تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة عشر وأربعمائة

فيها كما قال في «الشذور» ورد إلى القادر كتاب من عين الدولة محمود بن سبكتكين يذكر ما افتتحه من بلاد الهند، فيه: إني فتحت قلاعا وحصونا، وأسلم زهاء عشرين ألفا من عبّاد الأوثان، وسلّموا قدر ألف ألف درهم من الورق وبلغ عدد الهالكين منهم خمسين ألفا، ووافى العبد مدينة لهم، عاين فيها زهاء ألف قصر مشيد وألف بيت الأصنام، ومبلغ ما في الصنم ثمانية وتسعون ألف مثقال وثلاثمائة مثقال، وقلع من الأصنام الفضة زيادة على ألف صنم، فحصل منهم عشرون ألف ألف درهم، وأفرد خمس الرقيق، فبلغ ثلاثة وخمسين ألفا، واستعرض ثلاثمائة وستة وخمسين فيلا. انتهى.

وقال الذهبي: وكان جيشه ثلاثين ألف فارس، سوى الرّجالة والمطّوّعة.

وقال ابن الأهدل: فتح ما لم يبلغه أحمد في الإسلام، وبنى فيها- أي الهند- مساجد، وكسر الصنم المشهور «بسر منات» وهو عند كفرة الهند يحيي ويميت، ويقصدونه لأنواع العلل، ومن لم يشف منهم الحتجّ بالذنب

وعدم الإخلاص، ويزعمون أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت إليه على مذهب أهل التناسخ، ويتركها فيمن شاء، وأن مدّ البحر وجزره عبادة له، ويتحفه كل ملوك الهند والسّند بخواص ما عندهم، حتّى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية، وخدمه من البراهمة ألف رجل، وثلاثمائة يحلقون رؤوسهم ولحاهم عند الورود، وثلاثمائة امرأة يغنون ويضربون عند بابه، وبين قلعة الصنم وبلاد المسلمين مسيرة شهر، مفازة قليلة الماء، صعبة المسالك، لا تهتدى طرقها، فأنفق محمود ما لا يحصى في طلبها، حتّى وصلها وفتحها في ثلاثة أيام، ودخل بيت الصنم وحوله أصنام كثيرة من الذهب المرصّع بالجوهر، محيطة بعرشه، يزعمون أنها الملائكة، فأحرق الصنم، ووجد في أذنه نيفا وثلاثين حلقة، فسألهم محمود عن تلك الحلق، فقالوا: كل حلقة عبادة ألف سنة، كلما عبدوه ألف سنة، علّقوا في أذنه حلقة، ولهم فيه أخبار طويلة. انتهى.

وفيها توفي الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني صاحب «التفسير» و «التاريخ» والتصانيف التي منها «المستخرج على صحيح البخاري» لستّ بقين من رمضان، وقد قارب التسعين. سمع بأصبهان، والعراق، وروى عن أبي سهل بن زياد القطّان وطبقته، وعنه عبد الرحمن بن مندة وأخوه عبد الوهاب، وخلق كثير، وكان إماما في الحديث، بصيرا بهذا الشأن.

وفيها الحافظ أبو بكر الشيرازي، أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن موسى الفارسي الجوّال، صاحب كتاب «ألقاب الرجال» كان

حافظا، وصدوقا متقنا. ذكره ابن ناصر الدّين في «بديعته» وأثنى عليه، وعدّه من الحفّاظ، لكن جزم بموته في السنة التي بعدها.

وفيها أبو القاسم الشّيباني، عبد الرحمن بن عمر بن نصر الدمشقي المؤدّب، في رجب. روى عن خيثمة وطبقته، واتهموه في لقاء أبي إسحاق بن أبي ثابت، ويذكر عنه الاعتزال. قاله في «العبر».

وفيها ابن بالويه المزكّي أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن بالويه النيسابوري. آخر من روى عن محمد بن الحسين القطان، وكان ثقة نبيلا وجيها، توفي فجاءة في شعبان، وكان يملي في داره.

وفيها ابن بابك، الشاعر المشهور، عبد الصمد بن منصور بن الحسين بن بابك، أحد الشعراء المجيدين المكثرين، ديوانه في ثلاث مجلدات، وله أسلوب رائق في نظم الشعر، وجاب البلاد، ومدح الرؤساء- وبابك بفتح الموحدتين- قال له الصاحب بن عبّاد: أنت ابن بابك؟ فقال:

ابن بابك، فأعجب به غاية الإعجاب.

ومن شعره:

وأغيد معسول الشمائل زارنيعلى فرق والنجم حيران طالع
فلما جلى صبح الدّجى قلت حاجبمن الصبح أو قرن من الشمس لامع
إلى أن دنا والسّحر رائد طرفهكما ريع ضبي بالصّريمة راتع
فنازعته الصهباء والليل دامسرقيق حواشي البرد والنّسر واقع
عقارا عليها من دم الصّبّ بعضهومن عبرات المستهام فواقع
تدير إذا شحّت عيونا كأنهاعيون العذارى شقّ عنها البراقع
معوّدة غصب العقول كأنمالها عند ألباب الرجال ودائع
للشاعر ابن بابك، اقرأ القصيدة
فبتنا وظلّ الوصل دان وسرّنامصون ومكتوم الصبابة ذائع
إلى أن سلا عن ورده فارط الغطاولاذت بأطراف الغصون السّواجع
فولّى أسير السّكر يكبو لسانهفتنطق عنه بالوداع الأصابع

وله أيضا:

يا صاحبي امزجا كأس المدام لناكيما يضيء لنا من نورها الغسق
خمرا إذا ما نديمي همّ يشربهاأخشى عليه من اللألاء يحترق
لو رام يحلف أن الشمس ما غربتفي فيه كذّبه في وجهه الشّفق
للشاعر شهاب الدين التلعفري، اقرأ القصيدة

وله بيت من قصيدة وهو الغاية رقّة:

ومرّ بي النسيم فرقّ حتّىكأني قد شكوت إليه ما بي
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «جرى في عوده ماء الشباب»

وتوفي ببغداد رحمه الله تعالى.

وفيها أبو عمر بن مهدي، عبد الواحد بن محمد بن عبد الله الفارسي ثم البغدادي البزّاز آخر أصحاب المحاملي، وابن مخلد، وابن عقدة.

قال الخطيب: ثقة. توفي في رجب، وله اثنتان وتسعون سنة.

وفيها القاضي أبو منصور الأزدي محمد بن محمد بن عبد الله

الفقيه، شيخ الشافعية بهراة، ومسند البلد، رحل وسمع ببغداد من أحمد بن عثمان الأدمي، وبالكوفة من ابن دحيم وطائفة، توفي فجاءة في المحرم.

وفيها أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش - بميم مفتوحة وحاء مهملة ساكنة، بعدها ميم مكسورة، ثم شين معجمة- ابن علي بن داود بن أيوب الأستاذ، الزّيادي، الفقيه الشافعي، عالم نيسابور ومسندها. ولد سنة سبع عشرة وثلاثمائة وسمع سنة خمس وعشرين من أبي حامد بن بلال، ومحمد بن الحسين القطان، وعبد الله بن يعقوب الكرماني، وخلق، وأملى ودرّس، وكان قانعا متعفّفا، له مصنّف في علم الشروط، وروى عنه الحاكم مع تقدمه عليه، وأثنى عليه، وعرف بالزّيادي لأنه كان يسكن ميدان زياد بن عبد الرحمن.

وقال ابن السمعاني: إنما سمّي بذلك نسبة إلى بعض أجداده.

وفيها هبة الله [بن] سلامة بن أبي القاسم البغدادي المفسّر، مؤلف كتاب «الناسخ والمنسوخ» وجدّ رزق الله التميمي لأمه. كان من أحفظ الأئمة للتفسير، وكان ضريرا، له حلقة بجامع المنصور.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.