين.

وفيها العلّامة الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي اللغوي النحوي الشافعي، صاحب «تهذيب اللغة» وغيره من المصنفات الكبار، الجليلة المقدار، مات بهراة، في شهر ربيع الآخر، وله ثمان وثمانون سنة. روى عن البغوي، ونفطويه، وأبي بكر بن السرّاج، وترك الأخذ عن ابن دريد تورعا، لأنه رآه سكران، وقد بقي الأزهري في أسر القرامطة مدة طويلة. قاله في «العبر».

وقال ابن قاضي شهبة: ولد بهراة سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وكان فقيها صالحا، غلب عليه علم اللغة، وصنّف فيه كتابه «التهذيب» الذي جمع فيه فأوعى، في عشر مجلدات، وصنّف في التفسير كتابا سمّاه «التقريب».

انتهى ملخصا.

وقال ابن خلّكان: وحكى بعض الأفاضل أنه رأى بخطه، قال:

امتحنت بالأسر سنة عارضت القرامطة الحاجّ بالهبير، وكان القوم الذي وقعت في سهمهم عربا نشؤوا في البادية يتتبعون مساقط الغيث أيام النجع، ويرجعون إلى أعداد المياه في محاضرهم زمان القيظ، ويرعون النعم ويعيشون بألبانها، وكنّا نشتّي بالدهناء، ونرتبع بالصّمّان، ونقيظ بالسّتارين، واستفدت من محاورتهم ومخاطبة بعضهم بعضا ألفاظا جمّة، ونوادر كثيرة، أوقعت أكثرها في كتابي- يعني «التهذيب» -. انتهى.

وفيها الحافظ الكبير، أبو بكر غندر، محمد بن جعفر البغدادي الورّاق الثقة. كان رحّالا جوّالا، توفي بأطراف خراسان غريبا. سمع بالشام، والعراق، ومصر، والجزيرة. وروى عن الحسن بن شبيب المعمري، ومحمد بن محمد الباغندي، وطبقتهما. وعنه: الحاكم، وأبو نعيم، وغيرهما.

قال الحاكم: دخل إلى أرض التّرك، وكتب من الحديث ما لم يتقدمه فيه أحد كثرة.

وفيها أبو زرعة اليمني الإستراباذي، محمد بن إبراهيم الحافظ.

روى عن علي بن الحسين بن معدان، والسّراج، وأبي عروبة الحرّاني.

وعنه: الإدريسي، وحمزة السهمي، وهو ثقة. قاله ابن بردس.

وممّن كان بعد الستين وثلاثمائة:

الرّفّاء الشاعر، أبو الحسن السّريّ بن أحمد الكندي الموصلي، صاحب الديوان المشهور. مدح سيف الدولة، والوزير المهلّبي والكبار.

قال ابن خلّكان: كان في صباه يرفو ويطرز في دكان بالموصل، وهو مع ذلك يتولع بالأدب وينظم الشعر، ولم يزل حتّى جاد شعره ومهر فيه، وقصد سيف الدولة بن حمدان بحلب، وأقام عنده مدة ثم انتقل بعد وفاته إلى بغداد، ومدح الوزير المهلّبي وجماعة من رؤسائها، ونفق شعره وراج، وكان بينه وبين أبي بكر محمد، وأبي عثمان سعيد بن هاشم الخالديين الموصليين الشاعرين المشهورين معاداة، فادّعى عليهما سرقة شعره، وشعر غيره.

وكان السّريّ مغرى بنسخ «ديوان كشاجم» الشاعر المشهور، وهو إذ ذاك ريحان الأدب بتلك البلاد، والسّريّ في طريقه يذهب، فكان يدسّ فيما يكتبه من شعره أحسن شعر الخالديين ليزيد في حجم ما ينسخه، وينفق سوقه، ويعلى شعره بذلك عليهما، ويغضّ منهما. فمن هذه الجهة وقفت

في بعض النسخ من «ديوان كشاجم» على زيادات ليست في الأصول المشهورة.

وكان شاعرا مطبوعا، عذب الألفاظ، مليح المأخذ، كثير الافتتان في [التشبيهات و] الأوصاف، ولم يكن له رواء ولا منظر، ولا يحسن من العلوم غير قول الشعر.

ومن شعر السّري المذكور:

وكانت الإبرة فيما مضىصائنة وجهي وأشعاري
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «ينبيك عن صحة أخباري»
فأصبح الرزق بها ضيقاكأنه من ثقبها جاري
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «ينبيك عن صحة أخباري»

ومن محاسن شعره في المديح قوله من جملة قصيدة:

يلقى الّندى برقيق وجه مسفرفإذا التقى الجمعان عاد صفيقا
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «أما الخيال فما يغب طروقا»
رحب المنازل ما أقام فإن سرىفي جحفل ترك الفضاء مضيقا
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «أما الخيال فما يغب طروقا»

وذكر له الثعالبي في كتابه «المنتحل»:

ألبستني نعما رأيت بها الدّجىصبحا وكنت أرى الصباح بهيما
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «الله جارك ظاعنا ومقيما»
فغدوت يحسدني الصديق وقبلهاقد كان يلقاني العدو رحيما
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «الله جارك ظاعنا ومقيما»

ومن غرر شعره في التشبيب:

بنفسي من أجود له بنفسيويبخل بالتّحية والسّلام
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بنفسي من أجود له بنفسي»
وحتفي كامن في مقلتيهكمون الموت في حدّ الحسام
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «بنفسي من أجود له بنفسي»

وله كتاب «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» وكانت وفاته سنة نيف وستين وثلاثمائة. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.

وفاروق بن عبد الكبير، أبو حفص الخطّابي البصري، محدّث البصرة ومسندها. روى عن الكجّي، وهشام بن [علي] السّيرافي، ومحمد بن يحيى القزّاز، وكان حيّا في سنة إحدى وستين.

وابن مجاهد المتكلم، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي، صاحب الأشعري، ذو التصانيف الكثيرة في الأصول. قدم من البصرة، فسكن بغداد، وعنه أخذ القاضي أبو بكر الباقلّاني، وكان ديّنا صيّنا خيّرا.

والنّقوي أبو عبد الله، محمد بن عبد الله الصنعاني، آخر من روى في الدّنيا عن إسحاق بن إبراهيم. رحل المحدّثون إليه في سنة سبع وستين وثلاثمائة.

والنّجيرمي- بفتح النون والراء، وكسر الجيم، نسبة إلى نجيرم، محلة بالبصرة- أبو يعقوب، يوسف بن يعقوب البصري. حدّث في سنة خمس وستين عن أبي مسلم، ومحمد بن حيّان المازني.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.